يونس العموري يكتب لوطن: جبل اللويبدة... مقاهي الحب وذاكرة المكان

02/11/2026

ثمة أمكنة لا نذهب إليها لمجرد أننا نريد أن نكون فيها، بل لأن شيئا في داخلنا يشدنا إليها، كأنها تعرفنا قبل أن نعرفها، وكأن بيننا وبينها حكاية قديمة لم نكتب فصولها بعد. هكذا هو جبل اللويبدة بالنسبة لي. أعود إليه مرارا، وفي كل مرة أشعر أنني لا أزور حيا في عمان بقدر ما أعود إلى مكان يشبهني، ويشبه شيئا عميقا من ذاكرتي، ومن الأمكنة التي أحبها، ومن المدن التي تركت في روحي ما لا تمحوه المسافات.

في جبل اللويبدة شيء من القدس. ليس الشبه في الحجارة وحدها، ولا في انحدارات الطرقات، ولا في تلك الحواري التي تتلوى بين البيوت القديمة، وإنما في الروح التي تسكن المكان. في تفاصيله الصغيرة، في شرفاته التي تطل على الحياة بهدوء، في أبوابه ونوافذه، في المقاهي التي تتكئ على الأرصفة، وفي تلك الأزقة التي تشعرك بأن لكل حجر حكاية، ولكل زاوية ذاكرة، ولكل بيت عمرا من الحب والغياب والانتظار. هناك، بين الحارات والممرات، أستعيد شيئا من أحياء القدس العريقة، من الشيخ جراح والطور والبلدة القديمة، ومن تلك العلاقة الحميمة بين الإنسان ومكانه، حين لا يعود المكان مجرد جغرافيا، بل يصبح جزءا من تكوينه وملامح روحه.
أحب التناقضات في جبل اللويبدة. أحب ذلك التداخل الغريب بين القديم والجديد، بين البيوت التي تحمل وقار الزمن والمقاهي التي تفتح نوافذها على العالم، بين البساطة والأناقة، وبين الهدوء الذي يلف بعض زواياه وصخب الحياة في زوايا أخرى. أحب أن أرى الحياة هناك على سجيتها، دون أن تحاول أن تكون شيئا آخر. ثمة عفوية في المكان، وثمة شيء من التمرد الجميل على الرتابة، وكأن جبل اللويبدة قرر أن يحتفظ بذاكرته، لكنه لم يغلق أبوابه أمام الحاضر. وربما لهذا تحديدا أشعر أنه يشبهنا ، نحن الذين نحمل تناقضاتنا معنا، نحب القديم ولا نعادي الجديد، نشتاق إلى ما مضى، لكننا لا نتوقف عن البحث عما يستحق أن نعيشه.

وللمقاهي في هذا الحي حكاية أخرى. ليست مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو تمضية الوقت، بل مساحات للقاء، وللكلام الذي يتجاوز عابر الأحاديث، وللصداقات التي تتجدد كلما التقينا، وللأفكار التي لا تجد مكانا أكثر دفئا من طاولة صغيرة وفنجان قهوة. في مقهى ركوة عرب، ثمة ألف حكاية يمكن أن تبدأ من فنجان، وتمتد إلى الوطن، إلى القدس، إلى الأرض السمراء، وإلى ذلك الحنين الذي نحمله أينما ذهبنا. هناك تصبح القهوة أكثر من مذاق، وتغدو الجلسة أكثر من موعد، ويصبح الأصدقاء والأحبة جزءا من معنى المكان.
أحب تلك الوجوه التي ألتقيها في اللويبدة، الأحبة والصديقات والأصدقاء، أولئك الذين لا يزالون يتوقون إلى الوطن، الذين يحملون القدس في أحاديثهم، ويستحضرون الأرض السمراء كما لو أنهم يخشون أن يبتعدوا عنها لحظة واحدة. أولئك الذين تستطيع أن تنتقل معهم، في جلسة واحدة، من حكاية شخصية صغيرة إلى سؤال كبير عن البلاد، ومن ضحكة عابرة إلى وجع قديم، ومن حديث عن كتاب أو قصيدة إلى ذاكرة مدينة وناسها. أحب هذه اللقاءات لأنها تمنحني شعورا نادرا بأننا، رغم كل ما تفرقنا به الطرق والمنافي والمسافات، ما زلنا نلتقي في مكان واحد، هو الوطن الذي يسكننا قبل أن نسكنه.
وفي زيارتي الأخيرة، تعرفت إلى مقهى جديد بالنسبة لي، اسمه مقهى ثمانية وأربعين. توقفت عند الاسم طويلا. ثمة أسماء لا تمر بنا عابرة، بل تستدعي ما وراءها من ذاكرة ومعنى وحكاية. وأسماء الأمكنة أحيانا تشبه أصحابها، تحمل إشارات لا تحتاج إلى كثير من الشرح، وتترك في النفس أسئلة وارتباطات لا تنتهي عند حدود المكان. وجدت في الاسم ما يوقظ في داخلي ذلك الخيط الممتد بين الجغرافيا والذاكرة، بين ما نعيشه وما نحمله، وبين الأمكنة التي نصل إليها والأمكنة التي لا نغادرها أبدا.
وربما، لو كنت معي في إحدى تلك الأمسيات، لعرفت لماذا أحب هذا الحي إلى هذا الحد. كنت سأختار لك طاولة تطل على الحارة، وأترك للقهوة أن تبرد قليلا، لأنني أعرف أن حديثنا سيكون أطول من استعجال الوقت. كنت سأحدثك عن القدس، عن شوارعها التي تشبه ملامحك حين تبتسمين، وعن حجارتها التي تحفظ أسرار العاشقين، وعن البيوت التي لا تزال تنتظر أبناءها، كما أنتظر أنا لحظة تجمعني بك. كنت سأقول لك إن في جبل اللويبدة شيئا منك، في هدوئه حين يصغي، وفي فوضاه حين يشتاق، وفي حنينه الدائم إلى أشياء لا يستطيع استعادتها كاملة.

