اسماعيل الريماوي يكتب لوطن: في الخليل.. حيث يصبح البقاء بطولة والكرامة معركة

03/11/2026

هناك مدن تزورها لتشهد تاريخها، وهناك الخليل؛ المدينة التي تزورها لتعرف كيف تختار الكرامة أن تعيش، هي ليست مجرد سطور في كتب التاريخ، بل هي نبضٌ حي، وعزةٌ تتنفس في تفاصيل يوم دافئ يرفض أن ينحني للعاصفة، في الخليل، الكرامة ليست شعاراً يُرفع، بل هي قصة تُكتب كل صباح بأيدي أناسٍ اختاروا أن يكون الصمود بساطهم اليومي.

تأخذك خطواتك إلى أزقة البلدة القديمة، حيث تلتقي عينك بعيون أصحاب المحلات التجارية، هؤلاء ليسوا مجرد باعة؛ إنهم حراس هوية، يفتح التاجر الخليلي باب دكانه الصغير تحت قيد الحصار، ونصب أعينه مئات الأسباب التي تدفعه للرحيل، لكنه يختار سبباً واحداً للبقاء: «هذه الأرض لنا، وهنا نثبت»، يبتسم في وجه العابرين، يمسح الغبار عن بضاعته، ويبيعك مع السلع جرعة من الأمل واليقين، محولاً عناده الإنساني البسيط إلى أسمى آيات التحدي.

وعلى بُعد خطوات، يرتفع صوت الأذان من الحرم الإبراهيمي، ذلك الصوت الذي ينساب فوق الحواجز والأسلاك الشائكة، ليذكر العالم بأن المقدسات لا تُسجن ولا تُقسم، عندما تسير في ردهات الحرم، تشعر بأن كل حجر فيه يروي حكاية بشرٍ بذلوا مهجهم لحمايته، ترى الشيوخ الركّع السجود، والأطفال الذين يركضون في باحاته، فتدرك أن الرابط بين الخليلي وأرضه ليس رابط سكن، بل هو عقيدة حب وعلاقة روح لا تنفصم.

وفي قلب هذا الحصار، تولد أجمل صور التكافل الإنساني في التكية الإبراهيمية، هناك، حيث يغلي القدر الكبير ليطعم الصغير والكبير، والفقير وعابر السبيل، في هذا المكان، لا ترى طابوراً للمحتاجين، بل ترى لوحة من العطاء تفيض بالحب، إنه المكان الذي يصر فيه أهل الخليل على ألّا يبيت بينهم جائع واحد، وكأنهم يواجهون قسوة الحصار الخارجي بفيض من الحنان الداخلي، مبرهنين على أن عزة النفس تبدأ من رعاية الآخر وحفظ كرامته.

لكن خلف هذه الصور المضيئة، تختبئ حكاية مدينة تدفع ثمناً باهظاً لأنها تتمسك بهويتها وأرضها، فالخليل ليست مجرد مدينة تعاني من إجراءات الاحتلال، بل هي نموذج مكثف لما يتعرض له الفلسطيني في أرضه: حواجز تقطع أوصال الحياة، وطرق تُغلق، ومحال تجارية تُجبر على الإغلاق، ومنازل تحاصرها البوابات العسكرية، ومستوطنون يتحركون تحت حماية جيش الاحتلال، في مشهد يراد منه تحويل حياة الفلسطيني إلى رحلة يومية من المعاناة والإذلال.

وفي البلدة القديمة تحديداً، لا تبدو الحواجز الحديدية والأسلاك الشائكة مجرد إجراءات أمنية عابرة، بل أدوات لفرض واقع جديد، يعزل الفلسطيني عن محيطه، ويضيّق عليه في رزقه وحركته، ويدفعه تدريجياً إلى مغادرة المكان، إنها سياسة تقوم على استنزاف الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، حتى يصبح البقاء معركة، وفتح باب الدكان موقفاً وطنياً، والوصول إلى البيت تحدياً، وممارسة الحياة الطبيعية فعلاً من أفعال المقاومة والصمود.

