
وطن للأنباء: عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) ورشة عمل لعرض ومناقشة نتائج دراسة "القيود الإسرائيلية على إدخال منتجات الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية إلى القدس الشرقية: الإطار القانوني والامتثال الفني والأثر الاقتصادي"، وجاهياً في مقر المعهد وعبر تقنية الزووم. افتتحت الورشة بكلمات لكل من معالي وزير الصناعة السيد عرفات عصفور، والسيد جاكو سيلييرس الممثل الخاص للمدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ود. بسام ولويل رئيس اتحاد الصناعات الغذائية والزراعية الفلسطينية، وبحضور نخبة من المختصين والخبراء والمهتمين المحليين والدوليين، إلى جانب عدد من أصحاب المصانع وممثلي القطاع الصناعي.
وفي مستهل اللقاء، رحب مدير عام معهد ماس بالمشاركين، مؤكداً أهمية الدراسة لارتباطها بجوهر الصمود الاقتصادي الفلسطيني. كما أشاد باهتمام وزارة الصناعة بتعزيز المنتج الوطني والصناعة المحلية، مشيراً إلى أن الدراسة تأتي في سياق القيود الإسرائيلية المتجددة على إدخال منتجات الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية إلى أسواق القدس الشرقية، والتي فرضت على المصانع الفلسطينية دون إخطار رسمي أو توضيح للأسباب، لافتاً إلى أن تكرار هذه الإجراءات يجعلها نمطاً متجدداً وليس حادثة عابرة. وأكد أهمية القدس الشرقية بوصفها سوقاً حيوية وامتداداً طبيعياً للسوق الفلسطينية، ما يجعل ضمان وصول المنتجات الوطنية إليها ضرورة لدعم الصناعات الفلسطينية وتعزيز صمودها. كما وجه الشكر إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عل دعمه في إعداد الدراسة، وإلى الباحثين الذين أعداها.
من جانبه، أكد الدكتور بسام ولويل رئيس اتحاد الصناعات الغذائية والزراعية الفلسطينية أهمية الدراسة في توثيق الآثار الاقتصادية المترتبة على منع إدخال وتسويق المنتجات الغذائية الفلسطينية في القدس الشرقية منذ نيسان 2026، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات حرمت المصانع الفلسطينية من الوصول إلى سوقها الطبيعي، وألحقت أضراراً مباشرة بسبعة مصانع. وشدد على أن المنع لا يرتبط بجودة المنتجات أو سلامتها الغذائية، في ظل التزام المصانع بالمواصفات والمعايير المعتمدة، وعدم وجود مبررات فنية أو قانونية معلنة لهذه الإجراءات. ودعا إلى تحويل نتائج الدراسة إلى خطوات عملية، من خلال توحيد الموقف الحكومي بما يضمن متابعة القضية عبر القنوات الرسمية والاتفاقيات الاقتصادية والفنية ذات الصلة، وتفعيل المسارات القانونية والاقتصادية والدبلوماسية والاستفادة من النتائج التي توصلت إليها الدراسة في بناء ملف قانوني متكامل، وتقديم الدعم الفني للمصانع المتضررة، مؤكداً استعداد الاتحاد للتعاون مع الجهات الرسمية والشركاء الدوليين لمتابعة القضية والعمل على استعادة وصول المنتج الفلسطيني إلى أسواق القدس الشرقية وحماية استدامة الصناعة الوطنية.
بدوره، أكد السيد جاكو سيلييرس الممثل الخاص للمدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أهمية تحويل نتائج الدراسة إلى حلول وتدخلات عملية تسهم في تعزيز صمود القطاع الصناعي والاقتصاد الفلسطيني، مشيراً إلى أن الصناعات الفلسطينية تواجه تحديات متزايدة تشمل القيوم على الحركة والوصول، واضطراب سلاسل التوريد، وتراجع القدرة الشرائية، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، بما يهدد الإنتاج وفرص العمل. وأكد استمرار دعم البرنامج للمبادرات الرامية إلى تعزيز القطاع الخاص والصناعة الفلسطينية، مثمنا الشراكة مع وزارة الصناعة ومعهد ماس، والدعم المقدم من حكومتي سويسرا وهولندا عبر برنامج "مسارات"، ومشدداً على أهمية مواصلة التعاون والعمل المشترك لترجمة توصيات الدراسة إلى خطوات عملية لمعالجة التحديات وتعزيز الصمود الاقتصادي الفلسطيني.
بدوره، أكد معالي وزير الصناعة معالي السيد عرفات عصفور أن القيود المفروضة على دخول المنتجات الفلسطينية إلى القدس الشرقية ذات طبيعة سياسية وليست فنية، مشيراً إلى أنها تأتي في سياق استهداف الصناعة الفلسطينية وإضعافها، لا سيما بعد خسارة السوق الفلسطينية في قطاع غزة، التي كانت تشكل ما بين 25% و30% من إنتاج الضفة الغربية. وأشاد بالدراسة، مؤكداً أهمية الاستفادة من نتائجها في تحديد مسارات عملية لمعالجة المشكلة، سواء عبر المسارات القانونية أو الدولية أو الاحتجاجية أو من خلال الجمع بينها، مع ضرورة إشراك الشركاء الدوليين. كما دعا إلى التعامل بواقعية مع التحديات الاقتصادية والتجارية، ومراجعة الاختلالات في الاتفاقيات الاقتصادية القائمة، وتعزيز حماية الصناعة الوطنية من المنافسة غير العادلة والإغراق، وضمان وصول المنتجات الفلسطينية إلى الأسواق، في ظل الحواجز والعراقيل الإسرائيلية وارتفاع تكاليف النقل. وشدد على أهمية التكامل بين الحكومة والقطاع الخاص في دعم الصناعة الوطنية، مؤكداً ضرورة أن تفضي الدراسة إلى خطة عمل واضحة تتضمن توصيات قابلة للتنفيذ وتحدد الجهات المسؤولة عن متابعتها، بما يضمن الانتقال من تشخيص التحديات إلى معالجتها عملياً.
وخلال استعراضه للدراسة، أشار الباحث أحمد علاونة أن الدراسة تتناول القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول منتجات الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية إلى القدس الشرقية منذ نيسان 2026، وتراجع أسسها القانونية والفنية، وتقيّم انعكاساتها الاقتصادية على المصانع الفلسطينية والقطاعات المرتبطة بها. كما تهدف الدراسة إلى تحديد مدى اتساق هذه القيود مع بروتوكول باريس الاقتصادي والتشريعات ذات الصلة، واقتراح استجابة قانونية ومؤسسية واقتصادية تكفل حماية القطاع الصناعي الفلسطيني وتعزيز قدرته على الصمود.
وخلصت الدراسة إلى أن منع إدخال منتجات الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية لا يستند إلى قصور في جودة المنتجات أو عدم استيفائها المتطلبات الصحية والفنية، إذ إن المصانع مسجلة ومرخصة وتستوفي المتطلبات ذات الصلة، في حين لم يقدم الجانب الإسرائيلي أي مسوغ فني أو قانوني يبرر قرار المنع. واعتبرت الدراسة أن الإجراء يمثل قراراً سياسياً في المقام الأول ثم اقتصادياً، ويتخذ من الاعتبارات الفنية غطاءً له. وهو يخالف عدداً من أحكام بروتوكول باريس الاقتصادي والتشريع الإسرائيلي ذي الصلة، لا سيما ما يتعلق بحرية انسياب السلع، وتجاوز آلية اللجنة البيطرية الفرعية، والإخلال بواجب الإعلام والتشاور المسبق، وتعطيل عمل لجنة خبراء الألبان التي نص عليها البند (15) من المادة الثامنة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشارت الدراسة إلى أن القدس الشرقية كانت تستوعب ما بين 20% و30% من منتجات مصانع الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية، وأن إغلاق هذا السوق ألحق خسائر كبيرة بالمصانع، رغم تعذر تقدير حجمها بدقة، ويتحمل قطاع الألبان العبء الأكبر لسرعة تلف منتجاته، ويمتد الأثر عبر سلسلة القيمة لتشمل مربي الأبقار وصناعات الأعلاف والتغليف والنقل والتبريد، فضلاً عن تراجع الطاقة الإنتاجية لبعض المصانع إلى أقل من 60% نتيجة تقييد وصول منتجاتها وخسارة حصتها السوقية في القدس الشرقية.
