
رام الله – وطن للأنباء: أثارت التعديلات الواردة على قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني، بموجب القرار بقانون رقم (22) لسنة 2026، نقاشا بين المؤسسات الحقوقية والجهات القضائية، على خلفية ما تضمنته من تغييرات في إجراءات المحاكمة والحضور والغياب، واستخدام تقنيات الاتصال عن بُعد، وصلاحيات التعامل مع المضبوطات، وسط تحذيرات من المساس بضمانات المحاكمة العادلة، مقابل تأكيدات قضائية بأنها تستهدف تسريع الفصل في القضايا دون الانتقاص من حقوق المتهمين.
وجاء ذلك خلال ورشة حوارية عقدتها الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون "استقلال" في مدينة البيرة اليوم الثلاثاء، بمشاركة قضاة ومحامين وممثلين عن مؤسسات حقوقية وقانونية، لمناقشة انعكاسات التعديلات على منظومة العدالة، والاستماع إلى الملاحظات والاعتراضات بشأنها، وصولا إلى توصيات تعالج الإشكاليات المطروحة.
العاروري: الحوار يهدف إلى تقييم التعديلات وصياغة توصيات لا إلى إصدار أحكام مسبقة
.jpg)
وقال المدير التنفيذي للهيئة ماجد العاروري لوطن إن إقرار تعديلات تمس حقوق المواطنين وضمانات المحاكمة العادلة في ظل غياب المجلس التشريعي يثير إشكالية تتعلق بالمسار التشريعي، مؤكدا أن قانونا بهذه الأهمية والتأثير كان ينبغي أن يصدر عن مجلس تشريعي منتخب، ضمن عملية تشريعية تشاركية تتيح للمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني إبداء ملاحظاتهم.
وأوضح العاروري أن الورشة لا تستهدف اتخاذ موقف مسبق من التعديلات، وإنما فتح حوار يجمع الجهات القضائية والقانونية والحقوقية لمناقشة أوجه الخلل والتخوفات، وتحويلها إلى توصيات مشتركة تضمن تحقيق هدف تسريع التقاضي دون المساس بالحقوق والحريات.
وأشار إلى أن من أبرز التساؤلات المطروحة استخدام المحاكمة عن بُعد في إجراءات التوقيف، رغم أن متابعة الهيئة لهذه الإجراءات على مدار سنوات أظهرت حضور النيابة العامة والمتهم والقاضي، بما يثير تساؤلات بشأن مبررات اللجوء إلى هذه الآلية.
القاضي رائد عساف: التعديلات تستهدف تسريع إجراءات التقاضي وتطوير العمل القضائي
.jpg)
في المقابل، دافع قاضي المحكمة العليا ومجلس القضاء الأعلى رائد عساف عن التعديلات، معتبرا أنها تستهدف تحقيق العدالة الناجزة وتسريع البت في القضايا، دون الانتقاص من حق المتهم في الدفاع، الذي وصفه بأنه حق مقدس. وقال إن جانبا من التحفظات المطروحة يرتبط بكيفية تطبيق النصوص وتفسيرها، وليس بالنصوص القانونية ذاتها.
وأوضح عساف في حديث لوطن أن التعديلات تتمحور حول إدخال الرقمنة واستخدام تقنيات الاتصال المرئي والمسموع في المحاكمات، إلى جانب تعديل قواعد الحضور والغياب أمام المحاكم.
وأكد أن المحاكمة عن بُعد إجراء استثنائي يُلجأ إليه في حالات القوة القاهرة أو تعذر إحضار المتهم إلى المحكمة، بما في ذلك الظروف التي تحول دون وصول الأجهزة الأمنية إليه بسبب أوضاع الطرق.
وفيما يتعلق بمحاكمة المتهمين المتغيبين، أوضح عساف أن التعديلات تتيح استمرار المحاكمة بمثابة الحضوري بحق المتهم الذي جرى تبليغه ولم يحضر، حتى لا يؤدي تغيبه إلى تعطيل قضايا بقية المتهمين، أو إبقائها معلقة أمام المحاكم.
