يوسف أبو طاعة يكتب لوطن: تلول أبو العلايق.. حين يصبح الأثر مدخلاً للاستيطان

08/11/2026

مدخل: المكان الذي يعود إلينا
ثمة أماكن لا نزورها مرة واحدة ثم نمضي، بل تبقى فينا وتدفعنا إلى العودة إليها، كأنها تخبئ في كل زيارة حكاية جديدة، أو تكشف لنا طبقة أخرى من تاريخها وذاكرتها.
وتلول أبو العلايق من هذه الأماكن بالنسبة إليّ. أحب هذا الموقع، وزرته مرات عديدة، وفي كل مرة كنت أجد ما يستحق التأمل؛ ليس فقط ما بقي من جدران وقصور ومنشآت مائية، بل ذلك التداخل الفريد بين الإنسان والطبيعة والتاريخ، في واحدة من أكثر مناطق فلسطين غنى بالمياه والآثار.
تعود علاقتي بالموقع إلى السنوات الأولى من عملي في حقل الآثار، بعد إنشاء دائرة الآثار الفلسطينية. كانت زيارتي الأولى بصحبة الدكتور حمدان طه، أستاذي في الجامعة، والذي أصبح لاحقاً مديري في دائرة الآثار الفلسطينية. ومنذ تلك الزيارة، ظل الموقع حاضراً في ذاكرتي، لا بوصفه مجموعة من الأطلال الأثرية فحسب، بل بوصفه شاهداً على تاريخ طويل من الاستقرار والعمران وتفاعل الإنسان مع المكان.
ولم تكن تلك زيارتي الوحيدة التي تركت أثراً خاصاً في نفسي. فقبل سنوات ليست بالبعيدة، عدت إلى الموقع بصحبة مجموعة من الأصدقاء من بيت لحم، كان من أبرزهم الروائي والصديق أسامة العيسة. في تلك الزيارة رأيت تلول أبو العلايق بعيون أخرى؛ لم أكن أنظر إليه هذه المرة بعين الباحث الأثري وحده، بل بعين القارئ والمهتم بالحكايات الإنسانية والتاريخ الاجتماعي للمكان. كان للحوار وتبادل الأسئلة، ولطريقة أسامة في قراءة المكان واستحضار ما تختزنه الأرض من حكايات، أثر في تجديد علاقتي بهذا الموقع، وفي إدراكي أن الآثار لا تُقرأ بالحجارة وحدها، بل بما تفتحه من أبواب على حياة الناس وذاكرتهم وأسئلتهم. وكانت تلك الزيارة في الفترة التي كنت أعمل فيها مديراً لمتحف بيت لحم.
واليوم، وأنا أتابع ما يجري في محيط تلول أبو العلايق وعين الديوك التحتا، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز حدود البحث الأثري: ماذا يحدث حين يتحول الأثر من موضوع للمعرفة والحماية إلى مدخل لإعادة تشكيل الجغرافيا والسيطرة على الأرض؟
تلول أبو العلايق… تاريخ المكان وذاكرته
تقع تلول أبو العلايق على مسافة تقارب كيلومترين إلى الجنوب الغربي من مدينة أريحا، بالقرب من مصب وادي القلط. ويشكّل الموقع جزءاً من المشهد الأثري الواسع لواحة أريحا، التي ارتبطت عبر تاريخها بوفرة المياه وخصوبة الأرض واعتدال مناخها الشتوي. [1]
لم يكن الموقع قصراً واحداً أو منشأة منفردة، بل مجمعاً عمرانياً ملكياً تطور عبر مراحل تاريخية متعاقبة، ولا سيما خلال العصرين الهلنستي والروماني. وقد ارتبطت بدايات المجمع الملكي بالأسرة الحشمونية، ثم شهد توسعاً كبيراً في عهد هيرودس الكبير، الذي حوّل المنطقة إلى مركز ملكي شتوي يضم القصور والحدائق والبرك والحمامات والمنشآت المائية. [2]
وتكشف بقايا الموقع عن مستوى متقدم من التخطيط المعماري والهندسة المائية؛ فقد استُخدمت البرك والقنوات وأنظمة نقل المياه لتوفير احتياجات القصور والحدائق، كما أُقيمت منشآت معمارية على جانبي وادي القلط، بما يعكس علاقة وثيقة بين العمارة والمشهد الطبيعي. [2]
وقد أسهمت أعمال التنقيب التي قادها عالم الآثار إيهود نتزر بين عامي 1973 و1987 في الكشف عن مراحل مهمة من تاريخ المجمع، وتوثيق تفاصيله المعمارية والإنشائية. وتُعد تقاريره المنشورة مرجعاً أساسياً لفهم تطور القصور الحشمونية والهيرودية في أريحا. [2]

من بقايا المنشآت الأثرية في تلول أبو العلايق، في مشهد تتداخل فيه العمارة القديمة مع واحة أريحا ومحيطها الطبيعي. تصوير الكاتب.
