"الشهادة بتطعميش خبز"... خريجو جامعات غزة على البسطات

11.02.2020 02:35 PM

غزة- وطن- محمد عطا الله: على نار هادئة، يغلي الكاتب والروائي هاني السالمي القهوة لزبائنه الذين يقصدونه ليس فقط لأجلها وإنما أيضاً لقراءة رواياته الشهيرة كفنجان القهوة الذي تصنعه يداه.

بهندامه الأنيق، يقف الشاب الذي لم يتجاوز الأربعين لساعات طويلة أمام عربته التي ركنها بجانب الرصيف وسط مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، ليعد المشروبات الساخنة لزبائنه الذين يتبادلون معه أطراف الحديث حول روايته التي يكتبها.

السالمي أب لأربع طفلات وهو خريج علوم عامة عام 2002 من جامعة الأزهر في غزة، لكنه وجد نفسه مضطراً إلى العمل في بيع المشروبات الساخنة؛ في محاولة للتغلب على شبح البطالة الذي يلاحقه منذ سنوات تخرجه، معتبراً أن "الكتابة والشهادة العلمية بطعموش خبز".

انتشار كبير
وتشهد شوارع غزة انتشاراً كبيراً لعربات صغيرة يقف عليها شُبان يبيعون المشروبات الساخنة المتنوعة، معظمهم من خريجي جامعات قطاع غزة وبعضهم كتاب ولديهم مهارات مختلفة، لم يجدوا فرصة لتطويرها أو للعمل فيها.

تحولت عربات المشروبات بديلاً لهؤلاء الشبان، باعتبارها عملاً يدر عليهم دخلاً يقيهم من التحول إلى عالة على المجتمع، والوقوف في طوابير عشرات آلاف الخريجين الذين ينتظرون فرصة منذ سنوات عديدة دون أي جدوى.

غالبية الشبان الذين يعملون على العربات كانوا قد استبعدوا بالمطلق أن يكون مصيرهم العمل تحت أشعة الشمس الحارقة وعلى الطرقات بعد حصولهم على شهادات البكالوريوس، إلا أن ظروفهم المعيشية أجبرتهم على ذلك، دون أي شعور بالحرج من الأمر، فكما يقول المثل الشعبي "ما دفعك للمر إلا الأمر منه".

ولا تحتاج عربة المشروبات إلى رأس مال كبير، لا سيما وأن تكلفة العربة تبلغ ما بين 200 دولار أميركي إلى 300 دولار على أبعد تقدير، وهو مبلغ بالنسبة لكثيرين يمكن الحصول عليه حتى لو كان عن طريق الاستدانة، بينما الأرباح تسد حاجتهم وفي بعض الأحيان حاجة أسرهم.

فرص مؤقتة
بالعودة إلى السالمي، فقد اكتشف حبه لكتابة الرواية منذ طفولته، ونجح في كتابة ونشر 11 رواية بدأ العمل عليها منذ عام 2007، وحصد عدة جوائز دولية ومحلية لبعض رواياته، فيما حصدت روايته بعنوان "النُدْبَة" لقب جائزة عبد المحسن القطان عن أفضل رواية شابة (جائزة محلية).

ومن أبرز رواياته التي كتبها "حين اختفى وجه هند" و"هذا الرصاص أحبه"، و"سر الرائحة"، و"الظل يرقص معي"، و"الماسة"، و"قلب طابو"، و"الأستاذ الذي خلع بنطاله"، و"الحافلة رقم 6"، و"الجنة الثانية"، لكن اللافت كان توقيعه روايته "المسيحي الأخير" من أمام عربته على الرصيف، بحضور العديد من المثقفين، قبل حوالي أربعة أشهر.

ويحاول الشاب الروائي الذي يقف أمام عربته ما يزيد عن 12 ساعة يومياً الموازنة بين عمله الشاق ومواصلة كتابة الروايات، عبر سرقته لبعض الوقت في ساعات المساء المتأخرة.

لا تفارق الابتسامة وجه السالمي رغم ما يواجهه من تحديات، يتمثل أولها في الظرف المادي الصعب الذي يحرمه من طباعة العديد من الروايات الجديدة التي كتبها، فيما حُرم من السفر للخارج عشرات المرات بعدما دُعي لحضور تسلم إحدى الجوائز التي فاز بها، والمشاركة في المؤتمرات والندوات الثقافية.

