شتاء غزة.. حرب لم تنتهِ ومأوى لا يحمي أصحابه

08/11/2026

 سالي علاوي: لم يحتاج قطاع غزة إلى عاصفة استثنائية كي تتكشف هشاشة الواقع الذي يعيشه سكانه. كان منخفض جوي واحد كافياً لإعادة آلاف العائلات إلى نقطة الصفر؛ خيام غمرتها المياه، وفرش تحولت إلى كتل مبللة، وأطفال وجدوا أنفسهم أمام ليلة أخرى بلا مكان آمن للنوم.

ما حدث مع أولى موجات الأمطار في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 لم يكن مجرد حادثة مناخية عابرة، بل كشف عن أزمة أعمق تتجاوز قدرة الخيام على مقاومة المطر.

لقد أظهر أن قطاعاً خرج من حرب مدمرة دون أن يستعيد مقومات الحياة الأساسية، يدخل موسماً جديداً من الشتاء وهو لا يزال عاجزاً عن توفير المأوى الآمن لمئات آلاف النازحين.

نحو 70 ألف خيمة غمرتها المياه خلال الساعات الأولى من المنخفض، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فيما تلقت طواقم الدفاع المدني نحو 1500 نداء استغاثة خلال عشر ساعات. هذه الأرقام لا تصف حجم الأضرار المادية فحسب، بل تكشف اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للسكان وما هو متاح من إمكانيات للاستجابة.

لكن السؤال الأهم ليس كم خيمة غرقت، بل لماذا ما زالت الخيمة أصلاً هي الخيار المتاح لعائلات فقدت منازلها منذ سنوات؟

من النزوح المؤقت إلى حياة معلّقة


كان يفترض أن تكون الخيمة حلاً مؤقتاً إلى حين عودة النازحين إلى منازلهم أو توفير مساكن بديلة لهم. غير أن المؤقت في غزة طال إلى حد باتت فيه عائلات بأكملها تقضي سنوات داخل مساحات ضيقة، تفتقر إلى الخصوصية والتهوية والصرف الصحي، ولا توفر حماية كافية من الحرارة صيفاً أو من الأمطار والبرد شتاءً.

لم تعد المشكلة مرتبطة بنقص عدد الخيام وحده، بل بطبيعة المأوى نفسه، وبغياب البدائل التي تسمح للإنسان باستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.

فالخيمة التي صُممت لتكون مأوى طارئاً لا يمكن أن تتحول إلى مسكن دائم، ولا تستطيع أن تعوض منزلاً دُمّر، أو توفر بيئة مناسبة لتربية الأطفال، أو تحمي المرضى وكبار السن من تداعيات التعرض المستمر للرطوبة والبرد.

وهنا تتجاوز الأزمة حدود الاحتياج الإغاثي؛ إذ يصبح استمرار الحياة داخل هذه الظروف شكلًا من أشكال الاستنزاف اليومي للإنسان وقدرته على الاحتمال.


الحرب لم تدمّر المنازل وحدها


ما جعل المنخفض الأخير أكثر قسوة هو أن الأمطار هطلت على بنية تحتية لم تتعافَ من آثار التدمير.

شبكات تصريف المياه والصرف الصحي والطرق والمرافق البلدية تعرضت لأضرار واسعة، فيما تعاني البلديات من نقص الوقود والمعدات وقطع الغيار اللازمة لمعالجة تجمعات المياه وفتح الطرق وتشغيل محطات الضخ.

وفي مدينة غزة، تحدثت تقارير ميدانية عن تضرر نحو 15 كيلومتراً من خطوط تصريف مياه الأمطار، و212 كيلومتراً من شبكات الصرف الصحي، إلى جانب خروج محطات ضخ وأحواض رئيسية لتجميع مياه الأمطار عن الخدمة.

بهذا المعنى، لا تواجه غزة منخفضاً جوياً فحسب، بل تواجه نتائج تدمير طويل الأمد جعلت قدرتها على التعامل مع الظروف الطبيعية محدودة للغاية.

والمشكلة لا تتوقف عند الخيام التي غمرتها المياه؛ فهناك عائلات أخرى تقيم في مبانٍ متضررة، بعضها فقد أجزاء من جدرانه وأسقفه، وأصبح معرضاً للانهيار مع اشتداد الأمطار والرياح.


أي أن السكان يجدون أنفسهم أمام خيارين بالغَي الخطورة: البقاء في مأوى مؤقت لا يحميهم، أو العودة إلى مبانٍ قد لا تكون صالحة للسكن.