لكن أهمية تلول أبو العلايق لا تكمن في عمارتها وحدها؛ فالموقع جزء من تاريخ أريحا وواحتها، ومن تاريخ فلسطين خلال مرحلة شهدت تحولات سياسية واقتصادية وثقافية واسعة. وهو شاهد مادي على تفاعل تقاليد محلية وشرقية مع تأثيرات هلنستية ورومانية، وعلى قدرة الإنسان على تحويل البيئة الصحراوية إلى فضاء عمراني وزراعي مزدهر. كما أن قراءة الموقع تقتضي وضعه ضمن المشهد التاريخي الأوسع لأريحا ومحيطها، من دون اختزال تاريخه في مرحلة واحدة.
تلول أبو العلايق في العهد الإسلامي المبكر… طبقة أخرى من ذاكرة المكان
لا تتوقف الحكاية الأثرية لتلول أبو العلايق عند القصور الحشمونية والهيرودية، ولا تنحصر أهميته في كونه مقراً شتوياً للملوك ومنشأة ملكية ارتبطت بالحدائق والبرك والمنشآت المائية. فقد كشفت الحفريات الأثرية عن استمرار النشاط العمراني في الموقع خلال العهد الإسلامي المبكر، مضيفةً طبقة تاريخية أخرى إلى ذاكرة هذا المكان. [10]
ومن أبرز من وثّقوا هذه المرحلة عالم الآثار الفلسطيني ديمتري برامكي (Dimitri C. Baramki)، الذي عاد إلى أريحا سنة 1950، وشارك جيمس كلسو في أعمال التنقيب في تلول أبو العلايق وخربة النتلة. وقد كشفت أعمال التنقيب، إلى جانب البقايا الرومانية، عن منشأة حصينة على التل الجنوبي تُصنّف ضمن شواهد العصر الإسلامي المبكر. [10، 15]
وكان من أهم المكتشفات المرتبطة بهذه المرحلة لوح رخامي نُقشت عليه نصوص قرآنية من خمس سور، ويعود تأريخه إلى أواخر القرن الثامن الميلادي. كما فهرس برامكي، في سياق أعماله بالموقع، مجموعة من العملات الإسلامية بلغ عددها 266 قطعة، يعود معظمها إلى القرن الثامن الميلادي، وهي شواهد على التداول النقدي وصلات الموقع بمناطق متعددة من بلاد الشام ومصر. ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع هذه القطع عُثر عليها داخل المنشأة الحصينة نفسها. [10، 11، 15]
وتكتسب هذه المكتشفات أهمية خاصة؛ فهي لا تثبت مجرد مرور عابر في تاريخ الموقع، بل تكشف عن مرحلة من الاستخدام والاستيطان والتنظيم العمراني في العصر الإسلامي المبكر، وتؤكد أن تاريخ تلول أبو العلايق أكثر اتساعاً وتنوعاً من الصورة التي تختزله في القصور الملكية وحدها.
