
ثمة مشاهد لا تحتاج إلى كثير من الشرح كي توقظ في النفس وجعا عميقا، وثمة مفارقات لا تحتاج إلى تعليق سياسي مطول كي تكشف حجم المأساة. يكفي أحيانا أن نراقب صورة فلسطيني يقف أمام صندوق الاقتراع، يدلي بصوته ويختار ممثليه، ثم نلتفت إلى فلسطيني آخر، لا تفصله عنه الهوية الوطنية ولا الذاكرة ولا الانتماء، لكنه لا يملك فرصة مماثلة لاختيار من يفترض أنهم يمثلونه ويحكمونه.
ذلك هو المشهد الذي يستحق أن نتوقف عنده ونحن نتابع مشاركة المواطنين العرب الفلسطينيين في انتخابات الكنيست، ونرى صور المقترعين، ونسب التصويت، والتنافس على المقاعد، وحسابات الأحزاب والقوائم، فيما يقف الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة أمام واقع سياسي مختلف، حرم فيه من انتخابات وطنية عامة تجدد شرعية مؤسساته وقيادته، وتمنحه حق محاسبة من يتحدثون باسمه ويتخذون القرارات نيابة عنه.
إنها حسرة لا تتعلق بصندوق اقتراع في ذاته، ولا برغبة في تقليد تجربة سياسية أخرى، وإنما بما يكشفه المشهد من تفاوت موجع في القدرة على ممارسة حق أساسي من حقوق الإنسان، وهو أن يختار المواطن ممثليه، وأن تكون له كلمة في تحديد من يتولى إدارة شؤونه، وأن يعرف أن صوته قادر على إحداث تغيير حقيقي، لا أن يبقى مجرد شعار تتغنى به القوى السياسية حين تحتاج إلى الحديث عن إرادة الشعب.
في الداخل الفلسطيني، يتوجه المواطنون العرب إلى صناديق الاقتراع الإسرائيلية، حاملين معهم أسئلة الحياة اليومية، ومطالب المساواة، وهموم التمييز، وقضايا الأرض والمسكن والتعليم والجريمة المنظمة، فضلا عن أسئلة الهوية والتمثيل السياسي. إنهم يصوتون في دولة الاحتلال، حيث يواجه الفلسطينيون أشكالا متعددة من التمييز القومي والسياسات الإقصائية، ويخوضون معركة معقدة من أجل انتزاع حقوقهم وتحسين شروط حياتهم ومواجهة نزعات اليمين المتطرف.
ولا يعني ذلك أن مشاركتهم الانتخابية تضعهم على قدم المساواة مع الأغلبية اليهودية، أو أن أصواتهم تتحول تلقائيا إلى قوة قادرة على تغيير سياسات دولة الاحتلال. فصندوق الاقتراع، على أهميته، لا يلغي اختلال موازين القوة، ولا يمحو التمييز، ولا يضمن أن تصبح الإرادة الانتخابية العربية جزءا مؤثرا في صناعة القرار الإسرائيلي. ومع ذلك، فإنهم يمارسون حقهم في التصويت، ويخوضون المنافسة، ويحاولون تحويل أصواتهم إلى تمثيل سياسي، في محاولة لانتزاع مساحة من التأثير داخل نظام لا يمنحهم المساواة الكاملة، ولا يتعامل معهم بوصفهم شركاء متساوين في تقرير مصير البلاد التي يعيشون فيها.
