
ليس كل الشهداء مجرد أسماء في سجل طويل من الغياب، فبعضهم يتركون خلفهم سيرةً تختصر حكاية وطن، ورجالاً عاشوا لقضيتهم ومضوا وهم يحملونها حتى اللحظة الأخيرة.
الشهيد ميسرة أبو حمدية واحد من هؤلاء الرجال الذين لم تكن فلسطين بالنسبة إليهم شعاراً يُرفع، بل كانت انتماءً وموقفاً وبوصلة حياة.
منذ شبابه اليافع، التحق بصفوف الثورة الفلسطينية، وكانت البندقية رفيقة دربه، وفلسطين بوصلته التي لم تتغير. جسّد في سلوكه معنى الوحدة الوطنية، وعُرف بتواضعه وهدوئه ودماثة أخلاقه، كما عُرف بشجاعته وجرأته وصلابة مواقفه. كان رجلاً واضح البوصلة، لا تلتبس عليه الاتجاهات، ولا تدفعه الظروف إلى التخلي عن قناعاته.
عاد إلى فلسطين عام 1998، لا قبولاً بالتسوية السياسية، بل إيماناً منه بأن وجوده على أرض الوطن يتيح له أن يكون في موقع نضالي متقدم، وأن يواصل دوره في المكان الذي اختاره قلبه وعقله.
كانت رحلة ميسرة مع الاعتقال طويلة وقاسية؛ اعتُقل للمرة الأولى عام 1969، ثم عام 1975، ومرة ثالثة عام 1976، قبل أن يُبعَد إلى الأردن عام 1978. وبعد عودته إلى الوطن عام 1998، اعتقله الاحتلال مجدداً عام 2002، ليبقى خلف القضبان حتى استشهاده في الثاني من نيسان/أبريل عام 2013.
وُلد ميسرة في الخليل، وتشير شهادة ميلاده الرسمية إلى أنه من مواليد عام 1949، فيما تفيد الحقيقة التي تعرفها عائلته بأنه وُلد عام 1948. وربما ارتبط اختلاف تاريخ الميلاد بصعوبة التسجيل في ظروف حرب النكبة وما أعقبها.
لم يكتفِ الاحتلال بحرمانه من العلاج، بل مضى في سياسة الإهمال الطبي، حتى استُشهد في مستشفى سوروكا، صباح الثلاثاء، الثاني من نيسان/أبريل 2013. رحل ميسرة بعد معاناة داخل الأسر، تاركاً خلفه سيرة رجل لم يتخلَّ عن انتمائه ومواقفه، حتى وهو يواجه المرض وقسوة السجن.
من مستشفى عالية إلى مقبرة الشهداء... حكاية تجمع ميسرة ونزار
قبل اعتقال ميسرة الأخير، وتحديداً نحو عام 2001، كان والده يتلقى العلاج في مستشفى عالية الحكومي. وهناك التقى نزار بنات بميسرة.
كان لقاءً في ممرات مستشفى، لم يكن أحد يعرف أن الزمن سيمنح هذه المصادفة معنى آخر، وأن الرجلين اللذين جمعهما المكان في تلك الأيام ستجمعهما لاحقاً مقبرة الشهداء (إم الدالية).
مضى ميسرة شهيداً داخل سجون الاحتلال، ومضى نزار بنات شهيداً بعد اغتياله. اختلفت ظروف الرحيل، لكنهما التقيا في ذاكرة الخليل، وفي حكاية رجال لم يتخلوا عن مواقفهم.
واليوم، يرقد ميسرة إلى جوار نزار في مقبرة الشهداء. مشهد يحمل من الرمزية والوجع ما يفوق الكلمات؛ لقاء أول في مستشفى عالية، ولقاء أخير تحت تراب فلسطين.
حتى بعد استشهادهم... لا يسلم الشهداء من حقد الاحتلال
يبدو أن الاحتلال لا يكتفي بملاحقة الفلسطيني في حياته، ولا يطمئن إلى غيابه بعد استشهاده. فحقده يمتد إلى صور الشهداء وأسمائهم وجدارياتهم، وكأن قتل الإنسان لا يكفي، بل لا بد من محاولة محو أثره من ذاكرة الناس أيضاً.
في التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أقدمت قوات الاحتلال على تحطيم جدارية الشهيد ميسرة أبو حمدية. وقبل نحو شهرين، كانت جدارية الشهيد نزار بنات، التي أنجزها الفنان يوسف كتلو بعد اغتياله بنحو شهرين، قد تعرضت هي الأخرى للتحطيم على يد قوات الاحتلال.
جدارية ميسرة حُطّمت، وجدارية نزار حُطّمت، وكأن الاحتلال يخوض معركته مع الصور والألوان والحجارة، بعدما عجز عن إسكات حكايات أصحابها.
ما الذي يخيف الاحتلال من صورة رجل استُشهد قبل ثلاثة عشر عاماً؟ وأيُّ انتصار يمكن أن يحققه بهدم جدارية أو طمس ملامح شهيد؟
إنهم لا يحاربون الصورة وحدها، بل يحاربون ما تحمله من ذاكرة، وما تتركه من أثر في وجدان الناس. يريدون أن يكون الموت نهاية الحكاية، وأن تتحول أسماء الشهداء إلى مجرد أرقام في سجلات قديمة، لكنهم ينسون أن الذاكرة الفلسطينية ليست جداراً يمكن هدمه، ولا لوحة يمكن تحطيمها.
لقد استُشهد ميسرة أبو حمدية داخل السجون، ورحل نزار بنات بعد اغتياله، ثم امتدت يد الاحتلال إلى جداريتيهما. وبين قبرين متجاورين وصورتين حُطّمتا، تتجسد حكاية احتلال لا يكتفي بقتل أصحاب المواقف، بل يواصل مطاردتهم حتى بعد أن يصبحوا في ذمة التاريخ.
قتلوا الجسد، ثم حطّموا الصورة، لكنهم لم يستطيعوا قتل الحكاية.
رحم الله الشهيد ميسرة أبو حمدية، والشهيد نزار بنات، وكل شهداء فلسطين.
فالشهداء لا يحتاجون إلى جداريات كي يبقوا في الذاكرة؛ نحن الذين نحتاج إلى أن نتذكرهم، كي لا ننسى الحكاية، ولا ننسى الرجال الذين دفعوا أعمارهم ثمناً لمواقفهم.