يوسف أبو طاعة يكتب لوطن: درب زبيدة.. اكتشاف العمران في طريق الإيمان

30/10/2026

من تجربة المسير
للعام الرابع على التوالي، أتيحت لي فرصة المشاركة في مسيرة درب زبيدة، في دورتها العاشرة، بدعوة كريمة من جمعية دروب القوافل، برئاسة الرحّالة اللواء الدكتور عبدالعزيز العبيداء.
كانت المحطة هذا العام في منطقة حائل، ضمن محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، بمشاركة نحو 240 رحّالًا من 17 دولة، جمعتهم الرغبة في اكتشاف الطريق، واستعادة ذاكرته، والتعرّف إلى ما تختزنه أرضه من شواهد التاريخ وسحر المكان.
لم تكن المسيرة مجرد عبور لمسافة في الصحراء، ولا مجرد تسلّق قمة هنا أو هناك، بل كانت فرصة للتأمل في أحد أهم طرق الحج في التاريخ الإسلامي؛ طريقٍ لم يكن يؤدي إلى مكة المكرمة فحسب، بل نشأت على امتداده محطات ومنشآت مائية ومرافق ومنشآت عديدة لخدمة الحجيج، في صورة تكشف كيف يمكن للإيمان أن يتحوّل إلى عمل، وللحاجة إلى معرفة، وللطريق إلى مشروع عمراني ممتد ومتواصل.
وكان للجانب الإنساني حضوره الخاص؛ فقد أتاحت لنا المسيرة أن نلتقي بأشخاص قدموا من بلدان وثقافات مختلفة، وأن تنشأ بيننا علاقات تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة. ولعل هذه إحدى حكايات الدروب القديمة التي ما زالت حيّة: إنها لا تقرّب المسافات بين الأماكن وحدها، بل تؤلّف القلوب أيضًا.
امتد مسيرنا هذا العام على أربع مراحل، بمتوسط 22 كيلومترًا يوميًا. بدأنا من جبل الأدعب باتجاه شماط كبيد، ثم واصلنا في اليوم الثاني إلى زرد، ومنها في اليوم الثالث إلى المهينية، قبل أن نبلغ مدينة الأجفر في اليوم الرابع، في ساعات ما بعد الظهر.
هناك، استقبلنا أهل الأجفر بكرم وحفاوة، وهو ما يعكس طيبة الأهالي وكرمهم. وكان الغداء الشعبي خاتمة تليق بأيام المسير، تتقدّمه أكلة المرقوق الشعبية اللذيذة، بما تحمله من نكهة المكان وذاكرته، إلى جانب الجريش المعدّ بالقمح واللحم. وللمرقوق حكاية تستحق أن نعود إليها في حديث آخر.
دروب الحج: حين يصبح الطريق جزءًا من العبادة
لم تكن دروب الحج في التاريخ الإسلامي مسالك عابرة في الصحراء، بل منظومات من الطرق والمحطات والآبار والبرك ومرافق الاستراحة، تشكّلت استجابة لحاجة الحجيج إلى الماء والأمان والراحة، وأسهمت في تنظيم الرحلة إلى الأماكن المقدسة.
كانت القوافل تنطلق من مناطق بعيدة، وتعبر الصحارى والوديان والجبال، حاملةً معها الحجاج والتجار وأخبار البلدان وتجارب الناس. وعلى امتداد هذه المسارات، لم تكن الأرض مجرد مساحة ينبغي اجتيازها، بل بيئة تتطلب فهمًا دقيقًا لمواردها، ومعرفة بمياهها وتضاريسها، وقدرة على تهيئة أسباب البقاء فيها.
من هنا، يمكن قراءة دروب الحج بوصفها شاهدًا على التقاء الروحي بالمادي؛ فالإيمان هو الذي منح الرحلة غايتها، لكن تحقيق هذه الغاية استدعى تخطيطًا وعملًا وخبرة هندسية وتنظيمًا اجتماعيًا. وهكذا أصبح الطريق نفسه جزءًا من التجربة الدينية والحضارية.
درب زبيدة: من المبادرة إلى العمران
يحتل درب زبيدة مكانة بارزة بين طرق الحج التاريخية. وينسب اسمه إلى زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي ارتبط اسمها بأعمال مهمة لخدمة الحجيج، ولا سيما المنشآت المائية وتيسير الوصول إلى مكة.
وتكشف الروايات التاريخية عن دور الرعاية السياسية والموارد المالية والأوقاف في إقامة المنشآت اللازمة لخدمة المسافرين. ولم تقتصر أهمية هذه الأعمال على تلبية حاجة عابرة، بل تمثّلت في إنشاء مرافق يمكن أن ينتفع بها الحجيج على امتداد أجيال.
