
رام الله – وطن للأنباء: حذر مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" من استمرار الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين والصحفيات الفلسطينيين، مؤكدا أن اغتيال الصحفيين لن يحجب الحقيقة، وأن الإفلات من العقاب لا يلغي المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة بحقهم، ومشددا على ضرورة الانتقال من بيانات الإدانة الدولية إلى إجراءات قانونية وملاحقات قضائية تضمن محاسبة المسؤولين وعدم تكرار الانتهاكات.
وقال المركز في بيان وصل لوطن نسخة عنه، بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي يصادف الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم (A/RES/68/163) الصادر في 18 كانون الأول/ديسمبر 2013، إن إحياء هذه المناسبة لا ينبغي أن يتحول إلى طقس سنوي لتكرار الإدانات، في وقت يواصل فيه الصحفيون والصحفيات الفلسطينيون دفع أثمان باهظة جراء ممارسة حقهم في نقل الحقيقة.
وشدد "شمس" على أن ما يتعرض له الصحفيون والصحفيات الفلسطينيون من قتل وإصابة واعتقال وتعذيب وتهديد وملاحقة، وتدمير للمؤسسات الإعلامية ومصادرة للمعدات ومنع للتغطية، يشكل اعتداء خطيرا على الحق في الحياة وحرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة، ويطرح تساؤلات جوهرية بشأن فعالية منظومة الحماية الدولية وقدرتها على تحويل الالتزامات القانونية إلى حماية فعلية.
وأدان المركز بشدة استمرار الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين والصحفيات الفلسطينيين، مؤكدا أن حجم هذه الانتهاكات وتكرارها وطبيعتها تثير مخاوف جدية من وجود نمط من الاستهداف يرمي إلى تقييد التغطية المستقلة وحجب الأدلة عن الرأي العام.
ووفقا لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، بلغ عدد الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي الذين استشهدوا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2026 نحو 260 شخصا، فيما بلغ عدد الجرحى 572، والمعتقلين 39، إضافة إلى تدمير 150 مؤسسة إعلامية. كما وثقت النقابة 4127 انتهاكا خلال الفترة ذاتها، إلى جانب 50 انتهاكا خلال أيلول/سبتمبر وحده.
وقال المركز إن هذه المعطيات تكشف اتساع نطاق الاعتداءات وتعدد أشكالها، وتؤكد الحاجة إلى تحقيقات دولية مستقلة في كل واقعة، وتحديد المسؤوليات عنها.
استهداف الصحفيين وتدمير البنية الإعلامية في غزة
وأكد مركز "شمس" أن قطاع غزة شهد اعتداءات مروعة طالت الصحفيين والصحفيات أثناء أداء واجباتهم المهنية، وفي منازلهم وأماكن نزوحهم ومواقع عملهم، بما في ذلك حالات قتل وإصابة خلال القصف والعمليات العسكرية، وتدمير المكاتب والاستوديوهات ومراكز البث والمعدات والأرشيف الإعلامي.
وأضاف أن القيود المفروضة على الحركة والاتصالات والإنترنت، ونقص الوقود والكهرباء ومستلزمات الحماية، أدت إلى تقويض القدرة على التغطية المستقلة.
وحذر المركز من أن تدمير البنية التحتية الإعلامية لا يقتصر أثره على تعطيل مؤسسة صحفية، بل يمتد إلى إضعاف القدرة على حفظ الشهادات والصور والأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، ما يجعل حماية المؤسسات الإعلامية جزءا لا يتجزأ من حماية الحق في الحقيقة والعدالة.
كما حذر من تصاعد الاعتداءات على الصحفيين والصحفيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خلال تغطيتهم الاقتحامات العسكرية واعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والتهجير والاستيلاء على الأراضي.
وأوضح أن هذه الاعتداءات تشمل إطلاق الرصاص والغاز وقنابل الصوت، والضرب والتهديد بالسلاح، والاحتجاز على الحواجز، والاعتقال الإداري، واقتحام المنازل والمؤسسات الإعلامية، وتحطيم الكاميرات ومصادرة الهواتف وأجهزة التسجيل.
