د. عقل أبو قرع يكتب لوطن: بقايا المبيدات الكيميائية .... بين الامراض المزمنة والخسائر الاقتصادية!!

04/11/2026

لفت انتباهي خلال الفترة القليلة الماضية عدة نشاطات تمثلت في ندوات وورشات وتقارير حول سلامة الغذاء في بلادنا والحديث عن سلامة الغذاء عندنا هو موضوع قديم جديد، حيث يطفو على السطح حين تكون هناك أحداث لها علاقة بسلامة الغذاء والدواء، حيث حدث قبل فترة ليست بالبعيدة ان أعلنت وزارة الاقتصاد الوطني في بلادنا عن اكتشاف وبالتالي إتلاف وسحب منتجات إسرائيلية من الأسواق وخصوصا أنواعا من السلطات الملوثة بالبكتيريا أو تلك التي تحوي مواد كيميائية أعلى من المسموح به حسب المواصفات الفلسطينية.
فالمواد الكيميائية وبصرف النظر عن آلية عملها، إذا زاد تركيزها عن الحد المسموح به تكون لها آثار عكسية وتسبب التلوث الكيميائي للطعام، ومن ضمن بقايا المواد الكيميائية في الطعام كذلك العناصر المعدنية ومواد غير عضوية، والمبيدات، وبالأخص في الغذاء الطازج مثل الفواكه والخضار، حيث معروف ان المبيدات الكيميائية تستخدم في أنحاء عديدة في العالم للحفاظ على نوعية وكمية الإنتاج، وبعض هذه المواد تمكث لفترة قصيرة والأخرى تبقى وتنتقل في النظام البيئي الحيوي من التربة إلى النبات، إلى الهواء، الطعام ومن ثم الإنسان، وتتراكم في انسجته ويكون لها اثار وخيمة بعيدة المدى.
ولأن المبيدات الكيميائية تعتبر ضارة صحياً وبيئياً، فإن هناك دولا قد أقرت تشريعات وقوانين للاستعمال الصحيح والآمن والفعال لهذه المبيدات، وفي أحيان عديدة لترشيد استخدامها بالكمية الأقل والأكثر امانا، وهذه القوانين مُلزمة للشركات وللمصانع التي تنتج المبيدات الكيميائية وتوزعها وللمزارعين الذين يستخدمونها وكذلك ملزمة لمؤسسات التسويق من حيث إلزامها بالسماح لحد معين من بقايا المبيدات في المنتوج الذي في المحصلة يصل إلى الإنسان، وسواء اكانت جهة هذا المحصول المستهلك المحلي أو للتصدير.


ومن المعروف ان المبيدات الكيميائية تستخدم في بلادنا وبشكل كثيف في بعض المناطق، وخاصة في مناطق الزراعة المكثفة مثل مناطق الاغوار وشمال الضفة ، وكذلك في مجال مكافحة الآفات والقوارض في اطار الصحة العامة، والمبيدات هي مواد كيميائية سامة يتم تصنيعها في المختبر، وسميتها قد تكون شديدة وقد يؤدي التعرض المباشر لها الى الموت، ومنها المبيدات الفسفور وعضوية، ومن الامثلة على هذه المبيدات والتي استخدمت في بلادنا، مبيد " الفيلدول" و"المالاثيون" ومبيد" دورسبان" ومبيد " ديازينون" والعديد من المبيدات الاخرى التي تنتمي الى نفس العائلة الكيميائية.
والمبيدات الحشرية بشكل محدد هي مواد كيميائية خطيرة، حيث تعمل على القضاء على الحشرات عن طريق تثبيط عمل انزيمات في الجهاز العصبي للحشرة ومن ثم شل عملة، حيث يؤدي ذلك الى الارباك من خلال عدم التحكم في الاشارات والرسائل العصبية الى اجزاء الجسم المختلفة ومن ثم شل التنفس وتوقف القلب والموت، وما ينطبق على الحشرة يمكن ان ينطبق على الانسان اذا تعرض الانسان لمبيدات وبتراكيز خطيرة،  ويعتبر الاطفال والنساء الحوامل من اكثر الناس حساسية للتعرض لهذه المبيدات، حيث تنتقل معظم المبيدات من المرأة الحامل الى الجنين خلال الحمل، محدثة اثار وخيمة على الجهاز العصبي للجنين.
واثار التسمم بالمبيدات قد تكون لحظية او سريعة تؤدي الى المرض أو الوفاة، وفي احيان عديدة لا تظهر الاثار بشكل فوري، وذلك نتيجة التعرض الى مواد كيميائية بتراكيز قليلة، ولكن ومع استمرار التعرض للمواد الكيميائية، تبدأ الاثار تظهر ويمكن ان يكون ذلك بعد عدة سنوات على اشكال امراض فتاكة ومزمنة، وهذا ربما يفسر تزايد نسبة امراض السرطان او امراض الجهاز التنفسي او تزايد التشوهات الخلقية والاعاقة في مناطق محددة، تستخدم فيها مواد كيميائية محددة وبشكل متواصل.
ووجود بقايا مبيدات اعلى من المسموح به في المنتج قد يؤدي الى اتلاف المنتج وما لذلك من اثار اقتصادية وخيمة، وبالأخص حين يكون المنتج معدا للتصدير، والإعلان عن اكتشاف وإتلاف كمية معينة من المنتجات الفاسدة او غير الصالحة للاستهلاك، لا يعني أنه قد تم إتلاف كل ما هو ملوث أو منتجات غير صالحة في الأسواق، حيث من المتوقع أن جزءا من هذه المنتجات قد وصلت الى الأسواق وما زالت فيها، وجزء آخر قد تم استهلاكه، حيث يصبح القلق والإرباك عند الناس قلقا مشروعا.
ومن اجل طمأنة المستهلك، فالمطلوب من الجهات الرسمية وغير الرسمية المهتمة بسلامة الغذاء ولمنع وصول المنتجات التي تحوي بقايا مبيدات أعلى من المسموح به الى الناس، وضع برنامج منظم ومتكامل من اجل سحب عينات عشوائية، سواء أكانت من الخضار او من الفواكه أو من منتجات غذائية، او حتى من الخبز والكعك، والحليب ومشتقاته، وإجراء الفحوص لهذه العينات، في مختبرات تم اعتمادها، وتم التأكد ومن خلال مختصين بجاهزيتها، سواء طاقمها او أجهزتها، والاهم كذلك نشر نتائج الفحوص من خلال وسائل الإعلام، لكي تصل الى المستهلك والمنتج والتاجر كل من يتعامل مع المبيدات الكيميائية.