محمود كلّم يكتب لوطن: نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال

أحياناً لا يبدأ قتل الإنسان حين يُطلق عليه الرصاص، ولا حين يُقتاد إلى السجن.
يبدأ قبل ذلك بكثير؛ بالكلمة، بالتشويه، وبحملة تجعل الضحية تبدو وكأنها هي المشكلة، قبل أن يصل إليها السجّان.
أقول هذا لأن اسم علاء الريماوي يعيدني دائماً إلى نزار بنات.
عندما كنت يافعاً في الكتابة، لم يكن لديّ اهتمام كبير بأخبار الضفة الغربية المحتلة.كنتُ أتابع الشأن الفلسطيني من زاويةٍ أخرى، إلى أن تعرّفتُ إلى نزار بنات، وذلك في الفترة التي أعقبت مباشرةً صدور كتابي «ناجي العلي… من أجل هذا قتلوني»، الصادر عن دار بيسان في بيروت عام 2001.
في كل سهرة كانت تجمعنا، كان يتحدث معي عن الوضع في الضفة، وعن القمع والخوف، وعن واقع الناس الذين يعيشون تحت ضغط متواصل.
قال لي ذات مرة، وهو يتحدث عن الجواسيس والعملاء في زمن ثورة عام 1936: «هي هي الجواسيس زمن ثورة 1936، اليوم نحن نعاني من ذريتهم النجسة.»
كانت جملة قالها في سهرة عابرة، لكنها بقيت في ذاكرتي.
لم أكن أعرف يومها أنني سأعود إليها بعد سنوات، وأنا أكتب عن نزار بنات نفسه، بعد أن أصبح شهيداً.
أما علاء الريماوي، فلم أكن أعرفه.
كانت المرة الأولى التي سمعت فيها اسمه يوم وقف في جنازة الشهيد نزار بنات، صلّى عليه، ثم بكى وأبكانا.
حاولت الاتصال به بعد ذلك، لكنني لم أوفّق.
ثم بدأت حملة التشهير والتحريض ضده، إلى أن انتهى الأمر باعتقاله من قبل الاحتلال.
ومنذ ذلك الوقت، بقي سؤال واحد يلاحقني:
هل كانت المشكلة في علاء الريماوي أنه وقف إلى جانب نزار؟
وبعد سنوات، أنجزتُ كتابي عن الشهيد نزار بنات، «الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة»، الذي صدر عن دار بيسان في بيروت في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
كان الكتاب بالنسبة إليّ محاولة لجمع ما بقي من صوته، وشهادات من عرفوه، وما عايشته معه، وما أراه مسؤولية السلطة عن مقتله.
وكان ينقص الكتاب شيء واحد فقط: المقدمة.
اقترح عليّ بعض أصدقائي أسماء عدد من الشخصيات الفلسطينية الوازنة، لكنني كنت قد حسمت قراري:
لن يكتب مقدمة الكتاب إلا علاء الريماوي.
كنت أريد الرجل الذي رأيته واقفاً في جنازة الشهيد نزار بنات، والرجل الذي بكى عليه وأبكانا.
انتظرت علاء طويلاً.
كان الكتاب قد اكتمل، وكنت أؤجل تسليمه إلى دار بيسان في بيروت، التي تولت نشره، على أمل أن تصلني مقدمته.
لكن الانتظار طال، حتى انقطع الأمل.
وعندما لم يعد بإمكاني الانتظار أكثر، كتبت المقدمة بنفسي بلسان علاء الريماوي، وهذا ما حدث فعلاً.
لماذا أعود الآن إلى حكاية كتاب نزار بنات؟
لأن الحملة التي سبقت اعتقال علاء تذكّرني، في تفاصيلها، بما سبق اغتيال نزار بنات.
لم تبدأ الحملة على علاء مع مبادرته «تنازل لله»، وإنما بدأت منذ أن صلّى على جنازة الشهيد نزار بنات.
ومنذ ذلك اليوم، أخذت الكلمات طريقها: تشهير، وتحريض، ومحاولات لتقديم الرجل باعتباره مشكلة، بدل النظر إليه باعتباره صحفياً اختار أن يقف في موقف يراه حقاً.
ثم انتقل الأمر من الكلمات إلى الضغوط.
