نبهان خريشه يكتب لوطن: مستوطنون على الأبواب… فمن يحمي الفلسطينيين؟

07/11/2026

 

كان رئيس جامعة نابلس للتعليم المهني والتقني الدكتور ضرار عليان نائمًا في منزله ببلدة دير الغصون، شمال طولكرم، حين أيقظته الضربات في منتصف الليل. كان المهاجمون يرتدون زي الجيش الإسرائيلي، لكنه يعتقد أنهم مستوطنون. لم يعتقلوه، ولم يسألوه حتى عن هويته الشخصية. جاءوا، وضربوا، وتركوا خلفهم سؤالًا يتجاوز ما أصاب جسده: إذا كان الإنسان لا يأمن على نفسه في فراشه، فأين يستطيع أن يكون آمنًا؟
لا يكفي الزي العسكري وحده للجزم بهوية المعتدين. لكن ما وصفه د. عليان يكشف وظيفة الاعتداء: إخافة إنسان داخل بيته، وإبلاغ الآخرين بأن ما حدث له يمكن أن يحدث لهم. فالضربات التي تلقاها ضرار كانت، في أثرها ومعناها، رسالة إرهاب إلى دير الغصون والقرى المجاورة. رسالة تقول إن الباب المغلق لا يحمي، وإن الليل الذي يلجأ إليه الناس للراحة قد يتحول إلى موعد للاعتداء.
تقع دير الغصون ضمن المنطقة المصنفة "ب"، وفق التقسيمات التي ورثناها عن اتفاقيات أوسلو. غير أن الفلسطيني الذي يستيقظ على اقتحام منزله لا يجد في هذه الحروف ما يرد عنه ضربة واحدة. وحين يتنقل الخوف بين القرية والمدينة، يصبح السؤال عن "أ" و"ب" و"ج" سؤالًا عن المسافة بين خرائط الاتفاقات وحياة الناس. أين تبدأ الحماية؟ ومن يستطيع توفيرها؟ وما قيمة الصلاحيات إذا عجزت عن حماية صاحب البيت داخل بيته؟
حتى سكان المناطق المصنفة "أ" لا يشعرون بأنهم يعيشون داخل نطاق آمن من تهديد المستوطنين. وهذا الشعور لا يحتاج إلى وقوع اعتداء في كل شارع حتى يتكون. تكفي مدينة تحيط بها المستوطنات، وتتحكم بمداخلها الحواجز، وتصلها بالمدن الأخرى طرق مكشوفة، كي يعرف سكانها أن أمنهم معلق بما يجري خارج أحيائهم. فالطالب سيغادر إلى جامعته، والمريض إلى مستشفاه، والعامل إلى رزقه. ولا يستطيع أحد أن يقضي حياته داخل حدود التصنيف.
على الطرف الآخر من الضفة، تقدم واقعة الديوك التحتا، غرب أريحا، صورة أخرى لانكشاف الفلسطينيين. فقد أفادت تقارير بدخول مستوطنين إلى ثمانية منازل، بزعم شرائها، فيما قال محافظ أريحا إن الاستيلاء طال ثلاثة منازل، وطعن في رواية البيع. اختلاف العدد يحتاج إلى تدقيق، لكنه لا يبدل جوهر الواقعة: فرض وجود استيطاني داخل تجمع فلسطيني، بينما ما تزال ادعاءات الملكية محل نزاع وتحقيق. وتقع المنازل، بحسب التقارير، في المنطقة "ج"، بمحاذاة المنطقة "أ".
وقال الجيش الإسرائيلي إن الدخول تم دون تنسيق مسبق أو موافقة، وإن إجراءات الشراء وتبعاتها الأمنية قيد الفحص. لكنه نقل قوات لحماية المستوطنين الذين فرضوا وجودهم هناك. وهنا تظهرالآلية التي يدفع الفلسطيني ثمنها: يتحرك المستوطنون أولًا، ثم تصبح حمايتهم مهمة عسكرية، فيما يُترك السكان أمام واقع جديد ينتظرون نتائج التحقيق في أوراقه. يُفحص الادعاء بالملكية على مهل، بينما تتغير حياة الجيران فورًا.
