د. مروان طوباسي*: من أريحا إلى القُدس، الأرض الفلسطينية بين الأستيطان والتسريب ومسؤولية الحماية الوطنية والدولية

06/11/2026

 ما جرى في منطقة الديوك التحتا غرب أريحا، من دخول مستوطنين إلى ثمانية منازل فلسطينية، ليس مجرد قضية عقارية، بل حلقة في مشروع استيطاني يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع الضم والإحلال والتهجير . فالأخطر في إعلان حركة «نحالا» الأستيطانية ، ليس ادعاؤها شراء المنازل بعقود رسمية، بل إعلانها أن الهدف هو تفكيك إرث أوسلو «منزلاً بعد منزل وعائلة بعد عائلة» ، في رسالة تتجاوز أريحا إلى مستقبل الأرض الفلسطينية برمتها .

وقد أوضحت سلطة الأراضي الفلسطينية أن إحدى قطع الأراضي المعنية من أملاك الدولة، والأخرى ملكية خاصة مسجلة قبل عام ١٩٦٧ ، وأنها لم تُجري معاملات بيع عليهما . لكن تحميل الأحتلال المسؤولية الأساسية لا يعفينا من مساءلة أنفسنا عن مسؤولياتنا الوطنية أولاً . فمن حق شعبنا معرفة حقيقة العقود والوكالات المزعومة ، وما إذا كانت هناك عمليات تزوير أو تسريب ، من خلال تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وإعلان النتائج ومن ثم المحاسبة وفق القانون .

ولا ينبغي أن يقتصر التحقيق على المعاملات الحديثة ، بل أن يشمل الصفقات القديمة وسلاسل انتقال الملكيات والوكالات والشركات الوسيطة والمتورطين والمستفيدين الفعليين منها . فقد كشفت قضايا قضائية سابقة ، بينها أحكام للمحكمة العليا الإسرائيلية عام ٢٠٢١ بشأن تزوير مستندات عقارية ، خطورة استخدام وثائق مزورة لنقل الملكيات ، ما يستدعي مراجعة السجلات التاريخية والوثائق الأردنية وملفات الإدارة المدنية الإسرائيلية ، دون اعتبار الشبهات المتداولة حقائق مثبتة قبل نتائج التحقيق .

ولا يمكن فصل أريحا عن ملف أوسع يشمل الأوقاف الإسلامية والممتلكات الكنسية، وخاصة ممتلكات بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية . فما شهدته عقارات باب الخليل ، ومنها فندقا البتراء والإمبريال وقبلها دير مار يوحنا بالبلد القديمة ، من صفقات ونزاعات انتهت بسيطرة جمعيات استيطانية عليها منها «عطريت كوهانيم» التي باتت تتقاضى اليوم مستحقات ايجار تلك العقارات بدل البطريركية ، وما تتعرض له ممتلكات كنسية في سلوان ومحيط القدس ومحافظة بيت لحم من اخبار ولغط يرافق ذلك نتيجة غياب الشفافية وتنفيذ القانون وعدم تعاون جهات مسؤولة عن ذلك مع شكاوي سابقة لم تتحقق منها ، بل وقامت بدل ذلك بإغلاق الملفات . واليوم ما يثار حول أراضٍ في محيط دير حجلة بالأغوار وسيطرة المستوطنين عليها ، كلها قضايا تستوجب التدقيق والشفافية والمساءلة ، الى جانب عقارات اخرى تسيطر عليها مجموعات استيطانية بالقُدس ، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير المحققة . فهذه الممتلكات جزء من تراثنا الوطني وهويتنا التاريخية وحضورنا الفلسطيني المسيحي الإسلامي على هذه الأرض .

وفي تطور متصل ، يثير إعلان رئيس سلطة الأراضي وقف معاملات تسجيل الأراضي للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والهوية المقدسية تساؤلات مهمة . فهل يشمل القرار تسجيل الملكيات الموروثة وتسوية الحقوق التاريخية ، أم يقتصر على معاملات البيع والشراء الجديدة؟ فلا يجوز أن تتحول إجراءات منع التسريب إلى تعطيل حقوق أبناء شعبنا في القدس والداخل ، أو إبقاء ملكياتهم دون توثيق . فالمطلوب إحكام الرقابة وكشف المتورطين والمستفيدين الحقيقيين من المعاملات المشبوهة ، لا تقييد حقوق أصحاب الأرض .

