تحقيق استقصائي للائتلاف الفلسطيني للإعاقة: الأشخاص ذوي الاعاقة والحماية المفقودة

09.01.2022 12:00 PM

 

بألم كبير تحدثت فاطمة الجبور (67 عاما) من يطا جنوبي الخليل عن معاناتها نتيجة تحملها عبء رعاية تسعة أبناء من الأشخاص ذوي الإعاقة، يعاني غالبيتهم من إعاقات شديدة ومتعددة.

وكان اثنان من أبناء الجبور يتلقيان عدداً من الخدمات الرعائية والتأهيلية والإيوائية في جمعية "الإحسان" بالخليل، ما ساعدها وقلل من العبء الملقى على عاتقها، ولكن مع إعلان حالة الطوارئ في فلسطين وبدء جائحة كورونا سرّحت الجمعية الاشخاص ذوي الإعاقة إلى بيوتهم، فعادا وازداد الثقل عليها.
وحول ذلك تقول المواطنة الجبور: "لعشر سنوات كان اثنان من أبنائي في المركز دون أي تكاليف، لكن بعد هذه الفترة توقفت الشؤون الاجتماعية عن تغطية مصاريف أبنائي للمركز، وأصبح الأخير يطالبنا بتكاليف الرعاية، وعند انتشار فايروس كورونا بداية آذار/ مارس، قام أعاد أولادي الى المنزل ما زاد العبء فوق كاهلي. فلديّ تسعة أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة".
واكدت الجبور أن الوضع الصحي والنفسي لأبنائها الذين تم تسريحهم من المركز تراجع بشكل كبير نتيجة ذلك، مشيرة إلى معاناتها في تأمين الأدوية والمهدئات لهم وقالت: "أصبح وضعهم الصحي سيئا وازدادوا شراسة بسبب نقص أدويتهم التي اعتادوا تناولها في المركز، ولم تكن متوفرة لدى الصحة، ما اضطرني لشرائها رغم قلة إمكانياتنا المادية".
ولا يختلف حال المواطنة إكرام سليمان من بلدة عصيرة الشمالية قضاء نابلس، عن حال المسنة الجبور فإكرام، وهي زوجة شهيد وأم مريضة، لديها ابن من ذوي الإعاقة الشديدة، ولا معيل لهم ولا تستطيع تحمل تكاليف إيوائه في الملجأ الخيري الارثذوكسي، الذي سرح هو الآخر الأشخاص ذوي الإعاقة مع بدء جائحة كورونا.
ويبدو أن تسريح الاشخاص ذوي الإعاقة في ظل الجائحة كان مشكلة الأهالي في مختلف مدن الضفة الغربية، ففي رام الله واجهت المواطنة ليالي الدغمة الإشكالية ذاتها مع ابنها خالد، الذي تم تسريحه من الملجأ الارثذوكسي دون سابق انذار، وبلا أي متابعة صحية من أي جهة كانت.
وحول ذلك قال ممثل الاتحاد الفلسطيني للأشخاص ذوي الإعاقة، مجدي مرعي، بأن "هذا القرار محزن وتلقيناه بانزعاج وقمنا بالتواصل مع وزارة التنمية الاجتماعية ومع المؤسسات والحكومة من اجل تدارك الامر وحصر الموضوع بحيث لا يكون المعاق نفسه هو الخاسر الأول".

ويضيف مرعي: "تسريح الأشخاص المعاقين أدى لبعد نفسي سيء عليهم، وأشعرهم ذلك بأنهم منبوذون، سيما وانه تم دون سابق إنذار في الشارع".

الحكومة تتخبط
بدوره أكدت ممثلة الائتلاف الفلسطيني للإعاقة، شذى سرور، أن "الحكومة تتخبط وتتعامل مع الموضوع منفردة ولا تتيح المجال للمشاركة والمشاورات الحقيقية"، مضيفة: "عندما بدأت بوضع خطط للتعافي لم يتم التشاور مع المؤسسات رغم مناداتنا بذلك".