ايتها الشاردة  من تفاصيل يومياتي ، كم أتمنى لو تقاسمنا معا هذه التفاصيل الصغيرة، أن نمشي في حواري اللويبدة دون وجهة، أن نتوقف أمام نافذة قديمة، أن نختلف حول مقهى نحب الجلوس فيه، وأن نضحك من أشياء لا تستحق الضحك إلا لأننا معا. كم أتمنى أن أراك وأنت تقتربين من فنجان قهوتك، وأن أقرأ في عينيك ما لا تقوله الكلمات، وأن أترك يدي قريبة من يدك، كأن العالم كله يمكن أن ينتظر قليلا. أحبك كما يحب المرء مدينة لا يستطيع امتلاكها، لكنه يعرف أن جزءا من روحه يسكنها. وأشتاق إليك كما يشتاق الغريب إلى بيت يعرف أن بابه سيظل مفتوحا له.

ولعلك لا تعرفين أن بعض الأمكنة تصبح أكثر جمالا حين نتخيل من نحبهم فيها. وأن الحارات التي نعبرها وحدنا يمكن أن تتحول في الذاكرة إلى مواعيد مؤجلة، وأن المقهى الذي نجلس فيه مع الأصدقاء قد يحتفظ في زاوية منه بمقعد نتمنى لو أنك تجلسين عليه. لذلك، كلما عدت إلى اللويبدة، شعرت أن ثمة حكاية ناقصة، وأن حضورك هو ما ينقصها لتكتمل. لا أريد من الحب أن يكون وعدا كبيرا بقدر ما أريده تلك التفاصيل التي تجعل الحياة أكثر احتمالا وجمالا، صوتك في المساء، رسالة منك، ضحكة تفاجئني، ولقاء لا نحتاج بعده إلى تفسير شيء.

ربما لهذا أشعر براحة غريبة في جبل اللويبدة. لا أعرف إن كان ذلك بسبب شوارعه، أم مقاهيه، أم ناسه، أم تلك التفاصيل التي تتسلل إلى القلب دون استئذان. وربما لأنني أجد فيه شيئا من نفسي، شيئا من القدس التي أحبها، ومن حاراتها التي لا تزال تعيش في وجداني، ومن بيوتها التي علمتنا أن المكان ليس حجارة فقط، بل ذاكرة وكرامة وانتماء. في اللويبدة لا أشعر أنني غريب، ولا أحتاج إلى كثير من الوقت كي أتصالح مع المكان. أمشي في حواريه كأنني أعرفها منذ زمن، أجلس في مقاهيه كأن لي فيها موعدا قديما، وألتقي أصدقاء كأن المسافات لم تكن يوما فاصلا بيننا.

أعتقد أن بعض الأمكنة تختارنا بقدر ما نختارها، وأننا لا نحبها دائما لأسباب واضحة. قد نحبها لأنها تمنحنا شعورا بالألفة، أو لأنها تشبه مدينة في ذاكرتنا، أو لأنها تجمع حولنا أشخاصا نحبهم، أو لأنها تتيح لنا أن نكون على طبيعتنا، بلا تكلف ولا ادعاء. وجبل اللويبدة بالنسبة لي يجمع كل ذلك. إنه حي لا يكتفي بأن يكون جميلا، بل يمنحك رغبة في البقاء، ويترك فيك شغفا بالعودة.

ولعل أجمل ما في الحكاية أنني كلما غادرت جبل اللويبدة، تركت فيه شيئا مني، وحملت معي شيئا منه. أترك في مقاهيه بعض الأحاديث، وفي حواريه بعض الخطوات، وعلى طاولاته ضحكات ووجوها أحبها، وأحمل معي رائحة القهوة، ودفء اللقاء، وصورة حي يشبه القدس، ويشبهنا، ويشبهني.
فبعض الأمكنة لا تصبح جزءا من حياتنا لأننا زرناها كثيرا، بل لأننا وجدنا فيها ما افتقدناه طويلا. وجبل اللويبدة واحد من تلك الأمكنة التي لا أذهب إليها كي أستريح من الحياة، بل كي أستعيد شغفي بها.