إن ما يجري في الخليل يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية؛ فالمعركة ليست على شارع أو مبنى أو حيّ، بل على هوية المدينة وذاكرتها ومستقبلها، والاحتلال الذي يسعى إلى تغيير ملامح المكان يدرك أن السيطرة على الأرض لا تكتمل ما دام أصحابها متمسكين بها، ولذلك يحاول أن يجعل الحياة مستحيلة، وأن يحوّل الوجود الفلسطيني إلى عبء يومي، على أمل أن يرحل الناس بأقدامهم عما عجز عن انتزاعه منهم بالقوة.

وفي مواجهة ذلك، يقدم أهل الخليل درساً لا يحتاج إلى خطابات سياسية ولا إلى بيانات موسمية، فالتاجر الذي يفتح متجره، والأم التي تتمسك ببيتها، والمزارع الذي يعود إلى أرضه، والشيخ الذي يقصد الحرم ،

والمتطوع الذي يطعم المحتاجين في التكية، جميعهم يكتبون فصولاً من حكاية الصمود الفلسطيني، هؤلاء هم الذين يحرسون الوطن بالفعل، لا بالشعارات، وهم الذين يمنحون معنى حقيقياً للانتماء حين يصبح البقاء مكلفاً إلى هذا الحد.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف أمامه أن الخليل، رغم كل ما تتعرض له، لم تفقد روحها الاجتماعية والإنسانية، فما زالت أبواب التكافل مفتوحة، وما زالت العلاقات بين الناس تشكل شبكة أمان في مواجهة القسوة، وما زال التضامن الشعبي يثبت أن الاحتلال يستطيع أن يحاصر الشوارع، لكنه لا يستطيع أن يحاصر المحبة بين الناس، أو أن ينتزع منهم إحساسهم بالمسؤولية تجاه بعضهم بعضاً.

لكن صمود الخليل لا ينبغي أن يكون ذريعة لترك أهلها وحدهم في مواجهة آلة الاحتلال، فالإشادة بصمود الناس لا تعفي الموقف الرسمي او الشعبي من مسؤولياتهم، هؤلاء الذين يواجهون الحصار والاستيطان يستحقون حماية حقيقية، ودعماً اقتصادياً واجتماعياً، وحضوراً وطنياً يترجم الأقوال إلى أفعال، فليس من العدل أن نطالب الناس بالصمود، ثم نتركهم وحدهم يدفعون ثمن هذا الصمود من أرزاقهم وأعمارهم ومستقبل أبنائهم.

الخليل هي تلك المدينة التي ترفض أن تبكي ضعفاً، بل تبكي فخراً بشهدائها وصمود أحيائها، إنها مدرسة حية تُعلم كل من يمر بها أن الجدران قد تحجب الأفق، لكنها لا يمكن أبداً أن تحجب إرادة شعب قرر أن يعيش حراً، عزيزاً، وشامخاً لا يقبل الهوان.

في الخليل، لا تُقاس الكرامة بارتفاع المباني ولا باتساع الشوارع، بل بقدرة الإنسان على البقاء حين يُراد له الرحيل، وعلى الابتسام حين تُحاصره المعاناة، وعلى فتح باب رزقه حين يريد الاحتلال إغلاق أبواب الحياة في وجهه، هناك، يُنحت الصمود من لحم الإنسان وحجر الأرض، وتتحول تفاصيل الحياة البسيطة إلى شهادة وطنية تقول للعالم إن هذه المدينة لأهلها، وإن الأرض التي يسكنها أصحابها في الوجدان لا يستطيع المحتل أن ينتزعها مهما طال الزمن.

فالخليل لا تحرسها حجارتها وحدها، بل يحرسها أهلها؛ وكل صباح يفتح فيه خليلي باب متجره، هو إعلان جديد بأن الكرامة لا تُحاصر، وأن المدن التي يسكنها الأحرار لا تموت.