"أردت السير بحرية حتى صادفت ثمرة صبر في مرج ابن عامر، وما زال طعمها في فمي"

المحامي خالد محاجنة يروي لـوطن تفاصيل لقائه بالأسير محمد العارضة

15.09.2021 11:08 AM

وطن: "التقيته في غرفة الزيارة من خلف الزجاج. نظر إليّ باستغراب حيث لم نلتقِ سابقاً. عرفته عن نفسي ووظيفتي وما أمثله بالنسبة له. تلقاني محمد بترحيب وابتسامة عريضة رغم حالته الصحية الصعبة وعلامات التعب الظاهرة على جسده ووجهه".

"جاء مكبّل اليدين والرجلين، رغم أن مصلحة السجون تفكّ قيد الأسير عند لقاءه بمحاميه، لكن محمد ظلّ مقيداً. لم يستطيع بسبب ذلك حمل سماعة الهاتف. أحاط بنا إضافة للحرس حوالي ستة ضباط من مصلحة السجون. راقبوا زيارتنا وفحوى المعلومات التي نتناقلها، وبدقة راقبوا حركات محمد، خوفاً من أي حركة غريبة".

"كان يرتدي معطفاً شتوياً لشدّة البرد القادم عمداً من مكيفات مركز التحقيق كوسيلة تعذيب يلجأ إليها المحققون. مضت زيارتنا بإيجابية، ومليئة بالتفاصيل الهامّة حول رحلة التحقيق التي يمرّ بها منذ اعتقاله يوم السبت الماضي".

هذه الرواية للزيارة الأولى للمحامي خالد محاجنة للأسير محمد العارضة في مركز تحقيق مخابرات الاحتلال في الجلمة قضاء جنين بعد أيام من منع مخابرات الاحتلال لقاء محامين من هيئة شؤون الأسرى للأسرى الأربعة الذين انتزعوا حريتهم عبر نفق سجن "جلبوع".

وقال المحامي محاجنة خلال برنامج "شدّ حيلك يا وطن" الذي يبث عبر شبكة وطن الإعلامية وتقدمه الزميلة ريم العمري، إنه اختار الالتقاء بالأسير محمد العارضة، على أن يقوم محامي آخر بزيارة الأسيرة زكريا الزبيدي خلال الساعات القادمة.

ووصف المحامي محاجنة، لقاءه بالأسير محمد العارضة، قائلاً: "ألقي القبض على محمد ورفيقه زكريا الزبيدي في بلدة أم الغنم في الجليل الأسفل بالداخل المحتل السبت الماضي، حيث قبل ساعتين من اعتقالهما، كانت البلدة مليئة بجنود الاحتلال وعناصر مخابراته وشرطته. وجد الأسيران شاحنة واختبئا أسفلها، ومضت ساعة ونصف وأجهزة الاحتلال تبحث عنهما، لكن صدفة قادت جندي احتلال أن مدّ يده أسفل الشاحنة فمسك يد محمد. بدأ الجنود بالصراخ عليه وعلى زكريا، وعندما عرّفهم أن اسمه محمد ضربوا رأسه مباشرة بالأرض، مما تسببوا له بجروح في جبهته وأذنه اليمنى".

وأضاف: اعتقل محمد وزكريا، وتفارقا ولم يلتقيا بعد أن قادهم الاحتلال لمركز الشرطة في الناصرة المحتلة. أدخل محمد إلى غرفة صغيرة، وجردوه من ملابس جميعها حتى الداخلية منها، وباشروا بالتحقيق معه وهو عارٍ. وقام حينها سبعة محققين من المخابرات بالصراخ عليه وتوجيه الكلام البذيء له ولعائلته.

وتابع: "نال المحققون إفادة أولية من محمد حول عملية الفرار في مركز الشرطة في الناصرة، ثم نقلوه إلى مركز تحقيق مخابرات الاحتلال في الجلمة. لم يتعرض محمد في هذا المركز لاعتداء جسدي، لكن التعذيب النفسي حجمه كان كبيراً. التحقيق معه على مدار الساعة ولفترة تتراوح 15 ساعة يومياً دون منحه راحة أو تناول وجبات الطعام أو النوم بشكل كافٍ. لقد سبب كل هذا تعباً وإنهاكاً شديداً له. قال لي أن المخابرات تساومه من أجل توريط عائلته في شبهات على خلفية عملهم في حفر النفق. بالطبع يرفض هذه الادعاءات كافة، ومعنوياته عالية خاصة بعد معرفته بحجم الإسناد الخارجي".

وقال محاجنة: يعيش محمد حالياً في زنزانة صغيرة مراقبة 24 ساعة. تفتقد لمقومات الحياة. تحدثنا أساساً حول وضعه الصحي وظروف الاعتقال، وقررت عدم الخوض بتفاصيل عملية النفق كونه قادماً من قاعات التحقيق للتوّ. سمعت كيف تناول ثمرة الصبر في مرج ابن عامر بعد 22 عاماً من اعتقال، كان يبتسم حينها وقال إن طعم الصبر ما زال في فمه. كيف شاهد زيتون البلاد وشرب من مياه الأراضي المحتلة وتجوّل فيها بحريته والتقى أهل الداخل المحتل، وكيف حقق حلمه في زيارة فلسطين التاريخية. لقد أثّرت كلماته فيا وعرفتني بعمق معنى الحرية. لقد خرجت من عنده متأثراً.

وأضاف: قال لي إنه ما زال يتذكر المناطق التي تجول فيها في الجليل الأسفل ومرج ابن عامر. وكيف حافظا على قنينة ماء صغيرة كانوا يملؤونها من كل بلدة أو مدينة يمرون بها، وكيف أكلوا من ثمار الجبال والسهول، لكن قبل اعتقالهم بـ48 ساعة لم يشربوا قطرة ماء مما سبب لهم الإرهاق. سيكتب محمد هذه التجربة بعمق وينشرها حول العالم.

وأوضح محاجنة إن محمد العارضة يواجه ادعاءات باطلة "تآمر مع رفاقه للقيام بعملية إرهابية"، وفق مزاعم الاحتلال. مضيفا: سخر حينها من المحققين وقال لهم بأن هدفه الحرية والخروج للشوارع دون قيود أو مراقبة والخروج عن نطاق ساحة "الفورة" ووقتها الضيق. لقد أراد أن يمشي بمسار متواصل ومستقيم.

"كان حلمه أن يلتقي بوالدته في عرابة، فقد كانت وجهتهم الوصول إلى الضفة والابتعاد عن منطقة "جلبوع" والمناطق الداخلية، لكن راديو هربه الزبيدي أثناء عملية النفق واستماعهم للأخبار يومياً حول ملاحقة جنود الاحتلال لهم أثنتهم عن تغيير وجهتهم نحو الداخل، وأن ينفصل كل أسيرين نحو مسار مختلف"، وفق محاجنة.

وعند اعتقاله مع الزبيدي، قال محاجنة: إنه ما زال هتافات وأغاني المتضامين معهم من أهل الناصرة أمام محكمة الاحتلال عالقة في ذهنه، وقد غنّى لي ما غنوا لهم المتضامنون حينها.

وقال "حقق محمد حلمه بالحرية ولو لأيام. لقد عوضه ذلك عن سنين من العذاب والألم في الأسر. سلّمني رسالة أن يستمر التضامن والحراك الشعبي على كافة المستويات مع الحركة الأسيرة وإنهاء الاعتقالات وتحرير كافة الأسرى. وأرسل تحياته للشعب الفلسطيني ولكافة فصائله والقيادة وخاصة أهل الداخل الذين استقبلوه بالأعلام الفلسطينية أمام المحكمة".

وأضاف: سأعيد زيارته في الأيام المقبلة للخوض في تفاصيل القضية والشبهات والتهم، وحول وجهتنا القانونية وما سنقوم به لأجل الحد من مرحلة التحقيق ونقل الأسرة للمعتقلات مع رفاقهم الأسرى. الحرية غالية جداً وهذا ما أثبته لي".

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير