
بصرف النظر عن النتائج النهائية لانتخابات الكنيست، وعن عدد المقاعد التي سيحصل عليها معسكر نتنياهو أو معسكر آيزنكوت، فإن العنوان الأبرز في المشهد الانتخابي، وفقا للنتائج المتداولة، هو وصول التمثيل العربي إلى 19 مقعدا. إننا أمام حدث يتجاوز الحسابات الحزبية ومفاوضات تشكيل الحكومة، ويحمل دلالات سياسية ووطنية عميقة تتصل بمكانة الفلسطينيين داخل إسرائيل، وبطبيعة المجتمع الذي يعيشون في إطاره، وبحقيقة الديمقراطية التي طالما قدمتها إسرائيل إلى العالم بوصفها نموذجا استثنائيا في المنطقة. إن أهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في حجمه، بل في الرسالة التي يحملها .. أن الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم، رغم النكبة وما تلاها من سياسات تمييز وإقصاء، لم يتحولوا إلى أقلية صامتة، وأن وجودهم الديمغرافي والسياسي حقيقة لا يمكن محوها أو تجاوزها أو إخضاعها إلى الأبد لموازين القوة التي رسمتها المؤسسة الإسرائيلية.
لقد جاء هذا الحضور الانتخابي في سياق سياسي واجتماعي اتجهت فيه إسرائيل، على مدى سنوات، نحو مزيد من التشدد القومي، وتنامي الخطاب اليميني، وتراجع المساحة السياسية المتاحة لمناقشة المساواة الحقيقية بين العرب واليهود. ولم يعد اليمين المتطرف مجرد تيار هامشي يقف على أطراف الحياة السياسية الإسرائيلية، بل أصبحت مواقف كانت توصف سابقا بالتشدد تجد طريقها إلى مركز النقاش العام، وتؤثر في الخطاب السياسي، وتنعكس في التشريعات والممارسات الحكومية. وهنا تكمن إحدى أهم الإشكاليات في المشهد الإسرائيلي.. ليس فقط في صعود أحزاب يمينية متطرفة، بل في اتساع المجال الذي تتحرك فيه أفكارها، وفي تحول قضايا الهوية القومية والامتياز الجماعي والإقصاء إلى عناصر أساسية في المنافسة على السلطة. إن انتقال الخطاب السياسي من اليمين إلى مزيد من اليمين لا يحدث في فراغ، بل يجري في مجتمع تتشكل فيه المواقف العامة من خلال سنوات طويلة من الصراع، وسياسات الدولة، والخطاب الإعلامي، والتعليم، والتعبئة القومية، وطريقة تصوير الفلسطيني باعتباره مشكلة أمنية أو ديمغرافية أو تهديدا لهوية الدولة.
ولذلك، فإن قراءة التصويت العربي لا ينبغي أن تنفصل عن السؤال الأكثر إلحاحا .. لماذا أصبح تنامي القوة السياسية للفلسطينيين داخل إسرائيل مصدر قلق لدى قطاعات واسعة من المشهد السياسي الإسرائيلي؟ ولماذا يتحول حق المواطن العربي في التأثير إلى قضية خلافية، في حين يقدم النظام الإسرائيلي نفسه باعتباره نظاما ديمقراطيا يقوم على المساواة؟ إن هذه المفارقة تكشف جوهر الأزمة. فالديمقراطية لا تختبر عندما تكون نتائج الانتخابات مضمونة لمصلحة القوى المهيمنة، ولا عندما يشارك المواطنون في حدود الدور المرسوم لهم، بل عندما يصبح صوت الفئة التي تعرضت للتهميش قادرا على التأثير في موازين القوة. وعندما تظهر مقاومة سياسية لفكرة أن يكون التمثيل العربي شريكا متساويا في الحياة السياسية، فإن ذلك يطرح تساؤلات عميقة حول مدى استعداد النظام والمجتمع لقبول المساواة عندما تتجاوز حدود الشعارات وتصبح واقعا له نتائج سياسية ملموسة.
