مأزق السلك الدبلوماسي الفلسطيني: بين زبائنية المحاصصة واستحقاق الكفاءة الوطنية

08/11/2026

كتب د. عقل صلاح*: في معركة الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال، لا تُعدّ الدبلوماسية ترفًا سياسيًا أو وظيفة بروتوكولية، بل إحدى أدوات الدفاع عن الوجود والحقوق الوطنية. فبين حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، واستهداف الأرض والزيتونة والإنسان والهوية، تزداد الحاجة إلى دبلوماسية فلسطينية تمتلك الكفاءة والمبادرة والقدرة على تحويل عدالة القضية إلى ضغط سياسي وقانوني فاعل. ومن هنا، لا يعود اختيار السفراء شأنًا إداريًا محدودًا، بل مسألة تمسّ جوهر المصلحة الوطنية ومصداقية التمثيل الفلسطيني في العالم.

السفير ليس حامل لقب دبلوماسي، ولا موظفًا يكتفي بحضور المناسبات الرسمية وتبادل المجاملات؛ إنه ممثل لشعب وقضية، وواجهة لنظام سياسي، وأحد المسؤولين عن صياغة صورة فلسطين ومواقفها في المحافل الدولية. ولذلك، ينبغي أن يستند اختياره إلى التأهيل العلمي، والخبرة السياسية والدبلوماسية، والإلمام بالقانون الدولي والعلاقات الدولية، وإتقان اللغات، والقدرة على التفاوض وبناء التحالفات وإدارة الأزمات، فضلًا عن النزاهة والاستقلالية والالتزام بالحقوق والثوابت الوطنية. فالقضية التي تواجه مشروعًا استعماريًا يستهدف أرضها وحقوقها لا تحتمل أن تُدار أدوات تمثيلها بمنطق الارتجال أو الترضية أو المحسوبية والمحاصصة القيادية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تُختار السفراء الفلسطينيون وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، أم وفق حسابات المحاصصة والولاءات والمصالح الشخصية؟ إن استمرار الانتقادات المتعلقة بالمحسوبية وغياب الشفافية يفرض مراجعة جدية لآليات التعيين، لا سيما حين تُثار شبهات حول دور القرابة والنفوذ السياسي في الوصول إلى مواقع دبلوماسية حساسة. فالمناصب العامة ليست مكافآت على الولاء، والسفارات ليست مساحات لتوزيع الامتيازات أو تسوية الحسابات الخاصة؛ إنها مسؤوليات وطنية ينبغي أن تُسند إلى الأقدر على حملها.
وتعيد قضية تعيين العديد من سفراء فلسطين لدى بعض الدول، التي تناولتها العديد من التقارير الصحفية ومنها تقرير صحفي في كانون الثاني/يناير 2026، طرح أسئلة بشأن معايير الاختيار وشفافية الإجراءات واحتمالات تضارب المصالح. وهذه الادعاءات، بصرف النظر عن نتائج التحقق منها، تستوجب توضيحًا رسميًا وتحقيقًا مستقلًا حيث تقتضي الوقائع، وإعلان الأسس التي بُني عليها التعيين. فالمواقع السيادية لا ينبغي أن تُحاط بالغموض، ولا يكفي في شأنها تداول القرارات أو تمريرها ضمن تغييرات إدارية أوسع؛ المطلوب إجراءات واضحة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تضارب المصالح، وتثبت أن القانون يسري على الجميع دون استثناء.
إن أخطر ما يهدد السلك الدبلوماسي ليس مجرد تعيين غير موفق، بل تحوّل المحسوبية، من استثناء إلى نمط في إدارة المؤسسات. فعندما تتقدم العلاقات الشخصية على المؤهلات، والولاءات على الخبرة، والترضيات على المصلحة العامة، تُقصى الكفاءات ويُقوَّض مبدأ تكافؤ الفرص، وتتحول الوظيفة العامة من أمانة وطنية إلى امتياز تحكمه شبكات النفوذ. وعندها يصبح الحديث عن الإصلاح بلا قيمة ما لم يقترن بإجراءات قابلة للقياس، ومحاسبة فعلية، وإرادة سياسية تكسر احتكار القرار وتضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الخاصة.
ولا تنفصل هذه الاختلالات عن أزمة الحكم الفلسطيني الأوسع؛ فالانقسام الداخلي يبدّد وحدة القرار، وضعف التنسيق يشتت الجهد السياسي والإعلامي، وغياب الرقابة البرلمانية الفاعلة يضيّق مساحات المساءلة. وتزيد القيود الإسرائيلية، بما فيها التحكم في الموارد المالية والحركة، من صعوبة عمل المؤسسات الفلسطينية. غير أن الاحتلال، مهما بلغت مسؤوليته عن تقويض الحياة الوطنية، لا يمكن أن يكون ذريعة لتعطيل الإصلاح الداخلي أو تبرير المحسوبية. مواجهة الاحتلال واجب وطني، ومواجهة الفساد مسؤولية وطنية لا تقل إلحاحًا؛ ولا يجوز استخدام الأولى ستارًا لتأجيل الثانية.
