
وطن للأنباء: لم تعد السيطرة على الأرض الفلسطينية تقتصر على المصادرة والاستيلاء المباشر، بل باتت عمليات تسريب العقارات والمنازل تشكل أحد المسارات الخطرة للتوسع الاستيطاني، في ظل تعقيدات قانونية وإدارية تحيط بملف الأراضي، وتثير تساؤلات حول الجهات التي تقف خلف هذه العمليات وأهدافها، ومخاطرها على الوجود الفلسطيني.
وفي أريحا، تبرز قضية تسريب منازل وعقارات للمستوطنين، وسط غياب صورة واضحة حتى الآن حول ما جرى، وما إذا كانت العمليات التي شهدتها المنطقة تأتي في إطار صفقات عقارية مشروعة، أم أنها جزء من مخطط استيطاني يستهدف السيطرة على الأراضي وفرض وقائع جديدة.
مدير مركز القدس للمساعدة القانونية، عصام العاروري، يقول إن الأسئلة المطروحة بشأن ما جرى في أريحا مشروعة، لكن الصورة لا تزال غير واضحة حتى الآن، مشيراً إلى أن ملف الأراضي في المنطقة يشوبه تعقيد قانوني كبير، لا سيّما وأن العديد من الأراضي ليست مسجلة بصورة نهائية.
- "سموتريتش" وإدارة ملف الأراضي.. أدوات جديدة للاستيلاء على الأرض الفلسطينية
ويوضح العاروري في حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، أن الائتلاف الحاكم في إسرائيل استحدث منصباً ضمن إدارته لملف الأراضي، وتم تعيين وزير المالية بتسلئيل سموتريتش لإدارة الملف، وبدوره عين مديراً عاماً لا يتبع للإدارة المدنية.
ويُشير إلى أن إدارة الأراضي في الأراضي المحتلة، وفقاً للقانون الإنساني الدولي، يفترض أن تكون من مسؤولية الإدارة المدنية التابعة لقائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، لافتاً إلى أن سموتريتش، منذ توليه المنصب، عيّن نحو 30 محامياً، ووضعوا خطة للاستيلاء على الأراضي.
ويُضيف أن هذه السياسات بدأت تتجسد في ما وصفه بـ"تسمين المزارع الرعوية"، في سياق التوسع الاستيطاني، مشيراً إلى أن المنطقة التي تشهد هذه الإشكاليات تقع على تخوم المنطقتين المصنفتين (أ) و(ج)، فيما لا تزال التفاصيل المتعلقة بالأجزاء الواقعة في المنطقة (ج) غير واضحة بشكل كامل.
- أراضي الديوك.. صفقات عقارية قد تبدو في ظاهرها مشروعة، وإشكاليات قانونية
ويلفت العاروري إلى أن مركز القدس للمساعدة القانونية يتابع عدداً من الملفات المتعلقة بأصحاب منشآت في المنطقة، ممن تلقوا إخطارات سابقة بالإزالة والهدم بحجة عدم الترخيص، موضحاً أن المركز واجه إشكالية في تقديم الشكاوى، إذ جرى رفض استلامها بحجة أن المنشآت تقع على أراضٍ حكومية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول كيفية السماح بالبناء على هذه الأراضي وبيعها، ووصول خدمات المياه والكهرباء إليها.
ويُشدد على أن إدارة ملف الأراضي في أريحا بحاجة إلى مراجعة جذرية وشاملة، في ظل ازدهار تجارة الأراضي لأغراض الاستثمار السياحي، موضحاً أن الأراضي الواقعة في منطقة الديوك كانت من بين الأقل سعراً، بسبب طبيعة تسجيلها، إذ إن جزءً منها كان مسجلاً على الشيوع لأهالي الديوك دون تخصيص، فيما سُجل جزء آخر باسم عائلة.
ويشير إلى أن بعض الصفقات تمت في ظاهرها بصورة تبدو مشروعة، في حين أن حالات أخرى تنطوي على إشكاليات، ما يستدعي التدقيق في جميع عمليات البيع التي جرت في المنطقة.