وفي سياق متزامن ، نشرت صحيفة «مكور ريشون» الإسرائيلية اليوم أن قائد المنطقة الوسطى في جيش الأحتلال أصدر تعليمات بوقف الإبلاغ المسبق للأجهزة الأمنية الفلسطينية عن الاقتحامات والعمليات العسكرية في بلدات الضفة الغربية . وإذا كان ذلك لا يعني بالضرورة إنهاء التنسيق الأمني ، فإنه يعكس مزيداً من تقويض الترتيبات المنبثقة عن «أوسلو» ، ويطرح أسئلة حول حدود الدور الفلسطيني في حماية الأرض والمواطن . فبينما تتراجع هذه الترتيبات وتُقوض صلاحيات السلطة الوطنية وتتواصل جرائم الأحتلال ، تتواصل الحماية والمساندة العسكرية لدولة الأحتلال للتوسع الإستيطاني وفرض الوقائع على الأرض .

إن تصنيف الأراضي ضمن المنطقة «ج» لا يلغي مسؤوليتنا الوطنية عنها ، كما أن الادعاء بوجود عقود شراء لا يمنح الأستيطان شرعية وفق القانون الدولي . وفي المقابل ، ليس كل استيلاء استيطاني نتيجة صفقات تسريب ، ولا يجوز تعميم الاتهامات على شعب يتمسك بأرضه رغم المصادرة والهدم والتهجير ، فيما تستوجب أي مسؤولية فردية تثبتها التحقيقات المحاسبة وفق القانون ، فلا أحد فوق سيادة القانون .

ولا ينبغي أن تبقى حماية الأرض مسؤولية داخلية وحدها ، بل تستوجب تفعيل الالتزامات الدولية ، استناداً إلى اتفاقية جنيف الرابعة وقرار مجلس الأمن ٢٣٣٤ والرأي الأستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام ٢٠٢٤ . وهذا يتطلب الاستعانة بخبرات الأمم المتحدة والمؤسسات القانونية والحقوقية الدولية لتوثيق الملكيات وكشف التزوير ودعم التقاضي ، ومطالبة الدول بعدم الإعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الأستيطان أو تقديم العون لاستمراره ، دون المساس بالمرجعية والسيادة الوطنية الفلسطينية ، وهو أمر يستوجب ما طرحته في مقالات سابقة عن ضرورة اعلان «الدولة تحت الأحتلال » على كافة الأراضي المحتلة عام ٦٧ على طريق الوصول الى الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف ، كحالة من اتخاذ مبادرة سياسية وطنية تستثمر المتغيرات الإقليمية والدولية الجارية اليوم لحماية الحقوق الفلسطينية السياسية .

والسؤال الوطني الأهم هنا ، هل نملك استراتيجية لحماية الأرض قبل الأستيلاء عليها ، أم سنبقى نكتفي بإدانة النتائج بعد وقوعها؟

إن المطلوب منظومة وطنية استباقية تقودها منظمة التحرير من خلال وحدة مكونات شعبنا وكجبهة وطنية عريضة ، بالتكامل مع السلطة الوطنية كأداة في مشروع التحرر والمرجعيات الدينية والمؤسسات الحقوقية المستقلة ، لحماية الأراضي والعقارات والأوقاف ، وتوثيق الملكيات وتسوية الحقوق ، ومراجعة المعاملات القديمة والجديدة ، وتعزيز الرقابة والمساءلة وإسناد صمود المواطنين فعليا وحمايتهم ، بالتوازي مع مراجعة سياسية شاملة للعلاقة مع الأحتلال على أساس حالة الصراع معه ، بعدما باتت ترتيبات «أوسلو» التي شابها  الكثير من الملاحظات عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية للأرض والإنسان .

فالأرض الفلسطينية ليست مجرد ملف عقاري أو إداري ، بل جوهر قضيتنا الوطنية وأساس حقنا في تقرير المصير . وحمايتها مسؤولية وطنية أولاً والتزام دولي ثانياً بما يتوجب تجسيده من الأعترافات بالدولة . وهو امر يتطلب الشفافية في التحقيقات المطلوبة من جهة ، وإرادة سياسية ومؤسسات مسؤولة ومساءلة حقيقية تستدعي الشرعية الإنتخابية الديمقراطية والرؤية السياسية الواضحة والوحدة الوطنية من جهة ثانية ، لا الأكتفاء بإدانة الأستيطان بعد وقوعه أو إدارة نتائجه أو التغاضي عن المتورطين والمستفيدين إن وجدوا  .

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .