
سيكتب التاريخ أن بقعةً صغيرةً من أرض فلسطين، تُسمّى غزة، عاشت ظلماً كبيراً وقهراً عظيماً، وتعرّضت لأبشع أنواع القتل والإبادة والنزوح والتجويع والتشريد والحصار. وسيكتب أيضاً أن العالم، بكل ما يدّعيه من إنسانية وحضارة وحقوق، وقف عاجزاً ومتواطئاً أمام هذه المأساة، وترك غزة تواجه مصيرها وحيدة، بل ألقاها في غِيَابَةِ الجُبِّ.
أُلقيت غزة في بئرٍ عميقة من الألم، في ظلامٍ لا يكاد يصل إليه صوت، ولا تمتدّ فيه يدٌ لإنقاذ من فيها. هناك حيث تختلط صرخات الأطفال بأنين الأمهات، وحيث يبحث الآباء عن أبنائهم بين الأنقاض، وحيث تحوّلت البيوت إلى ركام، والأحلام إلى ذكريات، والحياة اليومية إلى رحلة شاقة من الخوف والجوع والحرمان.
لم تكن مأساة غزة في حجم الدمار وحده، ولا في أعداد الضحايا والنازحين، بل في ذلك الشعور القاسي بأن العالم يراها تنزف، ويسمع صرخاتها، ويشاهد أطفالها يموتون جوعاً وخوفاً، ثم يمضي كأن شيئاً لم يكن.
كم هو موجع أن تصبح حياة البشر موضوعاً للبيانات السياسية، وأن تتحوّل دماء الأطفال إلى أرقام في نشرات الأخبار، وأن تتكرّر مشاهد الموت حتى يكاد العالم يعتادها!
أيُّ عالمٍ هذا الذي يتغنّى بحقوق الإنسان، ثم يصمت أمام آلام الإنسان ومعاناته في غزة؟ وأيُّ إنسانيةٍ هذه التي تُجزّأ، فتنتفض في مكان، وتغيب في مكان آخر؟
لقد كشفت غزة حقيقة هذا العالم، وعرّت شعاراته، وأظهرت أن الإنسانية التي يتحدث عنها كثيرون قد تسقط أمام المصالح والحسابات السياسية.
سيكتب التاريخ أن غزة لم تكن وحدها في مواجهة الموت والدمار فحسب، بل كانت وحدها أيضاً في مواجهة خذلان العالم، وأن الذين عجزوا عن إنقاذها لن يستطيعوا الهروب من الأسئلة التي ستطرحها الأجيال القادمة.
قد يطول ليل غزة، وقد تتراكم الأنقاض، وقد يرحل كثيرون دون أن يروا صباحاً جديداً، لكن غزة لن تكون مجرد حكاية عن بقعةٍ من أرض فلسطين أنهكها القتل والدمار، بل ستبقى شاهداً على زمنٍ سقطت فيه أقنعة كثيرة، وانكشفت فيه حقيقة الضمير الإنساني.
ألقوا غزة في غِيَابَةِ الجُبِّ، لكنهم لن يستطيعوا إلقاء مأساتها في غَيَاهِبِ النسيان.