ويؤكد العاروري أن المعالجة يجب أن تشمل وقف الفوضى في ملف الأراضي، والتدقيق في كافة العمليات، مع ضرورة الحذر من التعميم أو تحويل القضية إلى حالة من التشكيك بين المواطنين.
- غياب الثقة والشائعات.. لا بديل عن المعلومات الدقيقة
ويُحذر العاروري من أن بعض الحالات قد تنطوي على استغلال لحصص صغيرة في الأراضي، مستشهداً بحالات يملك فيها مواطن حصة لا تتجاوز 100 متر على سبيل المثال، يجري بيعها أو التصرف بحصص الآخرين.
ويُشير إلى أن الإجراءات التي تفرضها الإدارة المدنية الإسرائيلية على الفلسطينيين في ملفات الأراضي والبناء، تكشف حجم التعقيدات التي يواجهها المواطن، إذ يُطلب من أصحاب الطلبات استيفاء تواقيع جميع الورثة، حتى في الحالات التي يصل فيها عدد الورثة إلى 60 شخصاً أو أكثر.
وفي السياق، ينتقد العاروري حالة الارتباك على المستوى الرسمي الفلسطيني، والاندفاع نحو اتخاذ قرارات متسرعة بوقف معاملات المقدسيين، معتبراً أن ذلك ساهم في تعميق الشائعات وحالة التشكيك، وخلق انطباعاً بأن مقدسيين ساهموا في تسريب العقارات.
ويشدد على ضرورة أن تراجع السلطة الفلسطينية أداءها في هذا الملف، في ظل حالة انعدام الثقة بين المستوى الرسمي والجمهور، مؤكداً أن المعلومات الدقيقة والصحيحة وحدها قادرة على تهدئة الرأي العام.
وياستحضر العاروري قضية تسريب عقار عائلة جودة في القدس، معتبراً أن الرأي العام الفلسطيني لم يعد يثق بلجان التحقيق الرسمية، التي تُشكل في كثير من الحالات دون أن تفضي إلى نتائج فعلية، محذراً من أن المماطلة لا تساعد في بناء الثقة.
- هل توجد مداخل قانونية لإخلاء المستوطنين من عقارات يزعمون امتلاكها؟
وفيما يتعلق بإمكانية إخراج المستوطنين من العقارات التي يزعمون تملكها، يؤكد العاروري أن مركز القدس للمساعدة القانونية، إلى جانب المؤسسات الشريكة، يبحث عن أصحاب العقارات الذين لديهم شكاوى بشأن الاستيلاء على ممتلكاتهم أو أجزاء منها.
ويوضح أن المركز لم يتمكن حتى الآن من الحصول على أي توكيل رسمي من أصحاب العقارات، وهو ما يثير الريبة، مشيراً إلى أن اتصالات جرت مع عدد من أصحاب الملفات الذين سبق إخطارهم في المناطق ذاتها، وبعضهم تم إخلاؤه من عقاراته.
ويلفت إلى أن قيادة جيش الاحتلال في الضفة الغربية أصدرت، مؤخراً، موقفاً بشأن ما قيل إنها "عمليات بيع في الضفة"، وأن هناك توجهاً لدراسة هذه الملفات، في وقت تشهد فيه بعض الأوساط الإسرائيلية نفسها حالة من التشكيك بشأنها.
ويؤكد العاروري أن المطلوب من الجهات الرسمية الفلسطينية جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، والحصول على توكيلات رسمية من أصحاب الأراضي الذين لم يتورطوا، أو يتم توريطهم، في هذه العمليات.
ويختم بالتأكيد على أن معالجة القضية تتطلب تدقيقاً قانونياً وميدانياً شاملاً، بعيداً عن التعميم والتشكيك، مشيراً إلى أن مداخل قانونية قد تتوفر لإخلاء المستوطنين من العقارات التي يزعمون تملكها، شرط توفر المعلومات الدقيقة والملفات القانونية اللازمة.