ثم جاءت المعلومات التي نشرها موقع "عرب 48" نقلًا عن "هآرتس"، لتضع رواية الجيش أمام أسئلة أشد خطورة. فبحسب مصادر أمنية أوردها التقرير، كان قائد المنطقة الوسطى، آفي بلوط، على علم مسبق بالتحرك، وطلب تأخير إبلاغ قادة ميدانيين إلى ما بعد دخول المستوطنين.
كما أن خطاب القائمين على التحرك يشرح غايته السياسية. فقد قدم رئيس مجلس المستوطنات، يسرائيل غانتس، دخول المنازل باعتباره خطوة لعكس ما أفرزته اتفاقيات أوسلو، وتغيير الواقع تدريجيًا عبر إسكان العائلات. نحن، إذن، أمام مشروع يعلن أصحابه أنهم يعيدون رسم المجال الفلسطيني. ومن حق الفلسطينيين أن يقرؤوا ما يجري في أريحا باعتباره تهديدًا يتجاوز حدود العقارات المتنازع عليها إلى مستقبل المدينة ومحيطها.
لهذا يتصل ما حدث لضرار غي دير الغصون بما يجري في أريحا، رغم اختلاف الوقائع والأدوات. الاعتداء الليلي يهدم شعور الإنسان بحرمة بيته، والبؤرة الاستيطانية تضع مستقبله تحت التهديد. وفي الحالتين يُطلب من الفلسطيني أن يتكيف مع الخطر: أن ينام قلقًا، وأن يراقب الطريق، وأن يتوقع أن تصبح الأرض التي يعرفها منذ طفولته منطقة يتعذر الوصول إليها. هكذا يمتد أثر العنف إلى أشخاص لم يتعرضوا بعد لضربة أو اقتحام.
وأصبح التنقل بين مدن الضفة جزءًا من هذا القلق. قبل المغادرة، يسأل الناس عن الحاجز والطريق البديل، وعن وجود مستوطنين عند المفارق. يتابعون هواتفهم بحثًا عن معلومة قد تجنبهم خطرًا. الرحلة العادية إلى زيارة عائلية أو موعد طبي تتحول إلى حسابات مرهقة، وقد يكلف الخطأ فيها حياة إنسان. وعندما يصل المسافر، يصبح إبلاغ أهله بأنه وصل سالمًا جزءًا ثابتًا من رحلة كان يفترض أن تكون عادية.
أما الخطر الأبعد هو أن يتحول هذا كله إلى وضع مألوف، وأن تُقاس سلامة الناس بعدد الأيام التي مرت دون اعتداء. لذلك تقع على المؤسسات الفلسطينية مسؤولية عملية: توثيق الشهادات بدقة، ومساندة الضحايا، ومتابعة الملفات، وتوفير معلومات موثوقة عن الطرق والتهديدات. ويقع على الجهات الدولية أن تربط مواقفها بمساءلة تحمي السكان، وتلاحق المعتدين ومن يسهلون اعتداءاتهم. فالبيانات التي تتكرر بعد كل حادثة لا تمنح عائلة واحدة نومًا هادئًا.
أعود إلى صديقي د. ضرارعليان ، إلى رجل نام في بيته فأفاق على الضرب. أرى في حكايته ما يتجاوز الألم الشخصي: شعبًا يُراد له أن يشك في قدرته على البقاء، وأن يشعر بأن كل مساحة من حياته قابلة للاقتحام. من دير الغصون إلى أريحا، ومن البيوت إلى الطرق، تتسع دائرة التهديد. وحق الفلسطيني في الأمن يبدأ من أبسط الأشياء: أن ينام دون خوف، وأن يبقى في منزله، وأن يصل إلى وجهته حيًا. ما قيمة أي حديث عن الاستقرار إذا ظلت هذه الحقوق نفسها معلقة؟