وفي المقابل، ماذا يرى الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة؟ يرى شعبا يتطلع إلى الحرية والاستقلال، وسلطة وطنية كان يفترض أن تكون مؤسساتها التشريعية والتنفيذية تعبيرا عن إرادته، لكنه يجد نفسه أمام سنوات طويلة من تعطيل الانتخابات العامة، وغياب المجلس التشريعي المنتخب، واستمرار أزمة الشرعية السياسية، وتعثر تجديد المؤسسات عبر صناديق الاقتراع. ويرى قيادة تتحدث باسمه، وتطالب العالم بالاعتراف بحقوقه الوطنية، لكنها لم تمنحه حتى الآن فرصة منتظمة ليقول كلمته فيمن يحكمه، أو ليحاسب من أخفق، أو ليختار بديلا لمن فقد ثقته به.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إيلاما. ليس لأن الفلسطيني في الداخل يستطيع التصويت، فذلك حقه الذي لا ينبغي أن ينتقص منه أحد، بل لأن الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة لا يستطيع ممارسة الحق نفسه في اختيار مؤسساته الوطنية، رغم أن هذه المؤسسات يفترض أن تستمد شرعيتها من إرادته. إنه ينظر إلى المشهد من بعيد، وربما يتساءل في قرارة نفسه .. كيف أصبح صندوق الاقتراع متاحا لفلسطيني في إطار النظام السياسي الإسرائيلي، بينما لا يزال صندوق الاقتراع الوطني غائبا عن حياة فلسطيني آخر؟ وكيف أصبح الفلسطيني قادرا على المشاركة في انتخابات برلمان دولة الاحتلال، فيما لا يستطيع أن يختار برلمانه الوطني، ولا يعرف متى سيتمكن من محاسبة قيادته عبر انتخابات حرة ونزيهة؟
من الخطأ أن نقرأ هذا المشهد باعتباره مقارنة بين فلسطينيين، أو أن نضع أحدهما في مواجهة الآخر، أو أن نحمل المواطنين العرب مسؤولية واقع لم يصنعوه. فالفلسطيني الذي يصوت للكنيست لا يتخلى بذلك عن هويته الوطنية، ولا تصبح مشاركته الانتخابية نقيضا لانتمائه الفلسطيني. إنه يمارس حقا سياسيا في واقع تفرض عليه ظروف المواطنة التي يحملها التعامل مع مؤسسات دولة الاحتلال التي يعيش فيها، ويحاول من خلال صوته الدفاع عن حقوقه ومصالح مجتمعه.
كما أن الفلسطيني الذي ينتظر الانتخابات الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة لا تقل وطنيته عن وطنية أخيه في الداخل، ولا يعني حرمانه من التصويت أنه أقل تمسكا بالديمقراطية أو أقل رغبة في المشاركة السياسية. لكن المفارقة تكمن في أن الشعب الواحد يعيش تجارب سياسية مختلفة، وأن بعض أبنائه يستطيعون ممارسة حق انتخابي في حين يظل آخرون محرومين من ممارسة حقهم في اختيار قيادتهم الوطنية. ولذلك، فإن الحسرة الحقيقية ليست في أن فلسطينيا يقترع هناك، بل في أن فلسطينيا آخر لا يستطيع أن يقترع هنا، وأن حقا يفترض أن يكون بديهيا في الحياة السياسية لشعب يناضل من أجل حريته ما زال معلقا على أبواب الحسابات الفصائلية وأزمات القيادة.
إنها حسرة على وطن لم يتمكن نظامه السياسي من توفير حياة ديمقراطية مستقرة لمواطنيه، وعلى مشروع وطني يفترض أن يكون عنوانا للحرية وتقرير المصير، بينما لا يزال المواطن ينتظر فرصة المشاركة في تحديد وجهته وقيادته. وهي حسرة على سنوات ضاعت من عمر القضية الفلسطينية، فيما بقيت المؤسسات الوطنية أسيرة التعطيل، وبقيت الانتخابات رهينة خلافات لم تنجح القوى السياسية في تجاوزها، وبقي المواطن يدفع ثمن صراعات لم يكن طرفا في صنعها، لكنه يتحمل نتائجها يوميا.
لا يمكن فهم غياب الانتخابات الفلسطينية بمعزل عن الاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض قيودا هائلة على الحياة السياسية والجغرافية الفلسطينية، ويجعل إجراء انتخابات شاملة في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة مسألة معقدة تتجاوز الإرادة الإدارية للجنة الانتخابات أو قرارا يصدر عن القيادة الفلسطينية. ولا يجوز تجاهل ما يفرضه الاحتلال من عقبات على حرية الحركة والتنظيم السياسي، ولا ما يثيره وضع القدس من إشكاليات تتعلق بمشاركة سكانها الفلسطينيين في العملية الانتخابية، ولا ما تفرضه الحرب والدمار والتهجير في قطاع غزة من ظروف استثنائية بالغة القسوة.
لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء مفتوح للقيادة الفلسطينية من المساءلة. فالاحتلال مسؤول عن احتلاله وسياساته وقيوده، أما النظام السياسي الفلسطيني فعليه أن يجيب عن أسئلة تتعلق بأدائه وشرعيته وعلاقته بالمواطنين، وعن الأسباب التي جعلت الانتخابات العامة تتعطل طوال هذه السنوات، وعن السبل الممكنة للخروج من حالة الجمود السياسي. ولا يمكن أن تبقى الإجابة عن كل سؤال داخلي هي الاحتلال، حتى وإن كان الاحتلال عاملا مركزيا في تكريس الأزمة وتعقيدها.
كما لا يمكن تجاهل مسؤولية الانقسام الفلسطيني، وتعطل الحياة الديمقراطية، واستمرار الانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وما أنتجه ذلك كله من إضعاف للمؤسسات الوطنية وتآكل ثقة قطاعات واسعة من المواطنين بالنظام السياسي. فبدلا من أن تكون الانتخابات مدخلا لتجديد الشرعية وإنهاء الانقسام وإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، تحولت إلى استحقاق مؤجل، تتقاذفه التبريرات والمخاوف والحسابات السياسية، فيما تستمر القيادات في مواقعها ويظل المواطن بعيدا عن حقه في الاختيار.
إن مواجهة الاحتلال لا تتعارض مع بناء نظام سياسي ديمقراطي، بل إن الحاجة إلى تجديد الشرعية الشعبية تصبح أكثر إلحاحا في ظل الاحتلال، لأن المشروع الوطني الذي يطالب الشعب بالتضحية والصمود لا يستطيع أن يطلب منه الانتظار إلى أجل غير معلوم كي يمارس حقه في اختيار ممثليه. فلا الاحتلال يمنح القيادة الفلسطينية شرعية أبدية، ولا الانقسام يمنحها حق تأجيل الديمقراطية بلا نهاية، ولا يمكن أن تتحول الظروف الاستثنائية إلى ذريعة دائمة لتعطيل حق الشعب في تقرير من يمثله.
تخيلوا شابا فلسطينيا في نابلس، يتابع مشاهد التصويت في مدينة عربية داخل دولة الاحتلال. يرى مواطنين فلسطينيين يدخلون مراكز الاقتراع، ويضعون أوراقهم في الصناديق، ويتابعون نتائج التصويت، ويناقشون فرص القوائم العربية في الوصول إلى الكنيست. وقد يكون هذا الشاب قد ولد بعد آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عامة أجريت عام 2006، ولم يعرف في حياته فرصة طبيعية لاختيار مجلسه التشريعي. وفي القدس، يعيش الفلسطينيون تحت واقع الاحتلال والقيود المفروضة على حياتهم، فيما لا تزال مشاركتهم في تقرير مستقبل مؤسساتهم الوطنية تصطدم بعقبات سياسية وقانونية وميدانية. أما في غزة، فقد مرت أجيال كاملة دون فرصة للمشاركة في انتخابات تشريعية فلسطينية عامة، قبل أن تأتي الحرب والدمار والتهجير لتجعل أبسط شروط الحياة الطبيعية بعيدة المنال.
فأي شعور يمكن أن يتركه هذا المشهد في نفس مواطن يتطلع إلى أن يكون جزءا من الحياة السياسية لشعبه؟ ربما يكون مزيجا من الحسرة والخذلان والأسئلة التي لا تجد إجابات مقنعة. كيف أصبح التصويت للبرلمان الإسرائيلي جزءا من الحياة السياسية الدورية للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، فيما بقي التصويت للبرلمان الفلسطيني، الذي يفترض أن يمثل الشعب في إطار مشروعه الوطني، رهينة الانقسام والتعطيل والأزمات؟ وكيف يمكن إقناع جيل فلسطيني بأهمية المشاركة السياسية، بينما لا يجد أمامه مسارا انتخابيا منتظما يستطيع من خلاله محاسبة من يحكمونه وتغييرهم بالوسائل الديمقراطية؟
إنها ليست أسئلة نظرية، بل أسئلة تمس علاقة المواطن بالسياسة، وبالمؤسسات، وبالمستقبل الذي يطلب منه أن يتمسك بالأمل فيه. وهي أسئلة لا يجوز التعامل معها بوصفها ترفا سياسيا أو مطالب ثانوية يمكن تأجيلها حتى إشعار آخر. فالمواطن الذي يواجه الاحتلال ويعاني آثاره في تفاصيل حياته اليومية ليس أقل استحقاقا للديمقراطية من غيره، بل إن حاجته إلى مؤسسات شرعية وقادرة على تمثيله والدفاع عن حقوقه تصبح أشد إلحاحا في ظل هذا الواقع.