مخاطر خاصة تواجه الصحفيات الفلسطينيات
وأشار المركز إلى المخاطر الخاصة التي تواجهها الصحفيات الفلسطينيات، واللواتي يتعرضن، إلى جانب مخاطر القتل والإصابة والاعتقال، لأشكال من التهديد والترهيب والتشهير والانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي، فضلا عن الأعباء الإنسانية والمهنية الناجمة عن النزوح وفقدان أفراد الأسرة وانعدام الخصوصية والأمان.
وشدد على ضرورة اعتماد تدابير حماية تراعي النوع الاجتماعي، وتضمن التحقيق في أي ادعاءات بالتعذيب أو المعاملة المهينة أو العنف الجنسي خلال الاحتجاز، وتوفير الدعم القانوني والنفسي للصحفيات والناجيات وأسر الضحايا، وعدم اختزال حمايتهن في إجراءات أمنية تتجاهل حقهن الأصيل في ممارسة العمل الصحفي بحرية واستقلال.
الحماية القانونية للصحفيين.. والكاميرا لا تسقط الحصانة المدنية
وشدد مركز "شمس" على أن حماية الصحفيين ليست التزاما أخلاقيا اختياريا، بل واجب قانوني يستند إلى المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواد (6) و(7) و(9) و(19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، لا سيما القاعدة (34)، التي تنص على وجوب احترام وحماية الصحفيين المدنيين العاملين في مهام مهنية في مناطق النزاع المسلح، ما داموا لا يقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية.
كما أشار إلى أن المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 تؤكد تمتع الصحفيين الذين يؤدون مهام مهنية خطرة في مناطق النزاع بالحماية المقررة للمدنيين.
وأكد المركز أن حمل الكاميرا أو ارتداء شارة الصحافة أو توثيق العمليات العسكرية أو نشر معلومات تنتقد سلطات الاحتلال، لا يحول الصحفي إلى هدف عسكري مشروع، ولا يسقط عنه الحماية القانونية.
وذكّر المركز بقرار مجلس الأمن الدولي رقم (1738) لسنة 2006، الذي أدان الهجمات المتعمدة ضد الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام أثناء النزاعات المسلحة، وأكد أن المعدات والمنشآت الإعلامية تعد أعيانا مدنية لا يجوز استهدافها، ما لم تصبح أهدافا عسكرية وفقا للقانون الدولي الإنساني.
كما شدد على أهمية قرار مجلس الأمن رقم (2222) لسنة 2015، الذي أدان الانتهاكات ضد الصحفيين والإفلات من العقاب، ودعا إلى حمايتهم واحترام استقلالهم المهني.
ويرى المركز أن استمرار الاعتداءات دون تحقيقات وملاحقات قضائية فعالة يكشف فجوة خطيرة بين القرارات الدولية وتنفيذها، ويستوجب من مجلس الأمن الانتقال من تكرار الإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية تكفل الحماية وتدعم تحقيق العدالة.
الاستهداف المتعمد للصحفيين قد يشكل جرائم حرب
وأكد مركز "شمس" أن الاستهداف المتعمد للصحفيين بصفتهم مدنيين، أو توجيه الهجمات عمدا ضد منشآت إعلامية محمية، قد يشكل جرائم حرب بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، متى توافرت الأركان القانونية اللازمة.
كما يمكن أن تستدعي الوقائع البحث في المسؤولية عن جرائم ضد الإنسانية، وفق المادة (7) من النظام ذاته، إذا ثبت ارتكاب الأفعال في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد سكان مدنيين، مع العلم بذلك الهجوم.
وشدد المركز على أن المسؤولية الجنائية لا تنحصر في المنفذين المباشرين، بل قد تمتد إلى القادة والرؤساء وفق شروط المسؤولية المنصوص عليها في القانون الدولي، وأن الأوامر العسكرية أو الادعاءات الأمنية لا تمنح حصانة مطلقة من الملاحقة القضائية.
واعتبر أن استمرار الإفلات من العقاب يمثل أحد العوامل الأساسية التي تسمح بتكرار الانتهاكات، مستحضرا جريمة اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في جنين عام 2022، ومحاولة اغتيال زميلها الصحفي علي السمودي، مراسل صحيفة القدس، باعتبارهما مثالا بارزا على الحاجة إلى تحقيق مستقل وعدالة فعالة.