نقابة المحامين: ضمانات الدفاع وحق المتهم في مناقشة البينات حاضرة في التعديلات

من جهته، قال نائب نقيب المحامين الفلسطينيين أحمد العصا في حديث لوطن إن النقابة خاضت نقاشات مكثفة مع جهات الاختصاص على مدار شهرين، بشأن مشروع التعديلات، أسفرت عن تقليص المواد المقترح تعديلها من أكثر من ستين مادة إلى تسع عشرة مادة، وإدخال ضمانات تتعلق بحقوق المتهمين والمحاكمة العادلة.
وأوضح العصا أن النقابة ركزت على حماية حق المتهم المتغيب عن جلسات الجنايات في مناقشة البينات التي قُدمت أثناء غيابه، وإبداء دفوعه واعتراضاته بشأنها، بما يحول دون المساس بحق الدفاع. كما عملت على تكريس المحاكمة عن بُعد بوصفها استثناء من الأصل المتمثل في حضور المتهم أمام المحكمة.
وأضاف أن الضمانات التي أُدرجت شملت ضمان حضور المحامي إجراءات المحاكمة عن بُعد، وتمكينه من عقد جلسة تشاورية آمنة مع موكله قبل المحاكمة، على أن تكون استجابة المحكمة لطلب عقد هذه الجلسة وجوبية، إلى جانب تنظيم استخدام هذه التقنية وحصرها في مراكز الإصلاح التابعة لجهاز الشرطة والمحاكم العاملة في فلسطين.
مستشار مؤسسة الحق أشرف أبو حية: الضمانات الحقوقية لا تكفي دون بنية تحتية وإجراءات تحمي تطبيقها
.jpg)
وعلى الجانب الحقوقي، حذر المستشار القانوني لمؤسسة الحق أشرف أبو حية في حديث لوطن من أن التعديلات قد تمس ضمانات المحاكمة العادلة في حال لم تتوافر البنية التحتية والإجراءات العملية الكفيلة بحماية الحقوق الدستورية للمتهمين، مشددا على أن الضمانات القانونية لا تتحقق بمجرد النص عليها، وإنما بوجود آليات تضمن تطبيقها فعليا.
وأشار أبو حية إلى مخاطر تتعلق بإجراءات استجواب المتهمين والمحاكمة، وضرورة ضمان عدم انتزاع الاعترافات تحت الضغط أو الإكراه أو التعذيب، فضلا عن إثارته تساؤلات بشأن منح النيابة العامة والمحاكم صلاحيات إتلاف المضبوطات أو التصرف فيها قبل الفصل النهائي في الدعوى، في حالات محددة، وما يستدعيه ذلك من ضوابط واضحة تضمن الشفافية والنزاهة.
كما ربط أبو حية تقييم التعديلات بواقع الثقة بقطاع العدالة، في ظل وجود قرارات قضائية لا يجري تنفيذها، معتبرا أن معالجة إشكالية طول أمد التقاضي لا يمكن فصلها عن الظروف القائمة، بما فيها إجراءات الاحتلال والاعتقالات على خلفيات سياسية أو بسبب حرية الرأي والتعبير. وانتقد، في السياق ذاته، غياب المشاركة العامة ومؤسسات المجتمع المدني عن مراحل إعداد التعديلات ومناقشتها.
الباحث في الهيئة المستقلة عمار جاموس: التعديلات قد تمس ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع

بدوره، حذر الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان المحامي عمار جاموس في حديث لوطن من أن التعديلات تضعف ضمانات المحاكمة العادلة وتخل بالتوازن بين المتهم والنيابة العامة وأجهزة الدولة لمصلحة الادعاء، مطالبا بوقف نفاذها.
وقال جاموس إن إتاحة المحاكمة عن بُعد في قضايا الجنايات والجنح قد تحد من قدرة المحكمة على مراقبة الحالة البدنية والنفسية للمتهم، والتحقق من تعرضه للضغط أو الإكراه، ولا سيما إذا كان موقوفا داخل مراكز الإصلاح أو مراكز توقيف الأجهزة الأمنية. كما حذر من تأثير هذه الآلية على قدرة المتهم على التواصل مع محاميه ومتابعة إجراءات الدفاع.
