
وطن للأنباء: لم تكن المسافة بين فلسطين وأوروبا يوماً كافية لانتزاع يوسف حبش من وطنه، ولا استطاع الغياب أن يطفئ ذلك الخيط الذي ظل يشدّه إلى أرضه وناسها وقضيتها. في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أغمض حبش عينيه بعيداً عن رام الله، تاركاً خلفه سيرة إنسان جعل من انتمائه فعلاً يومياً، ومن حياته مساحة للدفاع عن فلسطين وحقوق شعبها.
ولعل مقولة غسان كنفاني: "الإنسان في نهاية الأمر قضية"، تختصر جانباً من حكاية يوسف حبش؛ ذلك الذي لم تكن فلسطين بالنسبة إليه مجرد مكان ينتمي إليه، بل قضية حملها في غربته، وجعل من مواقفه وعلاقاته ونضاله امتداداً لها. فبقي حاضراً حيثما كان، مدافعاً عن شعبه، ومؤمناً بأن الانتماء الحقيقي يُقاس بما يقدمه الإنسان لقضيته، لا بالمسافة التي تفصله عن أرضه.

من رام الله، بدأت الحكاية؛ هناك تشكّلت ملامح يوسف خضر حبش، وتفتحت خطواته الأولى في العمل الوطني والمجتمعي والكشفي، بين سرية رام الله الأولى والنادي الأرثوذكسي وأطر العمل الطلابي. لم تكن تلك المحطات مجرد أنشطة عابرة في شبابه، بل ملامح مبكرة لشخصية آمنت بأن الانتماء لا يُقال بالكلمات وحدها، بل يُترجم بالمشاركة والعطاء والالتزام تجاه الناس والوطن.
لكن الطريق لم يكن معبّداً؛ فالاعتقال والإبعاد عن فلسطين شكّلا منعطفاً قاسياً في حياته، وانتزعا منه حق البقاء بين أهله وناسه. ومع ذلك، لم يغادر الوطن ذاكرته، ولم تتحول المسافات إلى قطيعة مع قضيته. عاش في عالم ليس لنا، بعيداً عن الأرض التي أحبها والناس الذين تشكّل بينهم وعيه الأول، لكنه لم يسمح للغربة أن تتحول إلى انفصال عن وطنه. حمل فلسطين معه إلى أوروبا، وجعل من غربته امتداداً لنضاله، ومن علاقاته مع الأحزاب اليسارية والتقدمية والحركات الشعبية جسوراً تصل حكاية شعبه بالعالم.
وفي رحلته النقابية، لم يكن يوسف حبش مجرد ممثل لنقابة الصحفيين الفلسطينيين في أوروبا، بل جعل من موقعه مساحة لإيصال صوت الصحفيين الذين يواجهون الموت والملاحقة والاستهداف وهم يؤدون رسالتهم. سعى إلى حشد التضامن الدولي، وطرق أبواب المؤسسات والنقابات الأوروبية، مدافعاً عن حق الصحفي الفلسطيني في الحياة والعمل ونقل الحقيقة، ولا سيما خلال حرب غزة.
ولم تتوقف خطواته عند حدود العمل الصحفي؛ ففي المنتدى الاجتماعي العالمي، حيث شغل عضوية لجنته الدولية وتولى تنسيق المشاركة الفلسطينية، عمل على تثبيت حضور فلسطين في فضاءات الحركات الاجتماعية والمدنية العالمية. آمن بأن قضايا الشعوب لا تنفصل، وأن مواجهة الاستعمار والقهر والاستغلال تقتضي تضامناً يتجاوز الحدود، وإرادة تلتقي عند قيم الحرية والكرامة والعدالة.
كان يوسف حبش يرى في فلسطين أكثر من قضية سياسية؛ كانت حاضرة في علاقاته ومواقفه وانحيازه للإنسان، وفي إيمانه بأن التحرر الوطني لا يكتمل من دون عدالة اجتماعية وحقوق وحريات. جمع بين صلابة الموقف ونبل العلاقة، وبين العمل النقابي والالتزام الإنساني، وظل وفياً لقناعة رافقته طوال حياته: أن الدفاع عن كرامة الإنسان لا يعرف الحدود، وأن الغربة لا تعفي صاحب القضية من مسؤوليته تجاهها.
ولعل كلمات الراحل جورج حبش: "الثوريون لا يموتون أبداً"، تختصر ما يتجاوز لحظة الرحيل في سيرة يوسف حبش؛ فالأجساد ترحل، لكن الأفكار والمواقف التي عاش أصحابها من أجلها تظل حاضرة، تتناقلها الأجيال وتستعيدها الذاكرة كلما تجددت المعركة من أجل الحرية والكرامة.
واليوم، يعود يوسف حبش إلى رام الله، لا كما غادرها ذات يوم، بل محمولاً على أكتاف محبيه وأصدقائه ورفاق دربه، في وداع أخير لرجل طالما حمل وطنه في قلبه، وعمل كي لا يغيب صوته عن العالم. يعود إلى الأرض التي شهدت بداياته، فيما تبقى حكايته ممتدة في ذاكرة من عرفوه ورافقوه؛ فثمة أناس يرحلون، لكن ما زرعوه من مواقف ووفاء لا يرحل معهم.
وقالت والدة الراحل يوسف حبش، لوطن للأنباء، إن نجلها كان إنساناً معطاءً طوال حياته، وكرّس حياته للناس وخدمتهم، مشيرة إلى أنه لم يكن يشبه أحداً في عطائه وتضحياته، وأضافت: "يوسف فش زيه بالعالم، ضحّى كل حياته للعالم وللناس".
وبدورها، قالت تمارا حبش، شقيقة الراحل يوسف حبش، لوطن للأنباء، إن العائلة لم تفقد إنساناً عزيزاً فحسب، بل فقدت شخصاً اتسم منذ طفولته بالعطاء والمحبة، وكان لا يزعج أحداً ولا يحمل مواقف سلبية تجاه الآخرين، ودائماً ما يلتمس الأعذار للناس.
وأضافت أن يوسف حمل القضية الفلسطينية منذ الصف الخامس، وظل يتحدث عنها في كل موقع يتواجد فيه، حتى داخل العائلة، حيث كان يحرص على توعية الأطفال الصغار وتعريفهم بقضيتهم الوطنية.
من جانبه، قال إبراهيم حبش، شقيق الراحل، لوطن للأنباء، إن العائلة تعزّي نفسها وتعزّي فلسطين برحيل يوسف، الذي لم يكن إنساناً عادياً، بل شخصية وطنية شاملة جمعت بين العمل الكشفي والرياضي والمجتمعي والصحفي، وكان يعيش من أجل قضيته.
وأشار إلى أن يوسف ترك جزءاً كبيراً من حياته لفلسطين، مؤكداً أن حجم المشاركة الشعبية في وداعه عكس مقدار المحبة التي حظي بها والأثر الذي تركه في نفوس الناس.
وقال ناصر أبو بكر، نقيب الصحفيين، لوطن للأنباء، إن يوسف يشكل شهيداً وفقيداً للأسرة الصحفية الفلسطينية في الوطن والشتات، وإن رحيله يمثل خسارة كبيرة لفلسطين، نظراً لما كرّسه من حياته وجهوده من أجل قضيتها.
وأضاف أن نقابة الصحفيين فقدت أحد أعمدتها وقياداتها البارزة، الذين عملوا ليل نهار من أجل إعلاء شأن الصحفيين الفلسطينيين وتعزيز مكانتهم.
بدوره، استذكر خالد عليان، المدير التنفيذي لسرية رام الله الأولى، لوطن للأنباء، الراحل بوصفه أخاً وصديقاً ورفيق درب، مؤكداً أن الكلمات تعجز عن وصفه، فقد كان عضواً فاعلاً وناشطاً في المجالين الكشفي والرياضي، إلى جانب حضوره الوطني والصحفي والإعلامي.
وأشار إلى أن يوسف قدم الكثير لفلسطين ولسرية رام الله الأولى، تاركاً أثراً كبيراً في مسيرتهما.
وقالت د. ليلى غنام، محافظ رام الله والبيرة، لوطن للأنباء، إن مدينة رام الله عاشت يوماً حزيناً في وداع يوسف، الذي شهدت جنازته حضوراً مهيباً عكس مكانته ومحبة الناس له، واصفة إياه بابن رام الله البار، بل ابن فلسطين الذي حمل قضيته إلى العالم.
وأضافت أن يوسف ظل متمسكاً بهويته الوطنية والكوفية الفلسطينية التي أوصى بأن ترافقه حتى مثواه الأخير، ليبقى في حضن فلسطين كما أراد.
من جهته، قال جاك سعادة، رئيس بلدية رام الله، لوطن للأنباء، إن يوسف كان شخصية مميزة، وكانت فلسطين حاضرة في قلبه وروحه، مشيراً إلى إسهاماته الكبيرة في الحياة الاجتماعية والكشفية داخل سرية رام الله الأولى، حيث بدأ مسيرته شبلاً، وأصبح قائداً وعضواً في مجلس إدارة السرية، وأسهم في تعليم أجيال كثيرة.
وأضاف أن يوسف كان لاعب كرة سلة متميزاً، مؤكداً أن وطنيته كانت سمة أساسية في شخصيته ومسيرته.
واستذكر معتز بسيسو، صديق الراحل يوسف حبش، لوطن للأنباء، محطات من علاقته بالراحل منذ سنوات وجودهما معاً في سرية رام الله الأولى وفريق كرة السلة، مشيراً إلى أن يوسف كان من الشخصيات المميزة التي تمتلك حساً إنسانياً مرهفاً واهتماماً كبيراً بالتفاصيل.
وأضاف أن يوسف كان دائم السفر والتنقل، لكنه لم يكن يفارق هويته الفلسطينية، إذ ظلت الكوفية حاضرة على كتفيه أينما ذهب، حاملاً قضية فلسطين والصحفيين الفلسطينيين إلى المحافل الدولية.
بدورها، قالت شروق الأسعد، صديقة الراحل يوسف حبش وصحفية، لوطن للأنباء، إنها ستفتقده إنساناً وصديقاً طيباً وابن بلد أصيلاً، مشيرة إلى أنه امتلك قدرة لافتة على جمع الناس والتواصل مع مختلف الأفكار والاتجاهات، ولم يكن متشدداً أو منغلقاً تجاه الآخرين، بل كان منفتحاً على الحوار مع الجميع، ومتعدد الاهتمامات والأفكار، مع احتفاظه بوضوح بوصلته تجاه القضايا التي آمن بها.
من جانبه، وصف نخلة حصري، صديق الراحل يوسف حبش، لوطن للأنباء، الراحل بالإنسان النقي والوطني والمحترم، الذي اتسم بالعفوية والرقي والتواضع وحب المساعدة والتفاهم، وكان محباً للهدوء والابتعاد عن المشكلات. وأضاف أن يوسف كان محبوباً في محيطه العائلي والاجتماعي والرياضي، ويحظى بمحبة واسعة لدى مختلف الفئات العمرية، من الصغار إلى الكبار، وبين رواد النادي وأصدقائه.