وحذر المركز من الاكتفاء بتحقيقات داخلية تفتقر إلى الاستقلال أو الشفافية، مؤكدا أن التحقيق الجاد يجب أن يشمل حفظ الأدلة الرقمية والمادية، وفحص أوامر إطلاق النار وقواعد الاشتباك والتسلسل القيادي، والاستماع إلى الشهود، وتحديد المسؤوليات، وضمان المحاكمة العادلة والتعويض وجبر الضرر، بما يحول دون إغلاق ملفات الجرائم بقرارات إدارية أو إجراءات شكلية.
إشادة بدور نقابة الصحفيين الفلسطينيين
وفي سياق متصل، حيا مركز "شمس" نقابة الصحفيين الفلسطينيين، وثمن دورها الوطني والمهني والحقوقي في الدفاع عن الصحفيين والصحفيات، ورصد وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وإعداد التقارير الدورية، وفضح الاعتداءات أمام المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي.
كما أشاد بجهود النقابة في التعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين والنقابات والمؤسسات الإعلامية والحقوقية الدولية، ومتابعة الملفات القانونية ذات الصلة أمام آليات العدالة الوطنية والدولية.
وأكد المركز أن ما تقوم به النقابة يتجاوز الدفاع عن الحقوق المهنية لأعضائها، ليشكل مساهمة أساسية في حماية حرية الصحافة وصون الذاكرة الفلسطينية ومنع طمس الأدلة، مطالبا بتوفير الدعم القانوني والفني والمؤسسي اللازم لتعزيز قدرتها على التوثيق والمناصرة ومرافقة الضحايا وأسرهم.
مطالبات بتحرك المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن
وطالب مركز "شمس" المحكمة الجنائية الدولية بإعطاء أولوية جدية للتحقيق في الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية في الأرض الفلسطينية المحتلة، ضمن نطاق ولايتها.
كما دعا مجلس حقوق الإنسان ولجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، إلى تعزيز توثيق هذه الانتهاكات وحفظ أدلتها وتحديد أنماطها والمسؤولين المحتملين عنها.
وطالب مجلس الأمن بمتابعة تنفيذ قراريه (1738) و(2222)، وإدراج سلامة الصحفيين الفلسطينيين بصورة منتظمة في تقاريره ومداولاته ذات الصلة بحماية المدنيين، والعمل على ضمان وصول لجان التحقيق والخبراء الدوليين إلى مواقع الانتهاكات دون عوائق.
كما دعا الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف إلى الوفاء بالتزاماتها باحترام القانون الدولي الإنساني وضمان احترامه، واتخاذ التدابير القانونية والدبلوماسية اللازمة لوقف الهجمات غير المشروعة، وضمان وصول وسائل الإعلام الدولية إلى قطاع غزة، والإفراج عن الصحفيين المحتجزين، والكشف عن مصير المفقودين، وتوفير العلاج للمصابين والحماية لأسرهم.
وطالب المركز منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، والاتحاد الدولي للصحفيين والمؤسسات الإعلامية الدولية، بتطوير آليات إنذار مبكر وحماية ميدانية وتوثيق قانوني، ودعم إعادة تأهيل المؤسسات الإعلامية المدمرة، وتوفير معدات السلامة المهنية والتعافي النفسي والصحي للصحفيين والصحفيات المتضررين، مع ضمان استقلال العمل الإعلامي ورفض أي قيود غير مشروعة على تداول المعلومات.
العدالة للصحفيين لا تتحقق ببيانات التعاطف
وختم مركز "شمس" بيانه بالتأكيد أن اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب يجب أن يكون مناسبة لمراجعة ضمير المجتمع الدولي ومدى التزامه بحماية الإنسان والحقيقة معا.
وقال إن الصحفي الذي يقتل، والصحفية التي تعتقل، والكاميرا التي تحطم، والمؤسسة الإعلامية التي تدمر، ليست وقائع معزولة عن حق المجتمع في المعرفة، بل اعتداءات تمس منظومة الحقوق والحريات برمتها.
وأكد أن العدالة للصحفيين والصحفيات الفلسطينيين لا تتحقق ببيانات التعاطف وحدها، وإنما بتحقيقات مستقلة ومحاكمات فعالة وجبر ضرر شامل وضمانات حقيقية لعدم التكرار.
وشدد على أن حماية الصحفيين والصحفيات هي حماية للحقيقة، وأن إنهاء الإفلات من العقاب شرط لحماية القانون الدولي من التحول إلى نصوص بلا أثر، ولضمان ألا يصبح قتل الشهود وسيلة لإخفاء الجرائم ومحو الأدلة.