ومع ذلك، ينبغي ألا نقع في وهم أن مجرد وجود الانتخابات يعني وجود ديمقراطية مكتملة. فالانتخابات الإسرائيلية تجري في إطار سياسي وقانوني يتيح للمواطنين العرب المشاركة، لكنه لا يلغي التمييز البنيوي الذي يعانونه، ولا يضمن المساواة في التأثير على القرار، ولا يبدد النزعات القومية المتطرفة التي تتسع داخل المجتمع والسياسة الإسرائيليين. كما أن الانتخابات الفلسطينية، لو أجريت، لن تكون غاية في ذاتها ما لم ترتبط بضمانات الحريات العامة، والتعددية السياسية، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، واحترام نتائج الاقتراع، وإمكانية تداول السلطة.
فالديمقراطية ليست طقسا انتخابيا يتكرر، ولا ورقة توضع في صندوق، ولا مقعدا يضاف إلى رصيد حزب. إنها منظومة حقوق ومؤسسات ومساءلة، تبدأ بحق المواطن في الاختيار، ولا تنتهي إلا بقدرته على محاسبة من اختارهم، وتغييرهم عندما يفقدون ثقة الناس. لكن غياب الانتخابات يسلب المواطن حتى هذه البداية، ويحرم المجتمع من آلية أساسية لتجديد الحياة السياسية وتصحيح مسارها، ويترك السلطة بلا تفويض شعبي متجدد، ويجعل المسافة بينها وبين الناس أكثر اتساعا مع مرور الوقت.
ولذلك، فإن المقارنة بين المشهدين لا تستهدف تجميل التجربة الإسرائيلية أو التقليل من واقع التمييز الذي يعيشه الفلسطينيون داخل دولة الاحتلال، وإنما تكشف عن مفارقة مؤلمة .. أن حقا سياسيا يمارسه فلسطينيون في إطار نظام يعانون داخله من التمييز، يظل فلسطينيون آخرون محرومين من ممارسته في إطار نظامهم السياسي الوطني. إنها مفارقة تضع التجربة الإسرائيلية أمام أسئلة الديمقراطية والمساواة، وتضع النظام السياسي الفلسطيني أمام أسئلة الشرعية والمساءلة، من دون أن يعفي أحدهما من مسؤولياته أو يجعل من أزمة أحدهما مبررا لأزمة الآخر.
ليست المشكلة في أن الفلسطينيين في الداخل يذهبون إلى صناديق الاقتراع، بل في أن الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ما زالوا ينتظرون. وليست المأساة في أن يمارس الإنسان حقه، بل في أن يصبح هذا الحق بالنسبة إلى غيره موضوعا مؤجلا، مرتبطا بتوافقات سياسية لا تنتهي، وحسابات فصائلية، ومخاوف من نتائج الانتخابات، وعقبات لا يبدو أن الإرادة السياسية الفلسطينية قد تمكنت من تجاوزها. إن الانتخابات ليست منة من قيادة على شعبها، وليست مكافأة تمنح للمواطن عندما تستقر الظروف. إنها حق سياسي أصيل، وإن كانت ممارسته في الحالة الفلسطينية تتطلب معالجة العقبات التي يفرضها الاحتلال والانقسام والواقع الجغرافي والسياسي.
وإذا كانت الظروف الاستثنائية تفرض حلولا استثنائية، فإن ذلك ينبغي أن يدفع نحو ابتكار مسارات تضمن أوسع مشاركة شعبية ممكنة، لا إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة دائمة. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي إعادة الاعتبار إلى المواطن الفلسطيني، وإلى حقه في أن يكون شريكا في تقرير مصيره السياسي، لا مجرد متلق للقرارات، أو شاهد على صراعات القوى، أو جمهور يستدعى عند الحاجة إلى التعبئة. فالشعب الذي يطالب العالم بالاعتراف بحقه في تقرير المصير، من حقه أن يسأل قيادته عن نصيبه من هذا الحق في حياته السياسية اليومية.