وأشار "الإئتلاف الفلسطيني للإعاقة" غياب المنظومة الشاملة للحماية الاجتماعية التي تنسجم مع احتياجات المواطنين وخصوصاً الأشخاص ذوي الإعاقة.
وقالت أبو سرور: "ليس لدينا حتى اليوم منظومة حقيقية وشاملة للحماية الاجتماعية تضمن وتحترم وتصون كرامة الناس، ونحن نعلم العلاقة الوثيقة ما بين الاعاقة والفقر وبالتالي فغالبية الأشخاص ذوي الاعاقة هم في الأسر الأكثر فقرا، وبالتالي فنحن بحاجة لمنظومة حماية اجتماعية، وإعادة النظر في برامج وتدخلات الحماية الاجتماعية القائمة، لتحقيق انسجام مع احتياجات المعاقين".


"تسريح الأشخاص ذوي الإعاقة تم بشكل قانوني"

التقينا بالمدير الإداري لجمعية "الإحسان الخيرية" في الخليل، كامل الماجد، الذي قال بدوره: "منذ الإعلان عن جائحة كورونا عقدنا اجتماعا طارئا للطاقم الإداري والفني والمهني للأطباء في الجمعية، وأشركنا ممثلاً عن وزارة التنمية الاجتماعية، والجمعيات الخيرية، والاتحاد العام للجمعيات الخيرية، وبالتنسيق مع محافظ  الخليل الذي أصدر حينها قراراً بإخلاء الحضانات ودور الايواء، وكان من ضمنها قرار باخلاء  جمعية الإحسان الخيرية".
وأكد الماجد أن عملية تسريح الأشخاص ذوي الإعاقة كانت "قانونية"، قائلاً "لدينا مستشار قانوني واعتمدنا في قانونية الخطوة على قرار الرئيس، وقرار محافظ الخليل. لذا اعتقد أن خطوتنا قانونية، خاصة أننا في حالة طوارئ".
"الملجأ الخيري الأرثوذكسي" في بلدة العيزرية قضاء القدس، هو وجهة لعائلات الأشخاص الذين يعانون من اعاقات شديدة ومتعددة، ومع بدء جائحة كورونا اتخذ هو الآخر قرارا بتسريحهم واعادتهم لبيوتهم. وقالت مديرة المركز، ديانا مشحور: "عندما دقّ ناقوس الخطر؛ عقدنا تنسيقاً مع وزارة التنمية الاجتماعية، وبدأنا بمعية الأخصائية الاجتماعية، بوضع برنامج للتواصل مع الأهالي من أجل استقبال أبنائهم، نظرا لخطورة نقل العدوى من شخص لآخر بفايروس كورونا".
وبرر الملجأ عدم إعادته الأوضاع لما كانت عليه بعد تخفيف الاجراءات الوقائية، إلى معاناته من أزمة مالية، محملا وزارة التنمية الاجتماعية مسؤولية ذلك، نظرا للديون التي لم تسددها الأخيرة نظير شرائها الخدمة من الملجأ لعدد كبير من المعاقين.

الحكومة تتحمل كامل المسؤولية
ويؤكد الملجأ الأرثوذكسي وجمعية الاحسان الخيرية أن قيامهما بتسريح النزلاء في فترة الجائحة، كان خطوة قانونية مئة بالمئة.
وتوجهنا إلى الهيئة المستقلة لحقوق الانسان للتأكد من مدى قانونية هذه الخطوة، فكان رد مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الانسان عمار الدويك كالتالي: "تابعنا ما قامت به مراكز الايواء من تسريح اعداد كبيرة من الأشخاص شديدي الإعاقة، ممن احتاجوا إلى إيواء في بداية جائحة كورونا، وأعتقد أن قرار التسريح جاء في إطار عدم الادراك، وعدم معرفة طبيعة الجائحة في بدايتها، وبعض المراكز ذهبت الى حد وجدوا فيه أن أفضل طريقة هي إعادتهم إلى بيوتهم، بينما لا يوجد نص واضح عن موضوع الإعادة وعدم الإعادة، ولكن يجب أن تأخذ مراكز الإيواء بعين الاعتبار عند أخذ قراراتها، المصلحة الفضلى للشخص ذوي الإعاقة".
وشددت الهيئة على أن "الجائحة كشفت مدى هشاشة فئة المعاقين في مجتمعنا، باعتبارها أول فئة تضررت بفعل الوباء، مطالبا الحكومة بتشديد رقابتها وتحمل مسؤولياتها والإيفاء بالتزاماتها تجاه مراكز الايواء".