ولعل جوهر تجربة درب زبيدة يكمن هنا: في الانتقال من الرغبة في خدمة الحجاج إلى إنشاء بنية مادية تستجيب لحاجاتهم. فالبرك والآبار ومحطات الاستراحة لم تكن تفاصيل هامشية في الطريق، بل كانت عناصر أساسية في استمراره وفاعليته.
إنها صورة من صور العمران الذي يتجاوز المبنى المنفرد إلى منظومة متكاملة؛ إذ لا تكفي الطريق وحدها لبلوغ الغاية، ما لم تتوافر على امتدادها المياه ومواضع التوقف وشروط الحركة الآمنة.
الجغرافيا التي صنعت الطريق
يمتد درب زبيدة من الكوفة في العراق باتجاه مكة المكرمة، عبر مسار طويل يعبر أجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية. وتُقدّر الدراسات طول الطريق بنحو 1400 كيلومتر، مع اختلاف التقديرات بحسب تحديد المسار والمحطات التي تدخل في حسابه.
وتبرز منطقة حائل بوصفها إحدى المناطق المهمة على امتداد هذا الدرب، بما تضمه من محطات ومواقع أثرية ارتبطت بحركة الحجيج، ومن بينها فيد والأجفر والسميراء وغيرها من المواقع التي تكشف عن تنوّع المنشآت والوظائف التي احتاج إليها الطريق.
ولم تكن المحطات مجرد نقاط للتوقف ثم المغادرة؛ فقد ارتبط بعضها بوظائف اقتصادية واجتماعية، وأسهمت مواقعها في تنظيم الحركة عبر مسافات شاسعة. وبذلك غدا الطريق عاملًا في تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان، وفي ربط مناطق متباعدة ضمن شبكة من الحركة والتبادل.
الماء: العمود الفقري للعمران الصحراوي
إذا كان لا بد من اختيار عنصر يكشف بوضوح عن طبيعة التحدي الذي واجهه القائمون على درب زبيدة، فسيكون الماء.
في بيئة شحيحة الأمطار، لا يمكن ضمان استمرار الرحلة من دون معرفة بمصادر المياه، وقدرة على جمعها وتخزينها وحمايتها. ولهذا تحتل البرك والآبار والمنشآت المائية مكانة مركزية بين الشواهد الأثرية المرتبطة بالدرب.
وتدل هذه المنشآت، باختلاف أشكالها وأحجامها وتقنيات بنائها، على خبرات تراكمت في التعامل مع البيئة الصحراوية. فهي ليست مجرد بقايا حجرية، بل آثار لحلول عملية ابتكرها الإنسان كي يجعل عبور هذه المسافات الطويلة ممكنًا.
كما تكشف المحطات التي بقيت فيها آثار المساكن والمرافق عن أن الطريق لم يكن خطًا معزولًا عن الحياة، بل فضاءً عمرانيًا نشأت فيه أنشطة متعددة، تداخلت فيها خدمة الحجيج مع احتياجات الاستقرار والتبادل.
ومن هنا، فإن قراءة درب زبيدة أثريًا لا تقتصر على تتبّع مساره، بل تشمل فهم العلاقة بين المنشآت والموارد الطبيعية، وبين تصميم المحطات ووظائفها، وبين الطريق والبيئة التي يعبرها.
الطريق في ذاكرة الرحّالة والجغرافيين
احتلت طرق الحج مكانة في مؤلفات الجغرافيين والرحّالة المسلمين، الذين اهتموا بوصف المسافات والمنازل ومصادر المياه وأحوال الطريق. وتكتسب هذه الكتابات أهميتها من أنها تساعدنا على فهم الطريق في سياقه التاريخي، لا باعتباره آثارًا صامتة فحسب، بل مسارًا كان الناس يستخدمونه ويصفونه ويتناقلون المعرفة به.
وتتفاوت طبيعة المعلومات التي تقدمها المصادر؛ فبعضها يصف المواضع والمسافات، وبعضها يهتم بالمياه والمنازل، وبعضها يضيء على أحوال المسافرين والظروف التي واجهوها. وعند جمع هذه الشهادات ومقارنتها بالآثار الباقية، تتكوّن صورة أكثر غنى عن وظائف الدرب وتحوّلاته عبر الزمن.
وتبقى المقارنة بين النصوص التاريخية والشواهد الميدانية ضرورية؛ فالمصدر المكتوب يقدّم رواية عن المكان في زمن محدد، بينما يتيح الأثر قراءة جوانب من بنائه واستخدامه وتطوّره. ومن التقاء الاثنين يمكن الاقتراب من فهم أكثر دقة لحكاية الطريق.