وهكذا تتجاور في هذا المكان شواهد العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، في طبقات متراكمة من حياة الإنسان وعمارته وثقافته. أما أريحا، بواحتها الزراعية وبساتينها ومياهها، فقد ظلت عبر العصور مرتبطة بخصوبة أرضها وبشهرة محاصيلها، وفي مقدمتها البلسم والنباتات العطرية والطبية التي تحدثت عنها المصادر القديمة. [12]
قرار الحكومة الإسرائيلية رقم 786… من حماية الآثار إلى تطوير المواقع
في 17 تموز/يوليو 2023، أصدرت الحكومة الإسرائيلية القرار رقم 786، المتعلق ببرنامج متعدد السنوات لإنقاذ المواقع الأثرية وترميمها وتطويرها ومنع سرقتها أو تخريبها في مناطق الضفة الغربية وغور الأردن. ويتضمن القرار مسارات للإنقاذ والصيانة والرقابة والتطوير السياحي والبنية التحتية، بما يستهدف زيادة أعداد الزوار إلى المواقع المختارة. [3]
ويكتسب القرار أهمية خاصة في حالة أريحا؛ إذ خصص بنداً مستقلاً لمجمع قصور الشتاء الحشمونية، وذكر أن الموقع يقع في المنطقة المصنفة (ج)، في حين يمر الطريق القائم إليه عبر المنطقة (أ). ونص القرار على تجميع مبلغ عشرين مليون شيكل لتمويل برنامج إنقاذ الموقع وصونه وتطويره وتنظيم حركة الزوار، موزعاً على الأعوام 2023–2025. وهذا اعتماد مالي مبرمج في القرار، ولا يثبت بذاته أن كامل المبلغ صُرف فعلياً. كما نص القرار على تشكيل فريق عمل لدراسة تطوير طرق الوصول إليه. [3]
وفي 20 أيار/مايو 2026، صدر القرار الحكومي رقم 4141 معدلاً القرار 786، ومضيفاً برنامجاً عاماً لتطوير البنية التحتية السياحية في يهودا والسامرة بقيمة خمسين مليون شيكل موزعة على الأعوام 2026–2030. ولا يخصص هذا المبلغ لتلول أبو العلايق وحده، كما أبقى التعديل بند العشرين مليون شيكل الخاص بمجمع القصور خارج التخفيضات التي تناولها. [14]
ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز الجانب الفني: من يحدد أولويات التدخل في المواقع الأثرية الواقعة في الأراضي الفلسطينية؟ ومن يملك صلاحية إدارتها وتطويرها؟ وكيف يمكن تنفيذ مشاريع سياحية وبنية تحتية في مواقع تقع ضمن الضفة الغربية من دون معالجة حقوق السكان والجهات الفلسطينية المختصة، أو ضمان مشاركتها الفعلية؟
إن حماية الآثار وترميمها هدف مشروع وضروري، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول مشاريع الحماية والتطوير إلى أدوات لإعادة تنظيم المجال الجغرافي، أو إلى وسيلة لتثبيت السيطرة على الأرض وتجاوز المؤسسات الفلسطينية.
وتزداد هذه الأسئلة أهمية في حالة أريحا، حيث تتداخل المواقع الأثرية مع أراضٍ وممتلكات فلسطينية، ومع تقسيمات إدارية وأمنية نشأت في سياق اتفاق أوسلو.
الطريق إلى القصور… أمر الاستيلاء العسكري T-24/26
في تطور لاحق، صدر في 30 آذار/مارس 2026 أمر عسكري إسرائيلي يحمل الرقم T-24/26، يقضي بالاستيلاء على شريط من الأراضي بهدف إنشاء طريق وصول إلى موقع القصور الحشمونية في تلول أبو العلايق. [4]
وبحسب التقرير المشترك الصادر عن مؤسسة «عمق شفيه» و«كرم نافوت» وتعاونية التضامن مع فلسطين، فإن مسار الطريق المقترح يتيح الوصول إلى الموقع من دون المرور بمدينة أريحا، التي تقع أجزاء واسعة منها ضمن المنطقة المصنفة (أ). وقد سُلّم الأمر إلى السكان المتأثرين به في 21 نيسان/أبريل 2026، بعد توقيعه من قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي. ويشير التقرير إلى أن الأراضي المشمولة بأمر الاستيلاء خاصة، وأن أصحابها لم يكونوا قد عُثر عليهم حتى تاريخ إعداد التقرير في حزيران/يونيو 2026. [4]
وهنا لا يعود الطريق مجرد مشروع بنية تحتية لخدمة موقع أثري؛ إذ إن اختيار مساره، وطبيعة الأراضي التي يمر بها، والجهة التي تقرر تنفيذه، كلها عناصر تستدعي البحث في الأبعاد المكانية والسياسية للمشروع.
إن إنشاء طريق مستقل للوصول إلى موقع أثري قد يبدو للوهلة الأولى إجراءً فنياً، لكنه يصبح أكثر تعقيداً حين يمر عبر أراضٍ فلسطينية، ويعيد ترتيب العلاقة بين الموقع والمدينة ومحيطها، ويخلق واقعاً جديداً على الأرض.