ولفت إلى أن التعديلات تنظم تسليم الأوراق والمستندات الدفاعية من خلال مدير السجن، بدلا من تقديمها مباشرة إلى المحكمة، معتبرا أن ذلك يثير مخاوف بشأن احتمال التلاعب بالمستندات أو ضياعها، خصوصا إذا كانت تشكل الدليل الوحيد على براءة المتهم.
كما اعترض جاموس على إتاحة محاكمة المتهم في الجنايات بمثابة الحضوري عند تغيبه عن الجلسات، مشيرا إلى أن التعديلات لا تمنحه حقا تلقائيا في مناقشة البينات والشهود الذين قدموا إفاداتهم أثناء غيابه، وإنما تترك ذلك لتقدير المحكمة. وانتقد أيضا إلغاء حضور النيابة العامة في محاكم الصلح، وما يترتب عليه من تحميل المشتكي مسؤولية متابعة قضيته وتقديم البينات والدفوع والاعتراضات، دون ضمانات واضحة لتوفير المساعدة القانونية لمن لا يملك القدرة المالية أو المعرفة القانونية اللازمة.
المصري: تنظيم المضبوطات والتبليغات والمحاكمات عن بُعد وانتداب محامي الدفاع ضمن التعديلات
.jpg)
وكانت أمين سر مجلس إدارة "استقلال" شيرين المصري قد استعرضت أبرز التعديلات التي طرأت على قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، بموجب القرار بقانون رقم (22) لسنة 2026، والتي شملت أحكام المضبوطات وتبليغ الخصوم وسماع الشهود وانتداب محامي الدفاع وإجراءات المحاكمة والاستئناف، إلى جانب استحداث فصل خاص ينظم استخدام التقنيات التكنولوجية والاتصالات في الإجراءات الجزائية.
وفيما يتعلق بالمضبوطات، أوضحت المصري أن التعديلات أجازت بيعها بالمزاد العلني في حالات تعرضها للتلف أو انخفاض قيمتها أو ارتفاع تكاليف حفظها أو تعذر ذلك، شريطة صدور قرار مسبب، مع إيداع حصيلة البيع في خزينة المحكمة وحفظ حق أصحاب المضبوطات في المطالبة بثمنها. كما أجازت للنيابة العامة أو المحكمة إتلاف المضبوطات أو التصرف فيها قبل الفصل النهائي في الدعوى، إذا كانت محلا للمصادرة الوجوبية أو كان بقاؤها أو حفظها يشكل خطرا جسيما.
وشملت التعديلات أيضا تنظيم مواعيد تبليغ المتهمين والخصوم، بحيث لا تقل عن 24 ساعة في المخالفات، وثلاثة أيام في الجنح، وسبعة أيام في الجنايات، إلى جانب تعديل الأحكام المتعلقة بغياب المتهم واستمرار المحاكمة بمثابة الحضوري، وتنظيم حقه في الاطلاع على الإجراءات التي جرت أثناء غيابه وإبداء دفوعه ومناقشة البينات، وفقا للأحكام الواردة في التعديل.
كما تناولت التعديلات استخدام تقنيات الصوت والصورة عن بُعد، وأوجبت استخدامها في حالات محددة، من بينها الاستماع إلى أقوال المجني عليهم في الجرائم الواقعة على العرض، والشهود الذين لم يتموا الخامسة عشرة من العمر، مع إجازة العدول عن استخدامها في حالات التعذر التقني أو المادي الجدي، أو إذا كان استخدامها يلحق ضررا بمصلحة المجني عليه أو الشاهد أو يؤثر في كشف الحقيقة. ونظمت كذلك حفظ التسجيلات والملفات الإلكترونية وسريتها، وضمان حق المحامي في الاطلاع على ما يتعلق بالدعوى.

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)