المساعدات بين الحاجة والقيود

في كل أزمة إنسانية، تُطرح المساعدات بوصفها الاستجابة الأولى، لكن تجربة غزة تكشف أن توفير المساعدات لا يتعلق فقط بحجم التمويل أو عدد الشاحنات، وإنما أيضاً بقدرة هذه المساعدات على الوصول إلى من يحتاجون إليها، وبنوعية المواد التي يُسمح بإدخالها.

فالخيام والفرش والأغطية والمواد العازلة ومستلزمات إصلاح المساكن ليست احتياجات ثانوية يمكن تأجيلها، بل عناصر أساسية لحماية السكان من مخاطر يمكن توقعها مسبقاً.

وقد حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن المخزونات المتاحة لا تكفي لمواجهة الاحتياجات المتزايدة، مطالباً بإدخال مستلزمات الشتاء والمعدات الثقيلة وقطع الغيار اللازمة لاستمرار الخدمات الإنسانية.

وفي المقابل، حذّر المجلس النرويجي للاجئين، قبل بدء الموسم الشتوي، من أن القيود المفروضة على إدخال مواد الإيواء ونقص التمويل قد يتركان أعداداً كبيرة من الفلسطينيين أمام شتاء آخر في خيام مهترئة ومبانٍ متضررة.

وهنا تبرز مسؤولية سياسية وقانونية لا يمكن اختزالها في بيانات التضامن أو حملات جمع التبرعات. فحماية المدنيين وتوفير مستلزمات بقائهم ليست مهمة تطوعية، ولا ينبغي أن تظل رهينة استجابات موسمية تتحرك بعد وقوع الكارثة.

إن ترك السكان في أماكن معرضة للغرق، مع استمرار نقص مواد الإيواء وتعطل الخدمات الأساسية، يعني أن آثار الحرب لا تتوقف عند حدود العمليات العسكرية، بل تستمر في ملاحقة الناس داخل تفاصيل حياتهم اليومية.


ما بعد العاصفة ليس أقل خطورة


قد تتوقف الأمطار، وقد تنحسر المياه عن بعض المخيمات، لكن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة.

فالخيمة التي فقدت قدرتها على الإيواء تحتاج إلى استبدال، والفراش والملابس التي أتلفتها المياه تحتاج إلى تعويض، والمباني المتصدعة تحتاج إلى معالجة، وشبكات التصريف تحتاج إلى إعادة تأهيل. وكل ذلك يتطلب استجابة تتجاوز توزيع بعض الأغطية أو تقديم مساعدات عاجلة لبضعة أيام.

الأخطر أن تكرار هذه الظروف يضع الأسر أمام دورة متجددة من الخسارة؛ تبدأ بغرق المأوى، ثم تلف الممتلكات القليلة، ثم البحث عن مكان بديل، وسط محدودية الخيارات وانعدام الاستقرار.

إن غزة لا تحتاج إلى إدارة آثار كل منخفض جوي على حدة، بل إلى معالجة الأسباب التي تجعل كل منخفض يتحول إلى أزمة إنسانية جديدة.

وهذا يبدأ بفتح المجال أمام إدخال مواد الإيواء وإعادة الإعمار، وتوفير المعدات اللازمة للبلديات والدفاع المدني، وإصلاح البنية التحتية، إلى جانب إيجاد حلول سكنية أكثر أمانًا للنازحين، تضمن لهم حقهم في العيش بكرامة.


غزة لا تحتاج إلى النجاة من الشتاء فقط


إن اختزال ما يجري في غزة بمشاهد الخيام الغارقة والأطفال الذين يبحثون عن مكان جاف للنوم، رغم قسوة هذه المشاهد، يحجب جوهر الأزمة.

المسألة ليست في المطر، بل في واقع حُرم فيه الإنسان من أبسط مقومات الحماية، وأصبح عاجزاً عن مواجهة ظواهر طبيعية يفترض أن تكون الحياة قادرة على استيعابها.

ليس من الطبيعي أن تتحول الأمطار إلى تهديد للسكن، وأن يصبح الحصول على خيمة صالحة للحياة مطلباً استثنائياً، وأن تقضي العائلات ليلها في محاولة إنقاذ ما تبقى من أغطيتها وملابس أطفالها.

غزة لا تطلب امتيازات استثنائية، ولا حلولاً خارقة؛ إنها تحتاج إلى ما يجعل الحياة ممكنة: مأوى آمن، ومياه نظيفة، وشبكات صرف عاملة، وخدمات صحية، ومواد أساسية لإعادة بناء ما دمرته الحرب.


فالسؤال الذي يفرض نفسه مع بداية هذا الشتاء ليس كيف ستواجه غزة العاصفة المقبلة، بل إلى متى سيظل سكانها مطالبين بالتكيف مع ظروف لا ينبغي لأي إنسان أن يُجبر على العيش فيها؟