ولا يعني ذلك أن كل مشروع ترميم أو طريق أثري هو بالضرورة مشروع استيطاني، لكن من حق الباحث والمجتمع المحلي أن يسألا عن أهدافه وسياقه وآثاره، وأن يطالبا بالشفافية والوثائق والخرائط وبيان الملكيات والحقوق المتأثرة به.


لافتة الدلالة إلى تلول أبو العلايق في محيط أريحا. تصوير الكاتب.

عين الديوك التحتا… من الاعتداءات الميدانية إلى إقامة بؤرة استيطانية
وفي 10 شباط/فبراير 2026، وثّق الصحفي أورن زيف في تقرير ميداني لموقع «مِكوميت» اعتداءً في عين الديوك التحتا. ونقل التقرير عن سكان أن جرافة هدمت ثلاثة عشر مبنى، فيما أوردت الرواية العسكرية رقماً مختلفاً، تحدث عن نحو عشرين منزلاً وممتلكات فلسطينية. لذلك ينبغي إبقاء الأرقام منسوبة إلى مصادرها، وعدم عرضها باعتبارها حصيلة متفقاً عليها. [13]

وتشير حركة «السلام الآن» إلى أن اعتداءات وهدم منازل تكررت في المنطقة خلال شباط/فبراير وتموز/يوليو 2026، وأن نحو ثلاثة عشر منزلاً هُدمت في الحي خلال هاتين الفترتين. [5]
وفي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بأن مستوطنين استولوا على ثمانية منازل في عين الديوك التحتا، واقتحموها بعد تحطيم أبوابها، وكانت المنازل خالية وقت الاقتحام. وفي اليوم التالي، قالت حركة «السلام الآن» إن عائلات استيطانية انتقلت إلى ثمانية مبانٍ في الحي، ووصفت ما جرى بأنه إقامة مستوطنة جديدة داخل مدينة أريحا. [6][7]
وفي المقابل، نقلت «السلام الآن» أن العائلات الاستيطانية ادعت أنها اشترت المنازل من أصحابها الفلسطينيين. وينبغي التعامل مع هذا الأمر بوصفه ادعاءً منسوباً إلى تلك الجهات، لا حقيقة مكتملة الإثبات؛ إذ أشارت الحركة إلى أن تفاصيل التصرفات العقارية والتصاريح المرتبطة بها لم تكن محسومة في تاريخ تقريرها. [7]
إن قراءة هذه الوقائع معاً تفرض علينا متابعة دقيقة للخرائط والأوامر العسكرية والقرارات الحكومية والملكية العقارية، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات أو تفسير كل حدث بمعزل عن الآخر.
«الاستيطان الأثري»… حين يصبح التراث أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا
أستخدم هنا تعبير «الاستيطان الأثري» بوصفه مفهوماً تحليلياً يساعد على قراءة العلاقة بين توظيف المواقع الأثرية والسياسات الاستيطانية، وليس باعتباره مصطلحاً قانونياً رسمياً.
والمقصود به ليس أعمال التنقيب أو الترميم أو البحث العلمي بحد ذاتها، بل توظيف الموقع الأثري في سياق أوسع من السيطرة على الأرض، وإعادة تشكيل المجال المحيط به، وتغيير طرق الوصول إليه، وإنتاج سردية تاريخية أحادية، وربط المكان بمؤسسات أو مشاريع لا تشارك فيها الجهات الفلسطينية صاحبة الاختصاص والحق.
وقد تتخذ هذه العملية أشكالاً متعددة: تخصيص ميزانيات لتطوير مواقع بعينها، إنشاء طرق وصول جديدة، فرض ترتيبات إدارية وأمنية، إقامة مرافق سياحية، أو استخدام الرواية الأثرية لتبرير السيطرة على أراضٍ وممتلكات مجاورة.
وفي هذا الإطار، يكتسب مشروع إنشاء سلطة خاصة بالتراث والآثار في منطقة يهودا والسامرة أهمية تستحق المتابعة. فقد أقر الكنيست مشروع القانون في القراءة الأولى يوم 12 أيار/مايو 2026، وأعاده إلى لجنة التربية والثقافة والرياضة لمواصلة المداولات. وعقدت اللجنة جلسات لاحقة لمناقشته تمهيداً للقراءتين الثانية والثالثة. وحتى تاريخ إعداد هذه النسخة، لا أتعامل معه بوصفه قانوناً نافذاً، إذ لا يتوفر في السجل البرلماني الذي تمت مراجعته ما يثبت استكمال إقراره النهائي. [8]
وفي هذا الإطار، يكتسب مشروع إنشاء سلطة خاصة بالتراث والآثار في منطقة يهودا والسامرة أهمية تستحق المتابعة. فقد أقر الكنيست مشروع القانون في القراءة الأولى يوم 12 أيار/مايو 2026، وأعاده إلى لجنة التربية والثقافة والرياضة لمواصلة المداولات. وفي 25 أيار/مايو عقدت اللجنة جلسة أخرى لمناقشته تمهيداً للقراءتين الثانية والثالثة. وحتى تاريخ إعداد هذه النسخة، لا أتعامل معه بوصفه قانوناً نافذاً، إذ لم أجد في المصادر التي راجعتها ما يثبت استكمال إقراره النهائي. [8]
وقد أثار المشروع اعتراضات وتساؤلات بشأن تداعياته على إدارة الآثار، واستقلال العمل الأثري، والوضع القانوني والإداري للضفة الغربية. ومن الضروري التمييز بين مشروع قانون مرّ بمرحلة تشريعية وبين قانون نافذ.
الآثار والقانون والسيادة والرواية التاريخية
تخضع إدارة الآثار في الأراضي الفلسطينية المحتلة لإطار قانوني معقد، يرتبط بالقانون الدولي الإنساني وبالترتيبات الواردة في الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية، ولا سيما اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995، وملحقها الثالث المتعلق بالشؤون المدنية، بما فيه أحكام الآثار. [9]
وقد نصت المادة الثانية من الملحق الثالث على نقل الصلاحيات والمسؤوليات في مجال الآثار إلى الجانب الفلسطيني، مع ترتيبات خاصة بالمنطقة (ج) تنص على نقلها تدريجياً خلال مراحل إعادة الانتشار. كما أدرج الملحق قصور الحشمونيين ضمن المواقع ذات الأهمية الأثرية والتاريخية للجانب الإسرائيلي، وأشار إلى إحالة الأعمال التي قد تؤثر فيها إلى اللجنة المشتركة للتعاون الكامل. وهذه التفاصيل تجعل قراءة الوضع القانوني للموقع أكثر تعقيداً من اختزاله في تصنيف المنطقة وحده. [9]
إن الآثار ليست ملكاً للسلطة التي تسيطر عسكرياً على الأرض، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإقصاء المجتمع المحلي أو مصادرة حقه في تاريخه وتراثه.
ومن هنا تبرز أهمية دور وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، ودائرة الآثار، والبلديات والمجتمعات المحلية، والجامعات والباحثين، في توثيق المواقع ومتابعة التدخلات التي تطالها، والمطالبة بالوصول إلى الوثائق والخرائط والقرارات ذات الصلة.
كما أن حماية الموقع لا تقتصر على حماية الحجارة والجدران؛ بل تشمل حماية سياقه المكاني، والأراضي المحيطة به، والطرق التاريخية، والمياه، والبيئة الطبيعية، وحقوق السكان الذين عاشوا في هذا المكان وتوارثوا علاقاتهم به.
تلول أبو العلايق على القائمة الإرشادية لليونسكو
في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير 2026، أدرجت دولة فلسطين قصور تلول أبو العلايق الأثرية على القائمة الإرشادية المؤقتة لمواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، تحت عنوان: Archaeological Palaces of Tulul Abu el-‘Alayiq، ورقم مرجعي 6947. [1]
وهذه خطوة مهمة في إبراز القيمة التاريخية والمعمارية للموقع على المستوى الدولي، وتأكيد مكانته ضمن التراث الثقافي الفلسطيني.
لكن من الضروري التوضيح أن الإدراج على القائمة الإرشادية المؤقتة لا يعني أن الموقع أُدرج بالفعل على قائمة التراث العالمي النهائية؛ بل هو مرحلة تمهيدية في مسار الترشيح والتقييم.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تقدم الموقع ضمن سياقه التاريخي والثقافي الفلسطيني، وتلفت الانتباه إلى قيمته المعمارية والإنسانية، وإلى ضرورة حمايته وصون مكوناته الطبيعية والأثرية من أي تدخلات تهدد سلامته أو تغير علاقته بمحيطه.
إن وجود الموقع على القائمة الإرشادية يفتح أيضاً مجالاً لتعزيز التوثيق العلمي، وتطوير خطط الإدارة والحماية، وإشراك المجتمع المحلي والباحثين والمؤسسات الفلسطينية في رسم مستقبل الموقع.
