
وطن للأنباء: تضع النتائج المرحلية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي المشهد السياسي أمام حسابات معقدة، في ظل عجز المعسكرين الرئيسيين عن حسم الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة، مقابل صعود التمثيل العربي، بما يعزز موقع الأحزاب العربية في المشاورات السياسية المقبلة.
وبحسب الأرقام الواردة في النتائج الأولية، تراجع معسكر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى 54 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة، فيما ارتفع تمثيل القائمتين العربيتين إلى 18 مقعداً، مع استمرار فرز الأصوات وتحديث النتائج.
وفي قراءته لهذه النتائج، قال الصحفي المتخصص بالشؤون الإسرائيلية فارس الصرفندي إن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، وإن تحديد هوية الحكومة المقبلة يرتبط بقدرة المعسكرات المختلفة على تجميع الدعم البرلماني اللازم، وليس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب.
- الأحزاب العربية في قلب حسابات تشكيل الحكومة
ويوضح الصرفندي في حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، أن النتائج المرحلية تضع الأحزاب العربية أمام دور مهم في تحديد مسار المشاورات السياسية، في ظل عدم امتلاك معسكر نتنياهو أو معسكر المعارضة، وفق الأرقام المشار إليها، أغلبية الـ61 مقعداً المطلوبة من أصل 120 مقعداً في الكنيست.
ويُشير إلى أن السؤال المطروح يتمثل في الجهة التي ستوصي الأحزاب العربية بتكليفها تشكيل الحكومة، مرجحاً أن تتجه هذه الأحزاب إلى التوصية بتكليف غادي أيزنكوت، زعيم معسكر المعارضة، مع بقاء ذلك مرتبطاً بتطور النتائج والمواقف السياسية.
وفي المقابل، فإن الطريق المتاح أمام نتنياهو لتشكيل حكومة جديدة يمر عبر تأمين دعم برلماني كافٍ، في وقت لا يُتوقع فيه، وفق قراءة الصرفندي، أن تمنحه أحزاب المعارضة توصياتها لتشكيل الحكومة.
ولا يعني ذلك أن الأحزاب العربية ستشارك بالضرورة في الحكومة المقبلة، إذ إن التوصية بمرشح لتشكيل الحكومة تختلف عن الانضمام إلى ائتلافه، كما أن شكل الدعم وشروطه سيظلان موضع تفاوض سياسي.
- كيف تُشكّل الحكومة الإسرائيلية؟
وفي تفسيره لآلية تشكيل الحكومات في إسرائيل، يوضح الصرفندي أن الحزب الذي يحصل على العدد الأكبر من المقاعد لا يُكلّف تلقائياً بتشكيل الحكومة؛ إذ يبدأ رئيس الدولة، بعد نشر النتائج الرسمية، مشاورات مع ممثلي الكتل البرلمانية، ثم يكلّف عضو الكنيست الذي يرى أن لديه أفضل فرصة لتشكيل حكومة.
وتُعد توصيات الكتل البرلمانية عاملاً أساسياً في هذه المشاورات، إلى جانب تقدير فرص المرشح في جمع الدعم اللازم لنيل ثقة الكنيست.
وبموجب الإجراءات المعمول بها، يُمنح الشخص المكلّف 28 يوماً لتشكيل الحكومة، ويمكن للرئيس تمديد المهلة مدة لا تتجاوز 14 يوماً إضافياً، وإذا أخفق في مهمته، تبدأ إجراءات أخرى لتكليف مرشح بديل أو الانتقال إلى مسارات دستورية وسياسية لاحقة.
وبذلك، فإن حسم هوية الحكومة المقبلة لن يتوقف على النتائج الأولية وحدها، بل على المشاورات التي ستجري بعد المصادقة على النتائج النهائية، وقدرة المرشحين على بناء ائتلاف يحظى بثقة الكنيست.
- ماذا يقول صعود الصوت العربي؟
وفي قراءته لدلالات ارتفاع التمثيل العربي، ربط الصرفندي ذلك بحالة التوتر التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل المحتل، في ظل تصاعد السياسات التي تستهدفهم، واتساع النزعة العنصرية في المجتمع الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويُشير إلى أن قضايا هدم المنازل، وارتفاع معدلات الجريمة، واستهداف التجمعات العربية، إلى جانب المخططات الاستيطانية والتصريحات المتعلقة بإقامة مستوطنات في الجليل، شكّلت عوامل مؤثرة في المزاج العام لدى الفلسطينيين في الداخل.
ويعتبر أن هذه الظروف أسهمت في دفع قطاعات من الجمهور الفلسطيني إلى المشاركة بكثافة أكبر في الانتخابات، في محاولة للتأثير في المشهد السياسي ومواجهة السياسات التي تهدد وجودهم وحقوقهم.
ويرى الصرفندي أن نتائج التصويت العربي تحمل دلالة سياسية تتجاوز عدد المقاعد، في ظل شعور متزايد لدى الفلسطينيين في الداخل بأن حقوقهم ومكانتهم تواجهان تحديات متصاعدة، الأمر الذي يعزز أهمية التمثيل السياسي في الدفاع عن قضاياهم.
- حالة من الصدمة.. النتائج المرحلية تخالف العينات التلفزيونية
ويلفت الصرفندي إلى أن النتائج التي ظهرت خلال عملية الفرز، جاءت مختلفة عن التقديرات الأولية التي عرضتها القنوات التلفزيونية عقب إغلاق صناديق الاقتراع، وهو ما أضاف مزيداً من الغموض إلى المشهد الانتخابي.
ويوضح أن الفرز لم يكن قد اكتمل بعد، وأن الأصوات التي تُجمع ضمن ما يُعرف بـ"المظاريف المزدوجة"، وتشمل أصوات فئات مثل الجنود والدبلوماسيين والمرضى والعاملين في مرافق لا يستطيعون مغادرتها، يمكن أن تؤثر في التوزيع النهائي للمقاعد.
وبينما تبقى النتائج قابلة للتغيير مع استمرار الفرز، فإن تحديد موازين القوى بصورة نهائية يظل مرهوناً باستكمال الإجراءات الانتخابية والمصادقة الرسمية على النتائج.
- قلق فلسطيني من مآلات المشهد السياسي الإسرائيلي
وفي السياق الفلسطيني، لا تنفصل متابعة نتائج الانتخابات الإسرائيلية عن المخاوف المتعلقة بمستقبل قطاع غزة، واستمرار تداعيات الحرب، ومخططات الضم والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، إلى جانب السياسات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في الداخل المحتل.
وتعكس هذه المخاوف، وفق قراءة الصرفندي، قلقاً من أن تفضي التحولات السياسية في إسرائيل إلى استمرار السياسات القائمة أو تصعيدها، بما يترك انعكاسات مباشرة على حياة الفلسطينيين ومستقبلهم.
وبينما لم تحسم النتائج المرحلية شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فإن صعود التمثيل العربي وعدم حصول أي من المعسكرين الرئيسيين على أغلبية واضحة، يفتحان الباب أمام مرحلة من المشاورات والتجاذبات السياسية، التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، ومدى انعكاسها على القضايا الفلسطينية.