كما أن فاعلية الدبلوماسية لا تُقاس بعدد السفارات أو الألقاب أو الاجتماعات، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة: توسيع الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، ومواجهة الرواية الإسرائيلية بالمعلومات والأدلة، وتفعيل المسارات القانونية الدولية، وبناء التحالفات، وحشد الدعم لإنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. أما أن يتسع الحضور الدبلوماسي فيما يظل أثره السياسي دون مستوى التحديات، فذلك يستدعي مراجعة الأداء والأولويات، وتحديد المسؤوليات، وربط استمرار شاغلي المناصب بإنجازاتهم لا بمواقعهم في شبكة الولاءات.
ومن هنا، فإن إصلاح السلك الدبلوماسي يبدأ بإعلان معايير التعيين وشروطه، وإخضاع المرشحين لتقييم مهني موضوعي، وضمان تكافؤ الفرص، والإفصاح عن حالات تضارب المصالح ومعالجتها وفق القانون، ونشر تقارير دورية عن أداء البعثات الدبلوماسية. كما يتطلب إخضاع القرارات للرقابة والمساءلة، وتحديد أهداف واضحة لكل سفارة، وقياس مدى إسهامها في خدمة الجاليات الفلسطينية والدفاع عن الحقوق الوطنية. فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بتدوير الأسماء أو إطلاق الوعود، بل بتغيير القواعد التي تسمح بإهدار الكفاءة وتحصين أصحاب النفوذ من المحاسبة.
وفي المحصلة، يتبلور السؤال الأكثر إلحاحاً ومجابهة في المشهد الراهن: "هل تعيش فلسطين أزمة شُحٍّ في نخبها وكفاءاتها السياسية والأكاديمية، أم أنها تشهد حالة "تأميم فئوي" لآليات التعيين، تُقدّم فيه النخب المحتكرة هواجس البقاء الذاتي ومكتسبات التمكين الضيق على استحقاق الأجدر بالوطن؟".
إن الأزمة البنيوية لم تكن يوماً في ندرة الرأسمال البشري أو العقول الفلسطينية، بل في غياب التكافؤ المؤسسي للفرص، واختطاف القرار السياسي لصالح ثقافة المحاصصة الزبائنية والولاءات الشخصية. فلسطين، في جوهرها التاريخي والسياسي، ليست إقطاعية لفصيل، ولا تركة عائلية، ولا دائرة نفوذ مرتهنة لأحد؛ كما أن سفاراتها وبعثاتها في الخارج ليست غنائم دبلوماسية أو إرثاً يُوزّع على المقربين والمحاسيب. إن هذه البعثات تُمثّل مؤسسات سيادية مؤتمنة على حمل مظلمة شعب يجابه الاحتلال، ويدافع عن حقه الوجودي في التحرر وتقرير المصير؛ وبالتالي، فإن إعلاء الامتيازات الفئوية فوق المصلحة العليا لا يفسد معايير الكفاءة الإدارية فحسب، بل ينسف الحاضنة الشعبية للمؤسسة ويقوّض عدالة القضية في المحافل الدولية. إننا اليوم أمام معضلة ثنائية حتمية: إما دبلوماسية صلبة ومحترفة تحكمها المعيارية والنزاهة والمساءلة، وإما تضخم بيروقراطي ومناصب بروتوكولية تقتات على حساب القضية والرسالة التي أُنشئت من أجلها.
إن فلسطين لا تعاني من شحّ النخب المؤهلة، بل يفتقر قرارها الرسمي إلى الشجاعة السياسية لتمكين هذه العقول، وإرساء قواعد تقييم الأداء، وضبط البوصلة ليكون الوطن فوق كل توازنات السلطة.
ولعل الشواهد الميدانية والسياسية المعاصرة تُعرّي هذا العجز المؤسسي؛ ففي الوقت الذي تشهد فيه الحلبة الدولية تراجعاً في المواقف الرسمية لبعض القوى، وتمدداً لموجات التطبيع والدمج الإقليمي لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية، وتآكلاً في الدعم التاريخي التقليدي، تظل القضية الفلسطينية -بمحدداتها القانونية والأخلاقية- زاخرةً بمقومات الانتصار السردي. إن تجليات الفاشية الاستعمارية الإسرائيلية- من إطلاق يد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، والاقتحامات الاستفزازية لليمين المتطرف بقيادة "بن غفير"، والتهديدات العلنية بإعدام الأسرى عبر الشاشات، وتغول الاستيطان، وسياسات الهدم والتطهير العرقي، والتنصل التام من الاتفاقيات والضرب بعرض الحائط بالقانون الدولي الإنساني-كلها مدخلات موضوعية كفيلة بإنتاج خطابات سياسية تفكك الرواية الصهيونية الزائفة وتعزلها أمام الرأي العام العالمي.
ومع ذلك، تقف الآلة الدبلوماسية الرسمية في حالة من الجمود والقصور الوظيفي، متفرجة على المشهد وكأنها غير معنية بتبعاته. وحتى في ذروة المنعطفات التاريخية والمجازر الطاحنة التي يتعرض لها قطاع غزة، وحرب الإبادة الممنهجة التي خلّفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، وتطبيق حصار التجويع الشامل، لم يرقَ الأداء الدبلوماسي الفلسطيني مطلقاً إلى مستوى الكارثة الإنسانية والسياسية في القطاع والضفة، وبدا عاجزاً عن التعبير عن تضحيات الشعب أو مواكبة حيويته النضالية".
*كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية