المُحكمة لبنى كاتبة: التحكيم بديل مرن للتقاضي.. والاستقلال والحياد شرطان أساسيان لصحة قرارات المحكمين

27/10/2026

وطن للأنباء: في ظل تزايد الحاجة إلى وسائل أكثر مرونة وسرعة لحل النزاعات بين الأفراد والشركات والمؤسسات، برزت الوسائل البديلة لحل النزاعات، وفي مقدمتها التفاوض والوساطة والتحكيم، باعتبارها مسارات يمكن اللجوء إليها بدلًا من التقاضي التقليدي، أو بالتوازي معه في بعض المراحل والإجراءات.

وقالت المحكّمة الفلسطينية لبنى كاتبة إن الوسائل البديلة لحل النزاعات هي مجموعة من الآليات التي تطورت عبر الزمن لتوفير مسارات أخرى أمام أطراف النزاع بعيدًا عن اللجوء المباشر إلى القضاء، مشيرة إلى أن أبرز هذه الوسائل تتمثل في التفاوض والوساطة والتحكيم.

وأوضحت كاتبة، خلال مشاركتها في بودكاست "بدائل" الذي أطلقته وزارة العدل بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية وبدعم من برنامج سواسية، أن الفارق بين هذه الوسائل لا يرتبط فقط بالإجراءات المتبعة، وإنما أيضًا بطبيعة الدور الذي يؤديه الشخص الثالث في النزاع، وبمدى إلزامية النتيجة التي يتم التوصل إليها.

الوساطة.. الأطراف يصنعون الحل بأنفسهم

وبيّنت كاتبة أن الوساطة تقوم على وجود شخص ثالث محايد يساعد أطراف النزاع على الوصول إلى حل بأنفسهم، دون أن يملك الوسيط صلاحية إصدار قرار يفرضه عليهم.

وأوضحت أن الوسيط يعمل على مساعدة الأطراف في الانتقال من المواقف القانونية المتعارضة إلى المصالح الفعلية التي تقف خلف النزاع، مستخدمًا تقنيات مختلفة، من بينها عقد جلسات مشتركة وأخرى منفردة مع الأطراف، بهدف تقريب وجهات النظر والوصول إلى تسوية مقبولة.

وأكدت أن اللجوء إلى الوساطة طوعي، ويمكن لأي طرف الانسحاب منها في أي وقت، كما أن الأطراف قد ينتهون إلى اتفاق أو قد لا يتمكنون من الوصول إلى نتيجة.

وأضافت أنه في حال توصل الأطراف إلى اتفاق وتم توقيعه، يصبح هذا الاتفاق ملزمًا لهم وفق الأطر القانونية المعمول بها.

التحكيم.. قرار يصدره طرف محايد

وفي المقابل، أوضحت كاتبة أن التحكيم يختلف عن الوساطة من حيث دور الطرف الثالث وطبيعة النتيجة النهائية.

وقالت إن النزاع في التحكيم يعرض على محكم أو هيئة تحكيم، وتقدم أمامهم البينات والأدلة والمرافعات، على أن يصدر المحكم قرارًا في النزاع استنادًا إلى القواعد القانونية والإجرائية وما يقدم أمامه من بينات.

وأشارت إلى أن التحكيم قد يكون مناسبًا في النزاعات التي يصل فيها أطراف العلاقة إلى مرحلة يحتاجون فيها إلى قرار يحسم مسألة محددة، مستشهدة بالنزاعات الهندسية بين المقاولين والملاك، عندما يتوقف العمل أو ينشأ خلاف حول المستحقات المالية.

وأضافت أن الوساطة قد تكون أكثر ملاءمة في الحالات التي يرغب فيها الأطراف بالحفاظ على العلاقة المستقبلية، مثل بعض النزاعات داخل الشركات العائلية، بينما قد يكون التحكيم مناسبًا عندما يحتاج الأطراف إلى حسم النزاع بقرار.

"التحكيم لا يعني الابتعاد عن القضاء"

وشددت كاتبة على أن اختيار التحكيم لا يعني الانفصال الكامل عن القضاء أو عدم الحاجة إلى المحاكم، مؤكدة أن القضاء يمكن أن يكون "شريكًا ومساندًا" للعملية التحكيمية.

