
في بلدة دورا، جنوب غرب الخليل، لم يكن النصب التذكاري الذي هدمته قوات الاحتلال يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026 مجرد صورة على جدار، بل كان يحمل اسم الشهيد باجس أبو عطوان، الذي ارتبطت سيرته بمرحلة من مراحل الكفاح الفلسطيني في جبال الخليل.
ارتبط اسم باجس أبو عطوان بالعمل الفدائي في أواخر ستينيات القرن الماضي ومطلع سبعينياته، وظل حاضراً في الذاكرة الفلسطينية بوصفه أحد الذين واجهوا الاحتلال في مرحلة مبكرة من مقاومته. واستشهد في 18 يونيو/حزيران 1974، بعد رحلة من المطاردة والمواجهة.
وبعد أكثر من نصف قرن على استشهاده، تعود قوات الاحتلال إلى صورته وتهدم النصب التذكاري المخصص له. فما الذي يريده الاحتلال من صورة رجلٍ رحل منذ عقود؟ هل لأن أصحاب هذه الصور أوجعوا الاحتلال يوماً، أم لأن بقاء أسمائهم على جدران فلسطين يحفظ حكايةً لا يريد لها أن تبقى حاضرة في الوعي الفلسطيني؟
إن استهداف الجداريات والمعالم الوطنية يتجاوز هدم الإسمنت والحجارة؛ إنه يفتح سؤالاً عن الذاكرة والهوية، وعن محاولات اقتلاع الحكاية من المكان. فهل تستطيع الجرافات أن تمحو ذاكرة شعبٍ يحمل حكاياته من جيل إلى جيل؟
لم يكن أبو عطوان وحده حاضراً في مشهد استهداف الجداريات. ففي يونيو/حزيران 2026، طالت عمليات الهدم جداريات في قرية الطبقة قرب دورا، حملت صور شادي أبو غزالة وباسل الأعرج وناجي العلي وغسان كنفاني.
إن إزالة هذه الجداريات لا تعني نهاية الحكاية؛ فقد تدفع الناس إلى البحث عن أصحابها، والتعرّف إلى سيرهم، واستعادة ما تركوه من أثر. فالصورة قد تُهدم، لكن الاسم يبقى ما دامت هناك ذاكرة تحفظه وأقلام تكتب عنه.
والمفارقة أن هدم صورة قديمة يعيد صاحبها إلى واجهة الحديث، ويطرح أسئلة جديدة عن تاريخه ودوره وما يمثله في الوجدان الفلسطيني. وهكذا يتحول الجدار الذي أراد الاحتلال إزالة أثره إلى مناسبة لاستعادة الحكاية التي يحاول طمسها.
أمام ما يجري في الضفة الغربية، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين أصحاب التنسيق الأمني المقدّس مما يحدث؟ وأين هم حين تُهدم البيوت، وتُجرف الأراضي الزراعية، وتُقتلع أشجار الزيتون، وتُزال المعالم التي تحمل أسماء الشهداء؟
فهل أصبح التنسيق الأمني المقدّس لحماية المواطن من الاحتلال، أم لحماية الاحتلال من المواطن؟ وهل تتمثل مهمته في اعتقال الأسرى المحررين والتشهير بحرائر شعبنا؟
ماذا قدّمت الاتفاقيات التي قُدّمت للفلسطينيين بوصفها طريقاً إلى الأمن والاستقرار، بينما تستمر الاعتداءات على الأرض والإنسان؟ وأين نتائج الوعود التي سمعها الناس على مدى سنوات، فيما تتواصل عمليات الهدم والتجريف والمصادرة؟
لا يكفي أن يُقال للفلسطينيين إن الاتفاقيات ضرورة سياسية، أو إن التنسيق الأمني تفرضه الظروف. فمن حق الناس أن يسألوا عن النتائج، وأن يحاسبوا أصحاب القرار على ما تحقق وما لم يتحقق، وأن يعرفوا كيف ستُحمى أرضهم وبيوتهم وحقوقهم.
ما قيمة الاتفاقيات إذا بقي الفلسطيني وحده في مواجهة الجرافة؟ وما معنى الأمن إذا كان المواطن يخشى على بيته وأرضه، ولا يجد ما يردع الاعتداء عنهما؟
إن المساءلة ليست ترفاً سياسياً، بل حقٌّ للمواطن الذي يرى أرضه تُجرف، وشجرة زيتونه تُقتلع، وبيته مهدداً بالهدم. ومن حقه أن يسمع إجابات واضحة تتجاوز التبريرات الجاهزة، وأن يعرف ما الذي تفعله الجهات المسؤولة لحماية الناس وممتلكاتهم وحقوقهم.
فالقضية لا تتعلق بجدارية وحدها، ولا بنصب تذكاري أُزيل من مكانه؛ إنها تتصل بأرض تتعرض للاعتداء، وبيوت مهددة، وذاكرة وطنية يجري استهداف رموزها. وبين هذه الوقائع والأسئلة السياسية، تبقى مسؤولية أصحاب القرار قائمة، ولا يجوز أن تحل الشعارات محل الإجابات.
إن هدم جدارية باجس أبو عطوان يضع مسؤولية أمام المؤسسات الثقافية والإعلامية والبلديات والكتّاب والباحثين؛ توثيق هذه المعالم، وحفظ صورها وتاريخها، ونقل حكايات أصحابها إلى الأجيال القادمة قبل أن تطالها الجرافات.
كما يضع مسؤولية سياسية أمام أصحاب القرار، الذين عليهم أن يجيبوا عن أسئلة الناس بشأن الاتفاقيات والتنسيق الأمني، وأن يوضحوا ما تحقق من وعود الحماية والاستقرار، وما الخطوات المطلوبة لمواجهة الاعتداءات المتواصلة.
لقد رحل باجس أبو عطوان منذ عقود، لكن هدم جداريته أعاد اسمه إلى الواجهة، وأعاد معه السؤال عن الأرض والذاكرة والاتفاقيات.
ماذا قدّمت اتفاقياتكم للأرض التي تتآكل، وللبيت الذي يُهدم، وللشجرة التي تُقتلع، وللذاكرة التي تُترك وحيدةً في مواجهة الجرافة؟
قد تهدم الجرافة جداراً في دورا، لكنها لا تستطيع أن تمحو حكايةً ما زال الناس يروونها. فالمعركة على الذاكرة لا تُحسم بإزالة صورة، بل بما يبقى من الحقيقة في وجدان الأجيال.