يقول: "كثيراً ما دُعيت لتوقيع كتبي في الدول العربية منها جمهورية مصر والجزائر والإمارات، لكن عدم امتلاكي تكاليف السفر لتلك الدول كان يحول دائماً دون ذلك، فأنا بالكاد أستطيع توفير لقمة أطفالي".

الحال لم يكن مختلفاً كثيراً لدى العشريني محمد خلف الذي وجد هو الآخر من عربة المشروبات طوق نجاة له، بعد تخرجه من قسم المحاسبة في إحدى الجامعات الفلسطينية عام 2013 وعمله لفترة مؤقتة في برنامج لتشغيل الخريجين، دون حصوله على وظيفة رسمية.

يقول خلف الذي يقف أمام عربته الخشبية في منطقة الساحة وسط مدينة غزة إن هذه العربة باتت تمثل له "الحياة الكريمة" بعد الرفض المتكرر لطلبات التوظيف التي تقدم بها للجهات الحكومية والمؤسسات الخاصة.

وينتقد خلف المحسوبيات في التوظيف قائلاً: "أرى أن الوظائف الشحيحة التي تُتاح كل فترة مرة ويتم اختيار عدد قليل جداً من الخريجين مقارنة بعشرات الآلاف العاطلين عن العمل، لا تتم بصورة حرة ونزيهة وتخضع للواسطة".

"حلول ابتكارية"
يرى الباحث والحقوقي في "مركز الميزان لحقوق الإنسان" حسين حماد أن الحصار الإسرائيلي الخانق على قطاع غزة منذ عام 2006، بالإضافة إلى حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، هما "السببان الرئيسيان في الارتفاع الجنوني لمعدلات البطالة وعدم توفير فرص عمل للخريجين".

ويوضح حماد أن عربات المشروبات التي يلجأ إليها الخريجون في قطاع غزة هي حلول ابتكارية جيدة في ظل الواقع الصعب وعدم وجود استيعاب للتوظيف في السوق المحلية، لكنها ليست حلاً نهائياً لهذه الأزمة.

ويبين أن عدم حصول الخريج على فرصة عمل في تخصصه الجامعي الذي تخرّج به هو بمثابة انتهاك لحقوق الإنسان، وخاصة للشباب الذين لديهم الحق في العمل والعيش والحياة الكريمة.

ويشير حماد إلى وجود أكثر من خمس جامعات تُخرّج كل عام عشرات الآلاف من الخريجين، فيما لا يجد أكثر من 60% منهم فرصة للحصول على وظائف في تخصصاتهم المتنوعة.

من ناحيته، يرى أستاذ علم الاقتصاد في جامعة الأزهر في غزة معين رجب أن الأوضاع التي يعيشها الخريجون تعكس حالة الفقر والبطالة المتفشية على امتداد سنوات طويلة، دون وجود أي أفق للحل.

وعن انتشار عربات المشروبات على الأرصفة، يقول أستاذ علم الاقتصاد: "هذه ظاهرة تبعث على الإحباط والعجز، وعلى صعيد الجهات الرسمية يجب إيجاد الحلول الممكنة لهذا الحالة التي أصبحت ظاهرة وسط من يتخرجون سنوياً بقرابة 40 ألف على مستوى القطاع والضفة".

وبفعل الحصار والانقسام، يعيش قرابة 80 في المئة من سكان غزة على المساعدات الإنسانية، وفقا للأمم المتحدة.
وارتفعت نسبة البطالة في غزة في الربع الأول من عام 2018 إلى 53.7 في المئة، وتخطت نسبة الفقر الـ 80 %، حسب كل من "الجهاز الفلسطيني للإحصاء"(حكومي)، و"اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزة" (غير حكومية).

ووفقاً لتقرير أصدره برنامج الغذاء العالمي، التابع للأمم المتحدة، في 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فإن نحو 70 في المئة من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

وأظهرت معطيات تقرير حديث أن إجمالي عدد العاطلين عن العمل في فلسطين، بلغ 481 ألف عامل، حتى نهاية الربع الثالث للعام الحالي.

ووفقاً لبيانات "الجهاز المركزي للإحصاء"، تتواجد النسبة الأكبر من العاطلين عن العمل في قطاع غزة، بـ 217 ألف عاطل عن العمل، بينما يوجد في الضفة قرابة 117 ألف عاطل عن العمل.

وأشار بيان الجهاز إلى أن عدد العاطلين عن العمل المسجلين في فلسطين، يشمل أيضاً الباحثين عن وظيفة ممن وصفهم بـ “المحبطين" ومن يعملون بوظائف متصلة بالوقت.

*تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير