
رام الله – وطن للأنباء: لم يكن الحاج عبد الله أيوب (77 عاما) يتخيّل أن تنتهي به سنوات عمره، التي أفناها في التعليم وتخريج أجيال من الطلاب، واقفا في طابور إحدى التكايا في قطاع غزة، يحمل طنجرة فارغة وينتظر وجبة يعود بها إلى أسرته وأحفاده الأيتام.
في مشهد إنساني يلخّص قسوة التحولات التي فرضتها حرب الإبادة الإسرائيلية على حياة المواطنين في القطاع، ظهر أيوب في مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي وهو ينتظر دوره للحصول على الطعام، بعدما فقد منزله وممتلكاته وابنه، وصار تأمين لقمة العيش لأفراد أسرته مسؤولية يومية تثقل كاهله.
لم يكن المشهد مجرد صورة لمسنّ ينتظر وجبة طعام، بل حكاية عمر كامل انقلبت تفاصيله؛ فمن رجل اعتاد الوقوف أمام طلابه حاملا الطباشير، يزرع العلم والمعرفة في عقول الأجيال، إلى جد يقف اليوم أمام التكية حاملا طنجرة فارغة، بحثا عن لقمة تسدّ جوع أطفاله وأحفاده.
وفي مقطع مصوّر آخر، ظهر أيوب داخل خيمة نزوح، ممسكا بهاتفه الذي يعرض صورة سابقة له، مستعيدا ملامح حياة لم تعد موجودة: بيت فقده، وذكريات تبددت تحت القصف، وأيام كان فيها الاستقرار أمرا بديهيا، قبل أن تتحول أبسط الاحتياجات إلى معركة يومية.
تعود جذور الحاج عبد الله، المنتمي إلى عائلة الكفارنة، إلى مدينة بئر السبع. حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، تخصص القوى ومحطات التوليد، من مصر، لكنه جعل من العلم والعمل مسيرة حياته، فأفنى سنوات طويلة في التعليم، متنقلا بين عدد من دول العالم، ومسهما في تخريج أجيال من الطلاب.
كان التعليم مهنته ورسالة عمره؛ يقف أمام طلابه حاملا الطباشير، يزرع المعرفة في عقولهم ويفتح أمامهم أبواب المستقبل. أما اليوم فقد تبدلت الصورة تماما: لم يعد يحمل الطباشير أمام السبورة، بل طنجرة فارغة أمام التكية، ولا يبحث عن إجابة لسؤال علمي، بل عن وجبة تسدّ جوع أسرته.
وبين الصورتين مسافة تختصرها حرب لم تكتفِ بتدمير المنازل، بل قلبت حياة أصحابها، وسلبت كثيرا من الفلسطينيين ما أفنوا أعمارهم في بنائه وجمعه.
فقد ابنه.. وأصبح أبا لأحفاده الأيتام
غير أن الوجع الأكبر في حكاية الحاج عبد الله لا يقتصر على خسارة المنزل والممتلكات، بل يتعداها إلى فقدان ابنه، وفقدان ابنته زوجها، لتجد العائلة نفسها أمام فاجعتين تركتا أطفالا بلا آباء.
ويعيش أيوب مع زوجته وابنته التي استُشهد زوجها، وزوجة ابنه الشهيد، ويتحمل مسؤولية رعاية أحفاده الأيتام من أبناء ابنه وابنته، محاولا أن يكون لهم الأب والسند والأمان في غياب من فقدوهم خلال الحرب.
وهكذا وجد الجد نفسه أمام مسؤولية مضاعفة؛ فلم يعد مطالبا بتجاوز أحزانه وخساراته الشخصية فحسب، بل صار عليه أن يحمل أعباء عائلة فقدت اثنين من أبنائها، وأن يوفّر لأطفالها احتياجاتهم الأساسية، في وقت بات فيه هو نفسه بحاجة إلى من يمدّ له يد العون.
أيُّ قسوة أكبر من أن يفقد الإنسان ابنه وبيته، ثم يجد نفسه مطالبا بمواصلة الحياة من أجل أطفال ينتظرون منه الطعام والأمان، بعدما حرمهم القصف آباءهم؟
إنها مسؤولية لا تُقاس بالعمر، ولا تخفف من ثقلها سنوات الخبرة وما راكمه الإنسان من حكمة؛ فالحاج عبد الله، الذي أمضى 77 عاما في الحياة، يواجه اليوم امتحانا قاسيا عنوانه: كيف يوفّر الطعام لأحفاده، وكيف يحميهم من قسوة النزوح والفقد، ويمنحهم شيئا من الطمأنينة وسط واقع لا يشبه الحياة التي عرفوها.
طنجرة فارغة تختصر حكاية غزة
وفي حديثه المصوّر، ناشد أيوب المقتدرين مساعدته في توفير احتياجات أسرته وأطفاله من الغذاء ومستلزمات المطبخ، معربا عن أمله في أن يحلّ السلام وتتوقف الحروب.
وأثارت مشاهد المسنّ تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، إذ استحضر ناشطون المفارقة بين رجل كان يقف أمام طلابه ليمنحهم العلم، وآخر يقف اليوم في طابور الطعام بحثا عن وجبة لأفراد أسرته.
واستعاد متفاعلون صورة الرجل الذي كان يملك بيتا يستقبل فيه ضيوفه ويكرمهم، قبل أن تدفعه الحرب إلى النزوح والوقوف في طوابير المساعدات، بعدما فقد كثيرا مما صنعته سنوات عمره.