وأوضحت أن أطراف النزاع قد يحتاجون إلى المحكمة خلال مراحل مختلفة، ومن بينها طلب اتخاذ إجراءات تحفظية عند الخشية من تهريب الأموال أو البضائع، أو اللجوء إليها في حال وجود شرط تحكيم وامتناع أحد الأطراف عن تعيين المحكم.

وأشارت كذلك إلى إمكانية الاستعانة بالمحكمة في بعض الإجراءات المتعلقة بالشهود، وفي الحالات التي تثار فيها اعتراضات على استقلال المحكم أو حياده، فضلًا عن الدور الذي تؤديه المحاكم في تنفيذ قرارات التحكيم.

من هو المحكم؟ وهل يستطيع أي شخص أن يصبح محكمًا؟

وحول المعايير التي ينبغي توافرها في المحكم، حذرت كاتبة من الاعتقاد بأن أي شخص يستطيع ممارسة التحكيم بمجرد الإعلان عن نفسه محكمًا.

وقالت إن اختيار المحكم يمثل مسألة جوهرية، لأن أطراف النزاع يعهدون إليه بمهمة الفصل في نزاع قد يكون القرار الصادر فيه ذا آثار قانونية ومالية مهمة، ولذلك ينبغي أن تتوافر فيه المعرفة والخبرة والقدرة على إدارة العملية التحكيمية.

وأوضحت أن المحكم ليس بالضرورة أن يكون محاميًا، إذ يمكن أن يكون مهندسًا أو خبيرًا ماليًا أو متخصصًا في مجال موضوع النزاع، بحسب طبيعة القضية.

وأضافت أن النزاعات الهندسية، على سبيل المثال، تتضمن مسائل فنية معقدة تتعلق بالعقود الإنشائية، وأوامر التغيير، وجداول الكميات ومستوى التنفيذ، وبالتالي فإن وجود مهندس أو متخصص فني ضمن هيئة التحكيم قد يكون ذا أهمية كبيرة إلى جانب الخبرة القانونية.

"الاستقلال والحياد أهم شيء بشكل مطلق"

وأكدت كاتبة أن الاستقلال والحياد يمثلان شرطين أساسيين في عمل المحكم، مشيرة إلى أن وجود علاقة مؤثرة أو مصلحة أو تضارب مصالح غير معلن عنه قد يثير إشكالات جدية على القرار التحكيمي.

وقالت إن المحكم يجب أن يقدم إفصاحًا يوضح عدم وجود علاقات أو مصالح يمكن أن تؤثر في استقلاله وحياده تجاه أطراف النزاع، موضحة أن الإفصاح لا ينبغي التعامل معه باعتباره إجراءً شكليًا.

وأضافت أن المحكم قد تكون له علاقة سابقة بأحد الأطراف أو بمحامي أحد الأطراف، أو قد تكون هناك صلة مهنية أو شخصية يمكن أن تثير تساؤلات حول حياده، ولذلك فإن الإفصاح المسبق يتيح للأطراف تقييم الأمر واتخاذ موقفهم وفقًا لذلك.

علاقة غير معلنة أدت إلى فسخ قرار تحكيمي

وضربت كاتبة مثالًا بقضية دولية في فرنسا، كان أحد المحكمين فيها شخصية معروفة في مجال التحكيم الدولي، مشيرة إلى أن علاقة وثيقة كانت تجمعه بأحد المرتبطين بالقضية، ولم تكن هذه العلاقة قد كُشف عنها بالشكل الكافي قبل التحكيم.

وأوضحت أن تفاصيل العلاقة ظهرت لاحقًا في كتابات وتأبينات نشرت بعد وفاة الشخص المعني، وتبين من خلالها وجود علاقة شخصية ومهنية وثيقة بينه وبين المحكم.

وقالت إن عدم الإفصاح عن هذه العلاقة كان من الأسباب التي أدت إلى فسخ القرار التحكيمي، مؤكدة أن الواقعة تظهر أهمية الإفصاح وضرورة عدم الاستهانة بأي علاقة يمكن أن تثير شكوكًا مشروعة حول استقلال المحكم.

كيف يتم تأهيل المحكمين؟

وأشارت كاتبة إلى وجود مسارات للتأهيل والاعتماد للمحكمين، موضحة أن وزارة العدل تقوم بدور في عملية تأهيل واعتماد المحكمين من خلال متطلبات أكاديمية ومهنية وتدريبية.