ما الذي ينبغي فعله؟
إن ما يجري في محيط تلول أبو العلايق وعين الديوك التحتا يستدعي عملاً بحثياً وميدانياً منظماً، لا يكتفي بردود الفعل، بل يبني ملفاً موثقاً يمكن الرجوع إليه ومتابعته.
وأرى أن هناك مجموعة من الخطوات الضرورية:
1. إعداد خريطة أثرية ومساحية موحدة توضح حدود مجمع القصور، ومعالم المشهد الأثري والطبيعي المحيط، والأراضي المحيطة، ومواقع المنازل المتأثرة، ومسار الطريق الوارد في الأمر العسكري T-24/26، مع التمييز بين المواقع التي ثبتت إحداثياتها وتلك التي تحتاج إلى تحقق.
2. جمع الوثائق والقرارات الرسمية المتعلقة بقرار الحكومة الإسرائيلية رقم 786، وأمر الاستيلاء العسكري، وأي مخططات أو أوامر تخطيطية مرتبطة بالموقع ومحيطه.
3. توثيق الاعتداءات والتدخلات الميدانية من خلال الصور والتسجيلات والشهادات والتواريخ والإحداثيات، مع حفظ النسخ الأصلية للوثائق والمواد المصورة.
4. تعزيز دور المؤسسات الفلسطينية المختصة، ولا سيما وزارة السياحة والآثار ودائرة الآثار، في متابعة الموقع والتدخلات التي تطاله، وتطوير موقف علمي وقانوني واضح.
5. إشراك الجامعات والباحثين والمؤسسات الدولية في دراسة الموقع وحماية سياقه الأثري والطبيعي، وتوضيح ما يتعرض له من مخاطر.
6. تطوير خطاب إعلامي يستند إلى المعرفة الأثرية، ويميز بين الحقائق الموثقة والادعاءات، فلا نواجه التوظيف السياسي للآثار بروايات غير موثقة، بل بالبحث والخرائط والمصادر العلمية والوثائق.
إن الدفاع عن التراث لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالمعرفة والتوثيق والعمل المؤسسي، وبالقدرة على تقديم رواية تاريخية دقيقة تحترم تعقيد المكان وتعدد طبقاته.
خاتمة: المكان أكبر من الرواية الواحدة
كلما عدت بذاكرتي إلى تلول أبو العلايق، تذكرت تلك الزيارة الأولى مع الدكتور حمدان طه، وما تركته في نفسي من أسئلة عن تاريخ أريحا وواحتها، وعن قدرة هذا المكان على احتضان طبقات متعاقبة من حياة الإنسان وعمرانه.
وأتذكر أيضاً زيارتي اللاحقة مع أصدقائي من بيت لحم، وأسامة العيسة، وكيف جعلتني تلك الرفقة أرى المكان من زاوية أخرى؛ زاوية الحكاية والذاكرة والإنسان، لا من زاوية الشواهد الأثرية وحدها.
واليوم، بعد سنوات من تلك الزيارات، تبدو الأسئلة أكثر إلحاحاً. فالمسألة لم تعد مجرد حماية أطلال أثرية أو ترميم جدار قديم، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل المكان، وبحق الفلسطينيين في معرفة تاريخهم وصون تراثهم والمشاركة في إدارة المواقع التي تشكل جزءاً من ذاكرتهم وهويتهم الثقافية.
إن تلول أبو العلايق ليست مجرد قصور حشمونية أو هيرودية، كما أن تاريخ أريحا لا يمكن اختزاله في مرحلة واحدة أو رواية واحدة. إنها أرض تعاقبت عليها المجتمعات والثقافات، وتركت فيها آثاراً وشواهد تستحق أن تُقرأ في سياقها العلمي والإنساني الواسع.
ولعل مسؤوليتنا كباحثين ورحالين، وكأبناء لهذا المكان، أن نحمي حقه في أن يروي تاريخه كاملاً؛ لا أن نسمح باقتطاع فصل منه، أو توظيف حجر من حجارته لتبرير السيطرة على أرضه.
فالأثر، في نهاية المطاف، ليس ملكاً للرواية الأقوى، بل شاهد على تاريخ الإنسان والمكان، وأمانة ينبغي أن نحافظ عليها للأجيال القادمة.
 

يوسف أبو طاعة: باحث أثري ورحّال فلسطيني