في نهاية المشهد، تبقى الصورة معلقة في الذاكرة .. فلسطيني يقف أمام صندوق الاقتراع داخل دولة الاحتلال، يضع صوته ويغادر، وفلسطيني في الضفة الغربية أو القدس أو غزة يتابع المشهد من بعيد، ولا يعرف متى سيأتي دوره. لا ينبغي أن يشعر الأول بأنه مطالب بالتخلي عن حقه، ولا أن يطلب من الثاني أن يتقبل حرمانه بوصفه قدرا لا يمكن تغييره. لكن من حق الثاني أن يسأل، ومن واجب قيادته أن تجيب.
فما قيمة المؤسسات الوطنية إذا لم يتمكن المواطن من تجديد شرعيتها؟ وما معنى التمثيل السياسي إذا ظلت إرادة الشعب غائبة عن صناديق الاقتراع؟ وكيف يمكن استعادة الثقة بالمشروع الوطني إذا بقيت الديمقراطية الفلسطينية مؤجلة، فيما تتراكم الأزمات وتتسع المسافة بين المواطن والقيادة؟ وأي رسالة يمكن أن تصل إلى الأجيال الفلسطينية الجديدة حين ترى أن حقها في اختيار من يمثلها بات أقل حضورا من الخلافات التي تتذرع بها القوى السياسية لتبرير استمرار الوضع القائم؟
إنها ليست حسرة على صندوق اقتراع في دولة الاحتلال، بل حسرة على صندوق اقتراع فلسطيني غاب طويلا عن حياة الفلسطينيين. حسرة على حق لا ينبغي أن يكون موضع مقارنة أصلا، وعلى شعب يريد أن يختار ممثليه، لا أن يظل متفرجا على الآخرين وهم يختارون، فيما تستمر قيادته في مطالبته بالصبر والانتظار، من دون أن تقدم له موعدا واضحا يستعيد فيه حقه السياسي المسلوب.
وحين يرى الفلسطيني أخاه يدلي بصوته، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتردد ليس .. لماذا يصوت هو؟ بل متى يستطيع الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة أن يصوت، وأن يختار، وأن يحاسب، وأن يشعر بأن صوته ليس مجرد أمنية مؤجلة، بل إرادة حرة لها مكانها في صناعة القرار الوطني؟ ومتى تدرك القيادة الفلسطينية أن الشرعية لا تستمد من التاريخ وحده، ولا من الشعارات وحدها، ولا من عدالة القضية وحدها، وإنما تتجدد أيضا بثقة الناس، وبحقهم في الاختيار، وباحترام إرادتهم حين يقررون من يمثلهم ومن لا يمثلهم؟
فالقضية الفلسطينية ليست ملكا لفصيل، ولا إرثا سياسيا تتوارثه القيادات، ولا تفويضا مفتوحا لا ينتهي مفعوله. إنها قضية شعب، ومن حق هذا الشعب أن يكون شريكا في تقرير مستقبله، وأن يمتلك الوسيلة الديمقراطية التي تمكنه من محاسبة قيادته وتجديد مؤسساته. أما أن يبقى الفلسطيني أسير الانتظار، بينما تتحدث باسمه قيادة لم تخضع منذ سنوات طويلة لاختبار انتخابي عام، فهذه ليست مجرد أزمة إجرائية، بل أزمة سياسية وأخلاقية تمس جوهر العلاقة بين الشعب ومن يفترض أنهم يمثلونه.
إن الحسرة التي يثيرها مشهد التصويت العربي في انتخابات الكنيست لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء فرز الأصوات وإعلان النتائج. ينبغي أن تتحول إلى سؤال فلسطيني مفتوح، وإلى مطالبة واضحة باستعادة الحق في الانتخاب، وإنهاء حالة التعطيل، وتجديد الشرعية، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس إرادة الشعب لا حسابات القوى. فليس من المقبول أن يظل الفلسطيني مطالبا بالصمود في وجه الاحتلال، فيما يطلب منه في الوقت نفسه أن يصبر إلى أجل غير معلوم على حرمانه من حقه في اختيار قيادته.
ان الحسرة ليست حسرة على صندوق اقتراع في دولة الاحتلال، بل حسرة على حق فلسطيني مؤجل، وعلى ديمقراطية غائبة، وعلى شعب يستحق أن تكون له الكلمة الفصل فيمن يحكمه ويمثله.