قرار مؤسسات
توجهنا لوزارة التنمية الاجتماعية، لمعرفة ردها على كل ما سبق، فأكدت بدورها أن قرار تسريح الاشخاص المعاقين كان قرارا مؤسساتيا صدر عن مراكز الايواء، ولم يكن قرار الوزارة نفسها، ورغم ذلك فهي ترى أن القرار كان في صالح الاشخاص ذوي الإعاقة وحفاظا على صحتهم.
وقالت مديرة دائرة المؤسسات المتخصصة في الإدارة العامة للأشخاص ذوي الاعاقة في وزارة التنمية، فدوى محارمة، إن "الوزارة واجهت معضلة أكبر من أهالي ذوي الإعاقة باعتبارهم مسؤولية الوزارة"، لافتة أن "الموضوع صعب جدا ولم يكن قرار وزارة التنمية بل كان قرار المؤسسات".

نقص في العلاج وتضارب في الردود
وأكد أهالي الأشخاص ذوي الإعاقة أن أبناءهم عانوا من نقص الخدمات والأدوية التي كانوا يتلقونها في مراكز الإيواء، ما انعكس بشكل كبير على حياتهم ووضعهم الصحي.
وعند السؤال عن الخدمات التي قدمتها وزارة التنمية للاشخاص ذوي الإعاقة في تلك الفترة، أكدت الوزارة على لسان مدير دائرة المؤسسات المتخصصة في الإدارة العامة للأشخاص ذوي الاعاقة، فدوى محارمة، أن "الأهالي كانوا يحصلون على الأدوية من الصحة دون أي عائق".
من جهتها أكدت وزارة الصحة أنها في بداية الجائحة واجهت عقبة كبيرة في توفير العلاج للأشخاص ذوي الإعاقة وتأمين نقلهم إلى المشافي في حالات الضرورة، وقال مسؤول ملف الإعاقة في وزارة الصحة سمير شماسنة إن "الأدوية كانت متوفرة، لكن واجهنا عقبة في التواصل مع الناس أيام الإغلاق، بينما بعض الأدوية كانت تُشترى عن طريق شراء الخدمة، ولم توزع على المديريات بالشكل المألوف، وبالتالي كان هناك تأخير في بعضها بسبب ظرف الجائحة".

مؤسسات تنجح بالطريق الصعب في الأزمة
وفي الوقت الذي اتخذت فيه بعض المؤسسات قراراُ بتسريح الأشخاص ذوي الإعاقة، إلاّ أن مؤسسات أخرى اختارت الطريق الأصعب بمواجهة الجائحة وصون كرامات الأشخاص واتخاذ أقصى التدابير الممكنة لحماية الاشخاص ذوي الإعاقة دون تسريحهم إلى بيوتهم أو التخلي عنهم. مؤسسة "يميمة" في بيت جالا كانت إحدى هذه المؤسسات.
وقالت مديرة المؤسسة دانا الزعبي: "واجهنا صعوبة في البداية في تنقل الموظفين ووصولهم إلى المؤسسة، فأصبحنا ننقلهم بسيارة المؤسسة بعدما أصدرنا تصاريح حركة من الصحة، ومنعنا الأهالي من زيارة المؤسسة للحفاظ على صحة المقيمين بعدم نقل الفايروس لهم".
وأكدت الزعبي أن ما حدث معهم خلال فترة الجائحة "يعتبر قصة نجاح كبيرة للمؤسسة، حيث لم يصب أي شخص من ذوي الإعاقة، ولم يتعرض أحد للخطر او يتوفى.
وحتى اللحظة، تبقى مطالبات أهالي الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوق أبنائهم تطرق أبواب المؤسسات الرسمية التي يجب أن تصون حقوقهم وتوفر لهم الخدمات بكرامة وفاعلية.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير