وليد عبد الحي يكتب لوطن: سيناريوهات الاربعين يوما القادمة

في 27 اكتوبر القادم ستجري انتخابات برلمانية اسرائيلية ، تليها وبفارق اسبوع واحد الانتخابات النصفية للكونجرس الامريكي في الثالث من نوفمبر القادم ، وهنا من العسير تجاوز هذين الحدثين عند توصيف السيناريوهات القادمة للمنطقة بخاصة سيناريو الحرب (استئناف القتال) او سيناريو "تعزيز الهدوء الهش" القائم حاليا ناهيك عن احتمال ثالث بأن تبقى المراوحة بين الابقاء على الوضع القائم حاليا مع استمرار التهديد المتبادل .
اولا: الولايات المتحدة:
سعى ترامب من بداية رئاسته الثانية الى تكريس صورة ذهنية بأنه "صانع السلام" بل وتباهي –ولو بقدر كاف من المبالغة- بانهاء ما بين 6-9 حروب(لم يكن مستقرا على رقم محدد)، ومن الضروري الاشارة الى ان هناك جبهات متعددة ،ولكني اعتقد ان الاكثر ضغطا هما جبهتي ايران وغزة .
أ- ايران: من الواضح ان انعكاسات تكلفة الحرب الامريكية على ايران بدأت تتزايد ، ووصف تقرير خدمة ابحاث الكونجرس الحرب مع ايران بأنها "تحولت لحرب استنزاف "، فهل ستستمر واشنطن بالضربات الجوية المحدودة، او تقوم بتعليق عملياتها ،او تسير في خط التصعيد ام تتمكن من الوصول الى اتفاق؟ ان الحرب وما تركته من ارتفاع في اسعار الطاقة اصبحت مشكلة مؤرقة لترامب والحزب الجمهوري ناهيك عن التذمر من حلفاء ترامب في هذا الجانب بخاصة في اوروبا واليابان ..الخ.
وهنا التساؤل المركزي :هل استراتيجية ترامب هي انهاء الحرب (ليضيفها لقائمة ما ادعى انه انهاه) ام سيعود للحرب ؟ وهنا لا بد من الاشارة الى ان ايران تصر على ان لها شروط "وهي صعبة بالنسبة لترامب" مما يزيد احتمال التوافق بين الطرفين صعوبة.
وهنا نجد ملاحظة اراها ضرورية في فهم سياسات ترامب ،وهي ان ترامب لا يمتلك رؤية استراتيجية متكاملة ومستقرة، فضعف ثقافته السياسية ،وطغيان نرجسيته على الحساب القومي ، تجعله اقرب للتفكير في "الربح السريع" بخاصة ان ما تبقى من عمره السياسي لا يزيد عن عامين وبضعة شهور، فها هو يعرض اللقاء بالرئيس الايراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويبشر بين الحين والآخر باحتمالات وقف الحرب لا سيما وان استطلاعات الراي العام الامريكي تتزايد في نتائجها ضغطا على اعصاب ترامب الذي تدنت شعبيته الى حدود تتراوح بين 30-33%، ناهيك عن ان الفارق في عدد المقاعد في مجلسي الكونجرس بين الحزبين ليست كبيرة وقابلة للتغيير، مما ينطوي على تضييق "محتمل" لفضاء القرار السياسي لترامب.
ان الاستجابة لنداءات ترامب للتعاون الدولي للسيطرة على مضيق هرمز تشير الى استجابة دولية متواضعة للغاية، ونفقات الحرب وضغوط التضخم ونتائج العديد من الانتخابات المحلية في بعض الولايات تشكل أرقا له، بل ها هو يستعد لاستقبال الرئيس الصيني بعد اكتشف انه اوهى من ان يكبح جماح الصعود الصيني الذي وعد به مرار، كل ذلك جعله يقف في موقف حائر بين احتمالين مع ايران هما العودة للقتال او تعزيز الهدوء النسبي، ولكن ماذا عن شروط ايران الثقيلة للاستجابة لذلك؟ هنا تبدو مشكلة اكبر لترامب مهما كانت الشروط "تفاوضية".
وهناك مؤشر لا يجوز تجاوزه وهو انسحاب القوات الامريكية من العراق مع نهاية هذا الشهر، وهو ما يحتمل تفسيرين، فهو اما مؤشر على تخفيف اعباء الانتشار الامريكي في المنطقة وتعزيز التهدئة، او انه "اعادة تموضع" للقوات الامريكية لتكون اقل عرضة للضربات الايرانية او لحلفاء ايران من قوى المقاومة العراقية ، وهو ما يعني ان الانسحاب الفعلي يعزز التهدئة ،لكن اعادة التموضع يجعل الامر اقرب لنشر القوات لتصبح اكثر فاعلية واقل عرضة للضرب،وهو ما يزيد الامور تعقيدا،وعليه فان طبيعة الانسحاب تشكل مؤشرا على نوايا ترامب تجاه ايران بشكل خاص، فأين ستذهب القوات المنسحبة :هل سيعاد توزيعها على الدول المجاورة؟ ام سنسمع عن اعداة التفاوض على موضوعها ام هي في طرقها بعيدا عن المسرح الشرق اوسطي؟
ب- غزة: تبدو جبهة غزة اقل تعقيدا لترامب ، وسيحاول ان يعوض بعض تعثره في ايران ببعض الانجازات في غزة من خلال :
1- انضباط- لا توقف- اسرائيلي اكبر في عملياتها في غزة
2- الضغط على المقاومة الفلسطينية لمزيد من التنازلات بخاصة في موضوع السلاح
3- توظيف الوساطة المصرية القطرية لمزيد من اقناع المقاومة بتنازلات جديدة تحت ستار الوساطة العربية.
4- اتاحة المجال لمزيد من التسهيلات في جانب المساعدات الانسانية واعادة الاعمار.
ويبدو ان الحكومة الامريكية تربط بين الانتخابات الاسرائيلية وبين السياسة الاسرائيلية في قطاع غزة، وترى ان نيتنياهو يريد توظيف نتائج اعماله في غزة(القصف المستمر،الاغتيالات للقيادات الميدانية، توسيع دائرة السيطرة على المساحات، مزيد من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية..الخ) لتحقيق نتائج افضل في الانتخابات ،لا سيما ان نتائج الاستطلاعات ليست مطمئنة لنيتنياهو على غرار حليفه ترامب، ويبدو ان صفقة الاسلحة الامريكية بحوالي 2.8 مليار لاسرائيل التي اعلن عنها مؤخرا هي من باب" الغواية" لنيتنياهو ليكون اكثر استجابة لتطلعات ترامب.
لكن نتائج الانتخابات لصالح نيتنياهو ستجعل مساحة المناورة لترامب اضيق ، اما إذا تراجع نيتنياهو في النتائج ، فسيكون ترامب اكثر قدرة على توظيف نزوعه الذي اشرنا له ،لا سيما ان الفارق بين انتخابات اسرائيل والانتخابات النصفية الامريكية قصيرة(اسبوع ) مما لا يساعد على محو اثرها بخاصة ان تشكيل الحكومة الجديدة في اسرائيل سيستغرق وقتا ليبقى تاثير النتائج شاخصا على المسرح الشرق اوسطي، ولكن ماذا لو جاءت النتائج لتعزيز دور نيتنياهو وكتلته السياسية؟ هنا قد يزداد الامر تعقيدا.
من مصلحة اسرائيل ان لا تتم التهدئة على الجبهة الايرانية لكي يستثمر نيتنياهو هذا الوضع ويواصل التحريض على ايران، وعليه فإذا فاز نيتنياهو او حافظ على موقعه –على اقل تقدير - فان عدم الاستقرار الشرق اوسطي سيتسع،وهو ما سيفسد على ترامب طموحاته، ولكن ترامب يدرك ان "تطويع" نيتنياهو سيجر على ترامب ضغوطا صهيونية من خلال اللوبي اليهودي(الآيباك والمسيحية الصهيونية)، وهو ما يزيد التراجع في صفوف انصار ترامب اضافة لما هو قائم حاليا.
الخلاصة:
1- يبدو ان ترامب يتجه للمزج بين استمرار الضغط السياسي والاقتصادي مع اقل قدر ممكن من العمل العسكري ضد ايران الى حين تنتهي نتائج الانتخابات النصفية ثم يقرر في ضوء نتائجها. وهدف ذلك منع المزيد من التكاليف الاقتصادية على المجتمع الامريكي وبعض حلفاء الولايات المتحدة، ثم ابقاء الضغط النسبي على ايران لضمان مساندة الاتجاه المتشدد بين الجمهوريين وانصارهم من المستقلين ، وتدل الاستطلاعات على ان 24% من جمهور ترامب انتقل من تاييد الحرب على ايران الى رفضها..ذلك يعني ان ترامب سيحافظ على الحالة القائمة حاليا الى حين تنتهي الانتخابات النصفية،لكن ذلك لا يمنع من وقوع بعض الاحداث التي قد تكون غير محسوبة لا سيما في ظل التوتر حول انسحاب القوات الامريكية من العراق مع نهاية الشهر الجاري او مواجهات سعودية يمنية واسعة او اغلاق باب المندب...الخ مما يفسد المشهد المأمول من ترامب لكنه مأمول من اسرائيل.
2- بالنسبة لاسرائيل فان نيتنياهو واقع بين خيارين : ان اي حرب يقودها نيتنياهو ضد ايران ستضعه في امس الحاجة لمساندة امريكية ، وهنا ستتصادم تكتيكات ترامب مع تكتيكات نيتنياهو(ولا اقول استراتيجيتهما)، فالحرب الاسرائيلية ضد ايران تحتاج لموافقة امريكية، لكن الدخول في حرب مع ايران لا يتسق والحساب التكتيكي لترامب في ظل الانعكاس السلبي الكبير للحرب مع ايران او تجددها على حسابات ترامب للانتخابات النصفية.
ذلك يعني –بعيدا عن البجعة السوداء- ان وتيرة الاحداث ستبقى في هبوط وصعود ولكن ضمن الواقع القائم في ملامحه الكبرى، اما بعد الاربعين يوما القادمة فذلك بحاجة للتأمل الاعمق على اساس:
اذا فاز نيتنياهو والجمهوريين
اذا فاز نيتنياهو وتعثر ترامب
اذا فاز ترامب وتعثر نيتنياهو
إذا فشل كلاهما.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