درب زبيدة ودرب سانتياغو: مساران وذاكرة إنسانية مشتركة
لا تنفرد الحضارة الإسلامية بتجربة ربط الإيمان بالطريق والعمران. ففي أوروبا، يشكّل درب سانتياغو، أو طريق القديس يعقوب، أحد أشهر مسارات الحج المسيحي، حيث يقصد الحجاج مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا في شمال غرب إسبانيا.
وعلى امتداد قرون، ارتبط هذا المسار بشبكة من الطرق والجسور والنُزل والمستشفيات والبلدات التي نشأت أو ازدهرت في سياق حركة الحجاج. وكما هو الحال في درب زبيدة، لم يكن الطريق مجرد وسيلة للوصول إلى مقصد ديني، بل ساهم في تشكيل علاقات اجتماعية وثقافية، وفي انتقال المعرفة والخبرات بين المناطق التي يمر بها.
ومع اختلاف السياقات التاريخية والجغرافية والدينية، تتيح المقارنة بين الدربين النظر إلى ظاهرة أوسع: كيف يمكن لمسارات الحج أن تؤثر في العمران، وأن تخلق بنية لخدمة المسافرين، وأن تترك آثارًا تتجاوز وظيفتها الأصلية.
فدرب زبيدة ودرب سانتياغو ليسا تجربتين متطابقتين، ولا ينبغي إغفال خصوصية كل منهما، لكنهما يقدّمان مجالًا مهمًا للتأمل في العلاقة بين المعتقد والحركة البشرية، وبين الطريق والمدينة، وبين الرحلة الفردية والذاكرة الجماعية.
ولعل القيمة الأعمق لهذه المقارنة أنها تتيح لنا رؤية ما يجمع التجارب الإنسانية من دون أن تلغي ما يميز كل تجربة عن الأخرى.
تعدّد الدروب ووحدة الغاية
لم يكن درب زبيدة الطريق الوحيد الذي سلكه الحجاج المسلمون. فقد عرفت المنطقة طرقًا أخرى، من بينها الدرب الشامي والطريق المصري والطريق اليمني، فضلًا عن المسارات البحرية التي نقلت الحجاج عبر الموانئ إلى الحجاز.
وقد اختلفت هذه الطرق في تضاريسها ومناخها ومنشآتها ووسائل تنظيمها، لكنها اشتركت في الحاجة إلى توفير أسباب الرحلة، من الماء والاستراحة إلى تنظيم الحركة وتأمين الوصول.
وهكذا، تكوّنت عبر الزمن شبكة واسعة من المسارات التي ربطت أقاليم بعيدة بمكة المكرمة. ولم تكن هذه الشبكة دينية الوظيفة فحسب، بل أتاحت أيضًا حركة الناس والبضائع والأخبار والمعارف، وأسهمت في توسيع دوائر الاتصال بين المجتمعات.
خاتمة: حين يترك الإيمان أثرًا في المكان
بعد أربعة أيام من المسير، لا تبدو المسافة التي قطعناها مجرد أرقام تُقاس بالكيلومترات، ولا تبدو المواقع التي مررنا بها أسماءً على خريطة. فكل محطة تفتح سؤالًا عن الذين مرّوا من هنا، وعن الجهد الذي بذلوه، وعن المعرفة التي احتاجوا إليها كي يجعلوا الطريق قابلًا للحياة.
في درب زبيدة، نقرأ في المنشآت المائية حكاية البحث عن الماء، وفي المحطات حكاية التنظيم والاستقرار، وفي امتداد الطريق حكاية السعي إلى غاية آمن بها الناس، فأنشؤوا من أجلها ما يتجاوز قدرتهم على العبور الفردي.
إن اكتشاف العمران في طريق الإيمان هو، في جوهره، اكتشاف للإنسان نفسه؛ لمقدرته على تحويل الفكرة إلى عمل، والحاجة إلى معرفة، والرحلة إلى أثر يبقى بعد انقضاء المسافرين.
ومن الكوفة إلى مكة، ومن طرق الحج الإسلامية إلى درب سانتياغو، تتعدد الوجهات وتختلف المعتقدات والسياقات، لكن الطرق تظل شواهد على قدرة الإنسان على أن يمنح رحلته معنى، وأن يترك في المكان أثرًا يواصل رواية حكايته بعد أن يغادره.
ذلك ما يجعل درب زبيدة أكثر من طريق تاريخي؛ إنه ذاكرة للعمران، وشاهد على أن الإيمان، حين يقترن بالعمل والمعرفة، يمكن أن يصبح جزءًا من تاريخ المكان وحياة الناس.

يوسف أبو طاعة: باحث أثري ورحّال فلسطيني