فقد أرسلت خارجية السلطة في رام الله رسالة إلى الخارجية القطرية تطلب فيها طرد الصحفي علاء الريماوي من عمله في قناة الجزيرة مباشر، مهددة بأنه في حال عدم الاستجابة سيتم إغلاق مكاتب قناة الجزيرة في الضفة الغربية.
وكان الصحفي وليد العمري يتابع الأمر يومها، لكن الاحتلال ناب عنهم لاحقاً، فأغلق مكتب قناة الجزيرة في رام الله، في خطوة طالت القناة والعاملين فيها.
وهكذا لم يكن اعتقال علاء بداية الحكاية.
كانت هناك كلمات سبقت الاعتقال، وحملة سبقت القيود، وضغوط سبقت السجن.
وبعد خروجه من سجون الاحتلال، تواصلت مع علاء مرات عديدة.
كنت أجد في صوته شيئاً من ذلك الرجل الذي ظهر يوم جنازة الشهيد نزار بنات.
قد يختلف الناس معه، وهذا حقهم، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى تشهير أو تحريض.
هذه ليست المرة الأولى التي أرى فيها هذا النوع من المشهد.
في عام 2009، كنت في بودابست، عاصمة هنغاريا، عندما اجتمعت الجالية الفلسطينية وانتخبت هيئة تمثلها، ثم انتخبت الهيئة الدكتور تيسير صالح رئيساً لها.
الدكتور تيسير صالح من سيلة الظهر في جنين، وقد وصل إلى بودابست بمنحة لدراسة طب الأسنان عن طريق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان صديقاً لماهر اليماني.
بعد الانتخابات، بدأت أصوات محسوبة على سفارة السلطة بالتحريض عليه، واتهامه بأنه قيادي في حركة حماس.
كنت أعرف الدكتور تيسير صالح، ولم أعرفه يوماً بوصفه قيادياً في أي جهة سياسية.
كان همه خدمة أبناء الجالية الفلسطينية في هنغاريا، لكن النتيجة الانتخابية لم ترقَ للبعض، فتحول الخلاف إلى حملة عليه.
لهذا لا أستطيع أن أرى ما يتعرض له علاء الريماوي اليوم بوصفه حادثة منفصلة.
الأسماء تتغير، والأماكن تتغير، والسنوات تمضي، لكن الطريقة نفسها تتكرر:
يبدأ الأمر باختلاف، ثم يتحول الاختلاف إلى اتهام، ثم يأتي التشويه، وبعده قد يأتي الإقصاء أو الاعتقال.
والمؤلم أن الإنسان قد يجد نفسه مطالباً بالدفاع عن نفسه من تهم لم تكن موجودة أصلاً قبل أن تبدأ الحملة عليه.
أنا لا أكتب هذا المقال لأطلب من أحد أن يتفق مع علاء الريماوي، ولا لأقدمه بوصفه فوق النقد.
أكتب لأنني أعرف نقطة محددة في حكايته:
يوم وقف في جنازة الشهيد نزار بنات، صلّى عليه، وبكى عليه وأبكانا.
ومنذ ذلك اليوم، بقي ذلك المشهد في ذاكرتي، رغم أنني لم أكن حاضراً في الجنازة، بل شاهدتها عبر التلفزيون في بثٍّ مباشر.
واليوم حين أرى علاء خلف القضبان، أتذكر الشهيد نزار بنات، وأتذكر الكتاب الذي انتظرت أن يكتب علاء مقدمته، حتى كتبتها أنا بلسانه.
ربما لهذا أعود إلى الحكاية كلها.
لأنني أخشى أن نعتاد على التحريض حتى يصبح شيئاً عادياً، وأن نسمع التشويه طويلاً حتى ننسى كيف بدأت القصة.
نزار بنات رحل، وعلاء الريماوي في السجن، وبين الرحيل والسجن كلمات كثيرة قيلت.
وما أخشاه أكثر من السجن نفسه هو أن تنجح الكلمات في قتل الإنسان في أعين الناس، قبل أن تصل إليه القيود.
فالسجن قد يقيّد الجسد، لكن أخطر السجون هو ذلك الذي يُبنى من الكلمات حول الإنسان، حتى يصبح الدفاع عنه أصعب من اعتقاله.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