وعلى الصعيد الداخلي، أظهرت الدراسة أيضاً أن الأدوات الفلسطينية المتاحة لم تستثمر بالقدر الكافي، فالتحقق المتبادل من المطابقة متوقف منذ عام 2000، وعلامة الجودة الوطنية وشعار "خال من المواد الحافظة" لم توظف في الأنشطة التسويقية على النحو المطلوب، والاختصاص المؤسسي مشتت في غياب جهة حكومية تقود الملف، وهو ما حمل اتحاد الصناعات الغذائية أعباء التفاوض والمتابعة. إلى جانب أن تراجع الطلب على المنتجات الإسرائيلية في السوق المحلية لم تعوضه منتجات المصانع الفلسطينية بالشكل المطلوب، بل حلت محله إلى حد كبير المنتجات المستوردة.
وحذرت الدراسة من أن استمرار المنع دون اعتراض رسمي عاجل قد يترتب عليه ثلاثة مخاطر رئيسية. أولها، خطر قانوني يتمثل في أن غياب الاعتراض الرسمي قد يسهم في تكريس المنع ويحوله إلى أمر واقع يصعب الطعن فيه مستقبلاً. وثانيها، خطر اقتصادي؛ إذ لا تقتصر تداعياته على قطاعي الألبان واللحوم المصنعة، وما يترتب عليه من استنزاف سيولة هذه المصانع التي تحافظ على عمالتها رغم تراجع نشاطها، بل قد تمتد إلى مربي الأبقار والصناعات المساندة. وثالثها، خطر بنيوي يتمثل في احتمال نقل المستثمرين استثماراتهم إلى الخارج وهجرة رأس المال والخبرات من القاعدة الصناعية الفلسطينية، فضلاً عن عزل القدس الشرقية اقتصادياً عن محيطها الفلسطيني.
وفي ضوء ذلك، تقترح الدراسة إطلاق تحرك قانوني وسياسي عاجل ومنسق، يتضمن بناء موقف قانوني موحد عبر مراجعة قانونية مستقلة وبيان رسمي يحدد مخالفات المنع، والمطالبة الرسمية بقرار منع مكتوب ومعلل يحدد سنده القانوني والجهة التي أصدرته وأسبابه، وإطلاق مسار قضائي جماعي عاجل عبر اتحاد الصناعات الغذائية أمام المحاكم الإسرائيلية، بدعم فني من وزارة الصحة ومؤسسة المواصفات والمقاييس، وبتمويل من الجهات المانحة، وبمشاركة القطاع الخاص المتضرر. إلى جانب تفعيل اللجان المشتركة المنصوص عليها في بروتوكول باريس الاقتصادي وتوسيع الضغط الدولي.
كما تدعو الدراسة إلى تشكيل لجنة حكومية تقود الاستجابة، وتوثيق حجم السوق والخسائر بالاستناد إلى بيانات المقاصة لدى وزارة المالية، وتوفير دعم مالي طارئ للمصانع الأكثر تضرراً، وتسهيل تنويع الإنتاج وفتح الأسواق الخارجية وتيسير التصدير، والاستعانة بلجنة دولية مستقلة لإجراء تقييم فني لمنتجات الألبان واللحوم المصنعة الفلسطينية. وشددت الدراسة على ضرورة إنشاء نظام رصد موحد لحالات المنع والإرجاع عند المعابر يشمل مختلف الفئات الغذائية، وإعداد سجل وطني للمنشآت التي تسوق منتجاتها في القدس الشرقية، وملفات امتثال مسبقة لكل فئة غذائية متضررة، وصياغة ملف قانوني يحمي مختلف القطاعات الإنتاجية الفلسطينية من تكرار هذه القيود، بما يحافظ على القاعدة الصناعية الوطنية ويعزز صمود الاقتصاد الفلسطيني.