وأكدت أن التأهيل لا ينبغي أن يقتصر على المعرفة القانونية، خصوصًا عندما يتعلق النزاع بمجالات فنية متخصصة.

وقالت إن من المهم أن يكون لدى المحكم معرفة بطبيعة النزاع الذي سيفصل فيه، مشيرة إلى أن الهيئات التحكيمية في النزاعات المعقدة قد تضم أكثر من تخصص، مثل الجمع بين الخبرة الهندسية والقانونية أو المالية والقانونية.

إدارة العملية التحكيمية لا تقل أهمية عن الخبرة

ولفتت كاتبة إلى أن وجود الخبرة الفنية أو المهنية وحده لا يكفي، إذ يحتاج المحكم كذلك إلى القدرة على إدارة إجراءات التحكيم وفق الأصول.
وأوضحت أن بعض الإشكالات قد تنشأ نتيجة ضعف إدارة العملية التحكيمية أو عدم الالتزام بالإجراءات، وهو ما قد يفتح الباب أمام الطعن في قرار التحكيم.

وقالت إن وجود هيئة تحكيم تجمع بين تخصصات مختلفة يمكن أن يكون مفيدًا في بعض القضايا، شرط أن تتوافر لدى أعضائها القدرة على إدارة الإجراءات التحكيمية بطريقة سليمة.

ماذا لو اكتشف أحد الأطراف انحياز المحكم؟

وحول الحالات التي يكتشف فيها أحد أطراف النزاع وجود علاقة أو تضارب مصالح أو انحياز لدى أحد المحكمين، أوضحت كاتبة أن القانون يتيح إجراءات لطلب رد المحكم.

وقالت إن الطرف الذي يكتشف سببًا يمكن أن يؤثر في حياد المحكم يستطيع تقديم طلب إلى هيئة التحكيم خلال الإجراءات، وعلى الهيئة النظر في الطلب واتخاذ قرار بشأنه.

وأضافت أنه في حال رفضت الهيئة طلب الرد، يمكن للطرف المعني اللجوء إلى المحكمة وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

وأكدت أن هذه الآليات تؤكد أن اختيار التحكيم لا يعني أن أطراف النزاع يفقدون كل إمكانية للرقابة القضائية، بل توجد حالات محددة يمكن فيها تدخل القضاء لحماية سلامة العملية التحكيمية.

هل يجب على المواطن حضور التحكيم بنفسه؟

وفيما يتعلق بحضور أطراف النزاع، قالت كاتبة إن التحكيم يتمتع بقدر من المرونة فيما يتعلق بتمثيل الأطراف، إذ يمكن للشخص أن يمثل نفسه، أو أن يوكل محاميًا، كما يمكن الاستعانة بمتخصصين وفقًا لطبيعة القضية.

وأوضحت أن القرار بشأن طريقة التمثيل يعتمد على طبيعة النزاع ومدى تعقيده.

وأضافت أن النزاعات الهندسية، على سبيل المثال، قد تتطلب وجود أكثر من طرف متخصص، مثل المالك والمهندس والمحامي، نظرًا لطبيعة المسائل الفنية والقانونية التي تطرح أمام هيئة التحكيم.

اختيار التحكيم يحتاج إلى معرفة بطبيعة النزاع

وأكدت كاتبة أن التحكيم والوساطة ليسا خيارين متطابقين يصلح أحدهما بالضرورة لكل أنواع النزاعات، وإنما ينبغي أن يختار الأطراف الوسيلة التي تتناسب مع طبيعة الخلاف والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها.

وأوضحت أن الوساطة قد تكون مناسبة عندما تكون المحافظة على العلاقة بين الأطراف هدفًا مهمًا، بينما قد يكون التحكيم أكثر ملاءمة عندما يحتاج الأطراف إلى حسم نزاع من خلال قرار يصدر عن جهة محايدة.

وشددت على أن اختيار المحكم يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح العملية، إلى جانب التأكد من استقلاله وحياده وخبرته وقدرته على إدارة الإجراءات.

وبحسب كاتبة، فإن اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات يمكن أن يوفر للأطراف مسارات مختلفة عن التقاضي التقليدي، لكن الاستفادة منها تتطلب وعيًا بطبيعة كل وسيلة، وشروطها، والآثار القانونية المترتبة عليها.