"نحن أولاد البحر"... عن صيادي غزة وزوارق الاحتلال

08.02.2020 11:55 AM

غزة- وطن- نورهان المدهون:
عند الرابعة فجراً، وقبل أن تسدل الشمس خيوطها على شاطئ غزة، يستعد الصياد أحمد الهسي (60 عاماً) للإبحار، أملاً في أن يعود غانماً بما جاد به البحر عليه. الخطر في عرض بحر غزة لا يقتصر على أمواجه العاتية، إذ على بعد أميال من الشاطئ تتمركز الزوارق الحربية التابعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي، التي تتقن انتهاك حقوق الصيادين الغزيين وتُنوّع من أساليب انتهاكاتها هذه.

"نتعرض يومياً لمضايقات قوات الاحتلال، كثيرًا ما تحاصر الزوارق الحربية قواربنا، قبل أن يأمرنا الجنود الإسرائيليون بخلع ملابسنا وبالسباحة نحوهم تمهيدًا لاحتجازنا" يقول الهسي، ويتابع: "تحاول سلطات الاحتلال منعنا من ممارسة عملنا بالطرق كافة، فتتعمد ضخ المياه علينا بقصد إرهابنا، وكثيرًا ما تصادر مراكبنا لإعطابها وللحيلولة دون استخدامنا إياها مجددًا". ويلفت الهسي إلى أن الأعوام الاثنتي عشرة الأخيرة تُعتبر الأسوأ على القطاع البحري بسبب الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر، حيث تقوم سلطات الاحتلال بتوسيع رقعة الصيد في المواسم التي تتدنى خلالها أعداد الأسماك، ثم تعود لتقلّصها في مواسم الخير الوفير، خصوصًا في شهر أيلول/سبتمر. وقد أدّى تقييد مسافة الصيد إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لنحو 4000 صياد أسماك مسجلين حالياً في نقابة الصيادين، ونحو 1000 من العاملين في مهن مرتبطة بصيد الأسماك.

بحر غزّة الذي ضيّقه الاحتلال

يتمسك الهسي بمهنته التي ورثها عن أجداده، برغم المخاطر التي تعترضه في عرض البحر، هذه المعاناة يعيشها أيضاً الصياد جمال بكر (62 عامًا) الذي امتهن الصيد منذ طفولته، يقول بكر إن اعتداءات الاحتلال تتمثل بإطلاق النار ومصادرة المراكب وسرقة الشِباك، ويشرح قائلًا إن ضيق الحال دفعه وعددًا من أقرانه إلى طرق أبواب مؤسسات الإغاثة لمساعدتهم على توفير (كوبونات) مواد غذائية تسد رمق عائلاتهم، إذ بعدما كان دخله يتجاوز الـ   1000 شيكل يوميًا، صار عاجزًا عن توفير نصف هذا المبلغ شهريًا خلال الأعوام الأخيرة كما يقول.

العوامل التي تثقل كاهل الصيادين في غزة كثيرة، يحكي بكر مثلًا عن غلاء أسعار المحروقات وعن بلوغ سعر لتر السولار 6 شيكل، علمًا أنه لم يكن يتجاوز الـ 50أغورة قبل بضع سنوات.

وثق "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" في تقرير صادر عنه خلال الفترة الممتدة من 1 نوفمبر 2017 إلى 30 أبريل 2019، 434 حادثة إطلاق نار تجاه الصيادين أثناء قيامهم بممارسة عملهم، وقد أسفر ذلك عن مقتل كل من الصياد إسماعيل صالح أبو ريالة ونواف أحمد العطار، فضلًا عن إصابة 22 صياداً، وإتلاف 15 قارب صيد، كما أدت حوادث المطاردة إلى اعتقال 121 صياداً، واحتجاز 25 قارب صيد، فضلاً عن احتجاز شباك صيد تعود ملكيتها لصيادين فلسطينيين من قطاع غزة.

ناصر أبو عميرة رجل خمسيني امتهن الصيد منذ أربعين عاماً، وهو يعيل 18 شخصًا من الأبناء والأحفاد، وبالكاد يتمكن من توفير قوتهم، يقول: "أنا وأجدادي وأبنائي وأحفادي أولاد البحر". لكن القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على استيراد الأجهزة والمعدات اللازمة للصيد بحجة أنها "ثنائية الاستخدام"، أي أنها صالحة للاستخدامَين المدني والعسكري، تقف حاجزًا بينه وبين المياه العميقة. يضيف شارحًا: "نحن غير قادرين على الإبحار وصيد الأسماك إن لم يُسمح لنا بإدخال المحركات ونواقل الحركة والألياف الزجاجية والكابلات الفولاذيّة، وسائر قطع الغيار اللازمة لصيانة قواربنا المتهالكة منذ سنوات".

منسق لجان الصيادين في "اتحاد لجان العمل الزراعي" زكريا بكر يقول إن "منع دخول معدات الصيد إلى غزة أدى إلى إغلاق عشرات الورش الخاصة بصناعة القوارب وصيانتها"، ويرى أن الأمر يهدف إلى "تدمير قطاع الصيد والسيطرة على موارد الغذاء الفلسطيني". ويضيف بكر شارحًا أن 3 مراكب فقط تستطيع الإبحار ل مسافة15 ميلًا عن شاطئ غزة، أما المراكب الأخرى فتفتقر إلى السلك المجدول الذي يسهّل الصيد في أعماق المياه، والذي يمنع الاحتلال إدخاله إلى القطاع.

نافذة نحو العالم الفسيح

الصيادون ناصر أبو عميرة وجمال بكر وأحمد الهسي يطالبون المؤسسات الدولية الحقوقية بالضغط على سلطات الاحتلال لفتح المعابر وإدخال المواد والمعدات اللازمة للصيد، ولتوسيع مساحة الصيد إلى 20 ميل بحري، وهي المسافة المناسبة لعمل الصيادين والتي تسمح بتحصيل مردود مجدٍ من الأسماك. ويشير منسق لجان الصيادين في "اتحاد لجان العمل الزراعي" زكريا بكر إلى أن دور عدد من المؤسسات الحقوقية في الإفراج عن 66 قارب صيد محتجز لدى الاحتلال في ميناء أسدود، لكنه يؤكد أن ما تم تسليمه للصيادين كان عبارة عن هياكل قوارب مهترئة غير صالحة للإبحار، بحاجة لإصلاحات مكلفة كي تتمكن من العمل مجدداً.

يلفت بكر إلى انخفاض كمية الإنتاج السمكى خلال السنوات الأربعة الأخيرة بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات التي سبقت الحصار البحري على غزة، حيث بلغ حجم الإنتاج السمكي عام 2007 نحو 5.000 طن، وانخفض إلى 3.038 عام 2018. وتتناقض الاعتداءات الإسرائيلية بحق الصيادين الفلسطينيين مع "اتفاقية جنيف الرابعة" التي تعنى بحماية المدنيين في ظل الاحتلال، وتنصّ على ضرورة حماية العمال وحقوقهم.

تعتبر مهنة الصيد التي يعتاش منها نحو 4000 آلاف صياد غزّي هدفًا مباشرًا لبحرية الاحتلال، وقد تراوحت الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت هؤلاء بين القتل والإصابة والاعتقال والتخريب والحيلولة دون دخول المعدّات ومنع الحركة أو تقييدها. لكن رغم ذلك، ما زال البحر قبلة صيادي غزة التي تمدّهم بأساسيات البقاء، وما زال منفذهم الأقرب إلى سائر الذين يعيشون في هذا العالم الفسيح.
*تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي".

 

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير