اسماعيل الريماوي يكتب لوطن: حبٌّ من طرفٍ واحد.. حين تعشق السلطة أوسلو ويبحث الاحتلال عن الطلاق!

28/10/2026

في مشهد يلخّص مأزق المشروع السياسي الفلسطيني، وبينما تنتظر السلطة الفلسطينية نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي تراهن على نتائجها، يضع مجلس المستوطنات في الضفة الغربية إلغاء اتفاق أوسلو وحلّ السلطة الفلسطينية ضمن شروطه في مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات، وبينما يدفع المستوطنون باتجاه التخلص من الاتفاق الذي يرونه عائقاً أمام مشروعهم الاستيطاني، لا تزال السلطة الفلسطينية تتمسك بالاتفاقيات وتراهن على السلام والتسوية، وكأن شيئاً لم يتغير على الأرض، وكأن الطرف الآخر لم يعلن مراراً أن طموحاته تتجاوز حدود ما بقي من أوسلو.

هنا تتجلى المفارقة التي تستحق أن تُطرح أمام الشعب الفلسطيني بكل وضوح: كيف يمكن لقيادة أن تظل متمسكة باتفاق يسعى خصومها إلى إلغائه، وأن تجعل احترامه معياراً للعملية السياسية والانتخابية الفلسطينية، بينما يواصل الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض، ويوسّع المستوطنات، ويصادر الأراضي، ويضيّق الخناق على المدن والقرى الفلسطينية، ويقوّض عملياً فرص قيام الدولة الفلسطينية التي قيل إن الاتفاق سيفتح الطريق إليها؟
إنها حكاية حبّ من طرف واحد؛ طرفٌ لا يزال يتحدث بلغة التسوية والالتزامات والتنسيق، وطرفٌ آخر تتقدم في داخله قوى ترى أن أوسلو لم يعد ضرورياً لتحقيق أهدافها، بل إن التخلص منه وحل السلطة قد يفتحان الباب أمام مرحلة أكثر وضوحاً في فرض السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
المشكلة ليست في أن يتمسك الفلسطينيون بالسلام بوصفه خياراً سياسياً، فالسلام العادل الذي يضمن الحرية والكرامة والاستقلال حقّ ومطلب مشروع، لكن المشكلة تكمن في تحويل السلام إلى رهان مفتوح بلا ضمانات، وإلى عقيدة سياسية تمنع مراجعة الحسابات حتى عندما تتغير الوقائع، ويتنصل الطرف الآخر من الالتزامات، ويصبح الاتفاق الذي كان يفترض أن يكون مرحلة انتقالية نحو إنهاء الاحتلال إطاراً لإدارة واقع يزداد فيه الاحتلال رسوخاً.
لقد مضت عقود على توقيع أوسلو، وما زال الفلسطينيون ينتظرون الدولة الموعودة، فيما تتسع المستوطنات وتتقطع أوصال الضفة الغربية، ويواجه الفلسطينيون في القدس والأغوار ومناطق واسعة من الضفة أشكالاً متصاعدة من المصادرة والتهجير والقيود، وفي المقابل، تحولت السلطة، التي كان يُفترض أن تكون جسراً نحو الاستقلال، إلى سلطة محدودة الصلاحيات ومحاصرة بالوقائع التي يفرضها الاحتلال، فيما يتواصل الخلاف الفلسطيني حول جدوى المسار السياسي الذي تأسست عليه.
والأخطر أن هذا التمسك لم يعد مجرد خلاف في تقدير الخيارات السياسية، بل بات يطرح سؤالاً عن طبيعة القرار الفلسطيني واستقلاليته: هل تُبنى الاستراتيجية الوطنية وفق مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه، أم وفق شروط الاتفاقيات والقيود التي يفرضها الواقع السياسي والأمني؟ وهل يجوز أن تتحول الالتزامات المترتبة على اتفاق سياسي إلى قيد دائم على الإرادة الوطنية، بينما يتعامل الطرف الآخر معها باعتبارها قابلة للإلغاء متى تعارضت مع مصالحه؟
أما ربط الاستحقاقات الانتخابية الفلسطينية باحترام اتفاق أوسلو، فيكشف حجم المأزق، فالانتخابات ليست مكافأة يمنحها الاحتلال للفلسطينيين، ولا ينبغي أن تتحول إلى اختبار لمدى التزامهم باتفاق يتنازع الطرف الآخر نفسه حول جدواه ومستقبله، الانتخابات حق للشعب الفلسطيني، وأداة لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي على أساس الإرادة الشعبية، لا وسيلة لإعادة إنتاج الشروط التي أبقت الحياة السياسية الفلسطينية رهينة المعادلة القائمة.
ومن حق الفلسطينيين أن يسألوا: إذا كان مجلس المستوطنات يطالب بإلغاء أوسلو وحل السلطة، فما الذي تنتظره القيادة الفلسطينية حتى تعيد تقييم هذا المسار؟ هل تنتظر أن تتوافق القوى الإسرائيلية على صيغة جديدة لإنهاء ما تبقى من الاتفاق، ثم تكتشف أن سنوات الرهان لم تنتج سوى مزيد من الاستيطان والضمّ وتآكل الأرض؟ أم أن مراجعة الاستراتيجية الوطنية لا تزال مؤجلة لأن الاعتراف بفشل الرهان يستلزم مراجعة قرارات وسياسات تراكمت على مدى سنوات طويلة؟
إن نقد هذا النهج لا يعني الدعوة إلى قرارات انفعالية، ولا القفز إلى المجهول، ولا تجاهل التحديات الهائلة التي يواجهها الشعب الفلسطيني، المطلوب هو مراجعة وطنية جادة، تحدد الأولويات على أساس حماية الأرض والإنسان، واستعادة القرار الوطني المستقل، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، وتوحيد الجهد السياسي والقانوني والشعبي لمواجهة الاستيطان والضمّ، وصياغة استراتيجية لا تمنح الاحتلال حق تحديد سقف الحقوق الفلسطينية أو شكل النظام السياسي الفلسطيني.
فالسلطة ليست غاية بحد ذاتها، وأوسلو ليس نصاً مقدساً، والتسوية ليست نجاحاً لمجرد استمرار الحديث عنها، قيمة أي اتفاق تُقاس بما يحققه من حقوق وما يوفره من حماية وما يفتحه من أفق للتحرر، لا بعدد السنوات التي تبقى فيها الأطراف متمسكة باسمه، وإذا تحول الاتفاق إلى غطاء لاستمرار الواقع الذي وُقّع من أجل تغييره، فمن حق الشعب الفلسطيني أن يطالب بمراجعة أسسه ونتائجه، وأن يبحث عن مسار سياسي أكثر قدرة على حماية مصالحه الوطنية.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن تجاهل دلالة أن يطالب المستوطنون بإلغاء أوسلو وحل السلطة، بينما لا تزال القيادة الفلسطينية تراهن على السلام وتتمسك بالاتفاقيات، فالمفارقة هنا ليست مجرد اختلاف في المواقف، بل اختلاف في فهم الغاية من السياسة نفسها: هناك من يريد إعادة تشكيل الأرض والواقع بما يخدم مشروعه، وهناك من لا يزال ينتظر أن تفضي الالتزامات القديمة إلى نتائج لم تتحقق طوال عقود.
إنها حكاية حبّ من طرف واحد؛ المستوطنون يريدون دفن أوسلو حين يرونه عائقاً أمام مشروعهم، والسلطة لا تزال أسيرة الوهم الذي صنعته الوعود الأولى، وبين رغبة أولئك في إنهاء الاتفاق وإصرار هذه على التمسك به، يبقى الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن من أرضه وحقوقه ومستقبله.
فإلى متى سيبقى الرهان على سلام لا يوقف الاستيطان، وتسوية لا تنهي الاحتلال، واتفاق يتحدث خصومه عن إلغائه، بينما تواصل السلطة التمسك به؟ ومتى تدرك القيادة الفلسطينية أن السلام لا يُصنع بالتعلق بالاتفاقيات، بل بامتلاك الإرادة والقدرة على انتزاع الحقوق؟