إن كذبة الديمقراطية الإسرائيلية لا تكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاته، ولا في وجود البرلمان والأحزاب وصناديق الاقتراع، بل في استخدام هذه المؤسسات لتقديم صورة مكتملة عن المساواة، بينما يظل الفلسطينيون داخل إسرائيل يواجهون أسئلة أساسية تتعلق بالمكانة والحقوق والهوية والتوزيع العادل للموارد. فوجود انتخابات لا يكفي وحده لإثبات المساواة، كما أن وجود تمثيل عربي في الكنيست لا يعني أن جميع المواطنين يتمتعون بفرص متكافئة في التأثير في بنية الدولة وسياساتها. إن الديمقراطية ليست مجرد إجراء يسمح للمواطن بأن يضع ورقة في صندوق، ثم يترك له أن يواجه وحده نتائج التمييز في حياته اليومية. إنها منظومة يفترض أن تحمي الحقوق المتساوية، وأن تمنع تحويل الانتماء القومي إلى أساس للامتياز أو الإقصاء، وأن تضمن ألا يكون المواطن أقل استحقاقا للمشاركة لأن هويته لا تنسجم مع التصور القومي المهيمن.
وحين يصبح التمثيل العربي مصدر توتر في الخطاب السياسي الإسرائيلي، تتكشف حقيقة التناقض بين الديمقراطية بوصفها شعارا، والديمقراطية بوصفها ممارسة. فالصوت العربي مقبول ما دام لا يهدد موازين القوة، أما حين يتضخم ويصبح رقما يصعب تجاهله، فإنه يضع المؤسسة السياسية أمام حقيقة طالما حاولت التعامل معها بوصفها قضية ثانوية .. أن الفلسطينيين داخل إسرائيل ليسوا مجرد مجموعة سكانية، بل مجتمع له هوية وحقوق ومصالح وإرادة سياسية مستقلة. إن المشكلة، في هذا السياق، ليست أن العرب يشاركون في الانتخابات، بل أن مشاركتهم قد تتحول إلى قوة فعلية. وليست المشكلة أن العرب يطالبون بالمساواة، بل أن المساواة الحقيقية تعني بالضرورة إعادة النظر في الامتيازات القائمة وفي التصورات التي تجعل التفوق السياسي القومي أمرا مفروغا منه.
ومن هنا، فإن العنصرية لا تظهر فقط في القوانين التمييزية أو في تصريحات السياسيين الذين يتنافسون على إطلاق المواقف الأكثر تشددا تجاه العرب، بل تظهر أيضا في اللغة التي يجري بها تصوير الحضور العربي، وفي الطريقة التي تتحول بها المطالبة بالحقوق إلى تهمة، والمشاركة السياسية إلى مصدر اشتباه، والوزن الانتخابي إلى تهديد. إن تصوير القوة العربية باعتبارها خطرا لمجرد أنها قوة عربية يعكس نظرة لا تتعامل مع المواطنين على أساس المساواة، بل على أساس هويتهم القومية وموقعهم من تصور الدولة السائد. وعندما يصبح انتماء المواطن الفلسطيني سببا للتشكيك في شرعية تأثيره السياسي، فإننا نكون أمام مشكلة تتجاوز الخلاف على البرامج والمواقف إلى بنية أعمق من التمييز والإقصاء.
والمسألة هنا لا تتعلق بشخص نتنياهو وحده، ولا بزعيم متطرف بعينه، ولا بحكومة يمكن أن تتغير بعد أربع سنوات. إن اختزال المشكلة في زعيم أو حزب يسمح للمجتمع بالتهرب من سؤال أكثر صعوبة .. كيف أصبح الخطاب القومي الإقصائي جزءا متكررا من المنافسة السياسية الإسرائيلية؟ وكيف تحولت مواقف تتعلق بتقييد المساواة أو التشكيك في شرعية المطالب العربية إلى عناصر حاضرة في النقاش العام؟ إن استمرار هذا الاتجاه، عبر حكومات متعاقبة وتيارات سياسية متعددة، يفرض النظر إلى المسألة باعتبارها أزمة سياسية واجتماعية تتجاوز الأفراد. فالمؤسسات لا تعمل بمعزل عن المجتمع، والسياسيون لا يتحركون في فراغ، والخطابات التي تتكرر في المجال العام تسهم في تشكيل ما يعتبره الناس مقبولا أو طبيعيا أو ضروريا.
إن المجتمع الإسرائيلي، في صورته السياسية الراهنة، يشهد اتساعا ملحوظا في حضور التيارات القومية والدينية المتشددة، وفي نفوذ الخطاب الذي يضع الهوية اليهودية للدولة في مواجهة مطلب المساواة القومية والمدنية. وقد انعكس ذلك في مسار سياسي جعل قضايا الولاء والهوية والأمن تتقدم كثيرا على النقاش المتعلق بالمساواة، وأتاح لخطابات الإقصاء أن تكتسب وزنا يتجاوز حدود التيارات التي كانت تتبناها سابقا. ولا يعني ذلك أن كل فرد في المجتمع الإسرائيلي يحمل المواقف نفسها، لكن هذه الحقيقة لا تغير جوهر المسألة .. الاتجاه العام للمشهد السياسي، كما يظهر في قوة الأحزاب المتشددة وموقع خطابها في المنافسة العامة، يستحق مساءلة جدية عن الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون نتيجة هذا التحول.
وهنا يصبح من الضروري طرح السؤال بصراحة .. إذا كانت إسرائيل واثقة من ديمقراطيتها، فلماذا تثير المشاركة العربية الفاعلة كل هذا التوتر؟ وإذا كانت المساواة مبدأ راسخا في نظامها السياسي، فلماذا تظل مكانة المواطنين العرب وحقوقهم موضع صراع مستمر؟ وإذا كانت المواطنة تقوم على الحقوق المتساوية، فلماذا تتحول هوية المواطن الفلسطيني إلى عامل حاضر في تحديد مدى قبول مشاركته السياسية؟ إن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات مضادة، بل إلى النظر في الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون، وفي التشريعات والسياسات والخطابات التي تحدد موقعهم في الدولة. فالديمقراطية التي تتفاخر بها إسرائيل ينبغي أن تخضع للاختبار نفسه الذي تخضع له أي ديمقراطية أخرى .. هل تحمي المساواة فعليا، أم تستخدم صورتها لتغطية تفاوتات عميقة في الحقوق والمكانة والتأثير؟
إن العنصرية، في هذا السياق، ليست مجرد انفعال فردي أو تصريح غاضب يطلقه سياسي في لحظة انتخابية، بل يمكن أن تتحول إلى منظومة من الأفكار والممارسات التي تعيد إنتاج التفاوت، وتحدد من ينظر إليه باعتباره جزءا طبيعيا من الجماعة السياسية، ومن ينظر إليه باعتباره وجودا ينبغي مراقبته أو تقييد تأثيره. وعندما يتكرر تصوير الفلسطينيين باعتبارهم مشكلة ديمغرافية أو أمنية، يصبح من السهل تبرير سياسات تحد من المساواة، ويصبح من الممكن تقديم الإقصاء باعتباره دفاعا عن الدولة لا انتقاصا من حقوق المواطنين. وهنا تتجاوز العنصرية حدود الموقف الشخصي، لتصبح جزءا من طريقة فهم المجتمع لنفسه، ومن الطريقة التي يحدد بها موقع الفلسطينيين في الحاضر والمستقبل.
إن وصول التمثيل العربي إلى 19 مقعدا، إذا تأكدت هذه النتيجة، يضع هذه التناقضات أمام اختبار واضح. فهذه المقاعد تعكس وزنا انتخابيا لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلا هامشيا، لكنها تكشف أيضا عن حدود القوة التي يستطيع المواطنون العرب ممارستها داخل نظام تتحدد قواعده الأساسية وموازين نفوذه عبر مؤسسات وأحزاب وتصورات سياسية لا تتعامل جميعها مع المساواة باعتبارها مبدأ غير قابل للتفاوض. ومن هنا، فإن أهمية النتيجة لا تتوقف على ما إذا كانت الأحزاب العربية ستشارك في الحكومة أو ستبقى خارجها، بل تمتد إلى ما تكشفه عن المجتمع الإسرائيلي نفسه: عن حجم الحضور السياسي العربي، وعن ردود الفعل تجاهه، وعن الفجوة بين الادعاء الديمقراطي والاستعداد الفعلي لقبول المساواة.
لقد اعتاد الخطاب الإسرائيلي الرسمي تقديم الفلسطينيين داخل إسرائيل بوصفهم دليلا على الطابع الديمقراطي للدولة، لكن وجود نواب عرب في البرلمان لا يمكن أن يتحول إلى شهادة مفتوحة تبرر كل ما يجري خارج قاعة الكنيست. فالتمثيل السياسي لا يلغي التمييز، والمشاركة الانتخابية لا تمحو التفاوت، ووجود مواطنين عرب في مؤسسات الدولة لا يعني أن الدولة أصبحت محايدة تجاه هويتهم القومية أو أن حقوقهم تحققت بصورة متساوية. إن تحويل وجود التمثيل العربي إلى أداة دعائية لإثبات الديمقراطية يتجاهل السؤال الأساسي .. هل يستطيع هؤلاء المواطنون ممارسة حقوقهم كاملة، والمطالبة بالمساواة، والتأثير في السياسات، من دون أن يتحولوا إلى هدف للتحريض أو أن يجري التشكيك في شرعية حضورهم؟
إن الرسالة التي يحملها التصويت العربي تتجاوز السياسة الانتخابية إلى معنى الوجود نفسه. فالفلسطينيون في الداخل ليسوا طارئين على هذه الأرض، ولا ضيوفا ينتظرون الاعتراف بهم، ولا جماعة يمكن اختزال مستقبلها في ما تقرره الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. إنهم أصحاب حق في الأرض والهوية والكرامة والمساواة، ووجودهم ليس مشكلة ديمغرافية ينبغي حلها، بل حقيقة تاريخية وإنسانية وسياسية يجب التعامل معها على أساس الحقوق. ومن هنا، فإن الخوف من تعاظم القوة العربية يكشف عن أزمة في تصور العلاقة مع الفلسطينيين، حين ينظر إلى حضورهم المتزايد باعتباره تهديدا بدلا من الاعتراف به باعتباره تعبيرا طبيعيا عن مجتمع يطالب بمكانته وحقوقه.
وفي النهاية، فإن القضية ليست من سيفوز بمقاعد أكثر، ولا أي معسكر صهيوني سينجح في تشكيل الحكومة، ولا كيف ستوزع الحقائب الوزارية. القضية هي ما إذا كان المجتمع الإسرائيلي قادرا على مواجهة التناقض الذي يعيشه بين ادعاء الديمقراطية وممارسات الإقصاء، وبين الحديث عن المساواة والتمسك بامتيازات قومية تجعل حقوق الفلسطينيين موضع خلاف. إن صعود اليمين واليمين المتطرف ليس مجرد تبدل عابر في أسماء الأحزاب، بل هو اتجاه سياسي يستحق القراءة في ضوء ما يحمله من تصورات عن الهوية والسلطة والحقوق، وفي ضوء أثره على الفلسطينيين داخل إسرائيل.
إن الديمقراطية لا تثبت نفسها حين تكون أصوات الناخبين منسجمة مع رغبات القوى المهيمنة، بل حين يصبح على تلك القوى أن تقبل بنتائج لا ترغب فيها. ولا تثبت نفسها حين يسمح للمواطن العربي بالتصويت، بل حين يحظى صوته بالاحترام نفسه الذي يحظى به صوت غيره، وحين لا تصبح هويته القومية سببا للتشكيك في شرعية تأثيره. أما حين يتعامل الخطاب السياسي مع القوة العربية باعتبارها خطرا، فإن ذلك يضع الادعاء الديمقراطي أمام تناقض لا يمكن إخفاؤه بالدعاية.
إن التصويت العربي يقول بوضوح إن الفلسطينيين في الداخل لن يختفوا من المعادلة، ولن يتخلوا عن حقهم في التعبير عن إرادتهم، ولن يقبلوا بأن تكون مواطنتهم مجرد عنوان شكلي يخفي تفاوتا في المكانة والحقوق. وقد لا يغير عدد المقاعد وحده بنية النظام السياسي، لكنه يكشف حقيقة لا تستطيع الحملات الدعائية تجاوزها .. أن الوجود الفلسطيني مستمر، وأن القوة العربية تتنامى، وأن تجاهلها أو تصويرها باعتبارها تهديدا لن يؤدي إلى إلغاء مطالبها.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا أمام المجتمع الإسرائيلي هو .. هل يريد ديمقراطية تقبل المساواة حتى عندما تعيد توزيع النفوذ، أم يريد صورة ديمقراطية لا تعمل إلا ما دامت موازين القوة القومية القائمة محمية من التغيير؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من الشعارات، بل من السياسات والممارسات، ومن الطريقة التي سيجري بها التعامل مع المواطنين الفلسطينيين وحقوقهم وحضورهم السياسي. وهنا تحديدا يتحدد الفارق بين الديمقراطية باعتبارها مبدأ، والديمقراطية باعتبارها واجهة دعائية تخفي تناقضات عميقة في بنية الدولة والمجتمع.