اسماعيل الريماوي يكتب لوطن: واشنطن وتل أبيب على صفيح الانتخابات.. هل يدفع ترامب ونتنياهو ثمن الحروب؟

27/10/2026

  لم تعد صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة وإسرائيل مجرد محطات لتجديد الوجوه السياسية وتوزيع المقاعد البرلمانية، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقيادات جعلت الحروب والأزمات جزءاً من حساباتها السياسية، ووجدت نفسها أمام سؤال لا تستطيع الدعاية الانتخابية إخفاءه إلى الأبد: إلى متى يمكن للحاكم أن يطالب شعبه بالثقة، بينما تتراكم الأزمات وتتسع الفجوة بين الوعود والواقع؟ ففي واشنطن، تتزايد الضغوط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ظل الغضب من غلاء المعيشة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، بينما تتجه الأنظار في إسرائيل إلى انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، وسط استمرار الجدل حول إخفاقات السابع من أكتوبر وتداعيات الحروب التي أعقبتها، وعلى الرغم من اختلاف السياقين، فإن القاسم المشترك بينهما يتمثل في أن الحسابات السياسية بدأت تصطدم بتكاليف السياسات التي انتهجتها القيادات الحاكمة، وأن الناخب الذي صبر طويلاً قد يتحول إلى خصم عندما يشعر بأن حياته اليومية باتت رهينة مغامرات سياسية وعسكرية لا تنتهي.

في الولايات المتحدة، يواجه ترامب اختباراً يتجاوز حدود المنافسة الحزبية التقليدية، فالرئيس الذي عاد إلى البيت الأبيض محمولاً على وعود استعادة القوة الأميركية وخفض الأعباء عن المواطنين يجد نفسه أمام تحدي إثبات أن شعاراته قادرة على تحسين حياة الأميركيين فعلياً، فالمواطن الذي يذهب إلى متجر المواد الغذائية، أو يدفع إيجار منزله وفواتيره، لا يقيس نجاح الإدارة بحجم الخطب ولا بحدة المواجهات مع الخصوم، وإنما بما يتبقى في جيبه مع نهاية الشهر، وحين تستمر الأسعار المرتفعة في الضغط على الأسر، يصبح الاقتصاد ساحة المحاسبة الحقيقية، مهما حاولت الإدارة تحويل الأنظار إلى معارك سياسية خارجية أو صراعات أيديولوجية داخلية.
وتزداد خطورة هذا المشهد مع بدء التصويت المبكر في عدد من الولايات، إذ تمنح المؤشرات الانتخابية المعارضة فرصة لاستثمار حالة الاستياء الشعبي، خصوصاً إذا تحولت الضغوط المعيشية إلى تصويت عقابي ضد الحزب الحاكم، وما يصفه بعض المحللين بأنه مشهد انتخابي كابوسي للجمهوريين لا يعني أن خسارتهم أصبحت حتمية، لكنه يكشف أن الثقة الشعبية ليست شيكاً مفتوحاً، وأن القواعد الانتخابية التي منحت ترامب أصواتها يمكن أن تعيد حساباتها عندما تشعر بأن الوعود لم تتحقق، فالناخب الريفي، الذي طالما شكل ركيزة أساسية للجمهوريين، ليس معزولاً عن ارتفاع تكاليف الوقود والغذاء والسكن والرعاية الصحية، ولا يستطيع الخطاب الشعبوي أن يعفيه من مواجهة أعباء الحياة اليومية.
وتكمن خطورة أي تراجع جمهوري في انتخابات الكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر في أن المعركة لا تتعلق بمقاعد برلمانية فحسب، بل بمستقبل قدرة ترامب على تنفيذ برنامجه السياسي. ففقدان الأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس قد يفتح الباب أمام تحقيقات ورقابة أشد ومواجهات تشريعية تعرقل أجندته، ويمنح الديمقراطيين فرصة لاستعادة زمام المبادرة ، ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بجدية تقتضي عدم الخلط بين تراجع شعبية الرئيس وحتمية خسارة حزبه؛ فنتائج الانتخابات تتأثر بتوزيع الأصوات بين الولايات والدوائر، وبنسب المشاركة، وبقدرة كل طرف على تحويل الغضب الشعبي إلى أصوات فعلية، لكن المؤكد أن الجمهوريين يدخلون هذا الاستحقاق أمام اختبار صعب، وأن أي خسارة كبيرة ستُقرأ بوصفها إنذاراً سياسياً مبكراً بشأن مستقبل ترامب وحزبه.
وعلى الجانب الآخر من المحيط، تبدو إسرائيل أمام مأزق سياسي لا يقل تعقيداً، فانتخابات الكنيست ليست مجرد تنافس على تشكيل ائتلاف حكومي جديد، بل مواجهة مع أسئلة ثقيلة تتعلق بمسؤولية القيادة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، ومصير الحرب، وأمن الإسرائيليين، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، ومستقبل الصراع مع الشعب الفلسطيني، وقد يحاول بنيامين نتنياهو وحلفاؤه تقديم أنفسهم باعتبارهم الخيار القادر على حماية إسرائيل، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الناخب الإسرائيلي هو: هل نجحت هذه القيادة في تحقيق الأمن الذي وعدت به، أم أن سياساتها دفعت البلاد إلى أزمات متلاحقة، وأبقت المجتمع أسير الخوف والانقسام والحروب المفتوحة؟
إن السابع من أكتوبر لم يعد مجرد حدث عسكري في الذاكرة الإسرائيلية، بل أصبح اختباراً سياسياً وأخلاقياً لمؤسسات الدولة وقيادتها. ومهما حاول نتنياهو تحويل النقاش إلى ساحات القتال أو تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاقات، فإن السؤال عن المسؤولية السياسية سيظل حاضراً، لأن الأمن لا يُقاس بعدد الغارات ولا بحجم الدمار الذي يلحق بالآخرين، وإنما بقدرة الدولة على منع الانهيارات الاستراتيجية وحماية مجتمعها من تكرارها، كما أن استمرار الحرب وتوسيع ساحاتها لا يضمنان بالضرورة تحقيق أهدافها، بل قد يتحولان إلى عبء اقتصادي واجتماعي وسياسي يفاقم عزلة إسرائيل ويعمّق الانقسامات داخلها.
لكن الخطر الأكبر على المنطقة يتمثل في أن تتحول الانتخابات، في واشنطن وتل أبيب، إلى منافسة على من يستطيع إظهار المزيد من التشدد تجاه الفلسطينيين، لا على من يمتلك رؤية حقيقية لإنهاء الصراع. ففي إسرائيل، قد يسعى اليمين إلى استثمار المخاوف الأمنية لتبرير مزيد من الاستيطان والتهجير وتشديد القبضة العسكرية، بينما قد يكتفي خصوم نتنياهو بانتقاد إدارته وإخفاقاته من دون مراجعة جوهر السياسات التي تنكر الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي الولايات المتحدة، قد تتبدل لغة الخطاب بين الجمهوريين والديمقراطيين، لكن ذلك لا يضمن وحده تحولاً جوهرياً في الدعم الأميركي لإسرائيل أو في الموقف من الاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.
وهنا تحديداً ينبغي للفلسطينيين ألا يعلقوا مصير قضيتهم على نتائج صناديق الاقتراع الأميركية أو الإسرائيلية، وألا يخلطوا بين إضعاف حكومة وبين إنهاء سياسة، أو بين سقوط زعيم وبين سقوط منظومة كاملة من المصالح والتحالفات. فالتغيير في الوجوه قد يفتح نافذة سياسية جديدة، لكنه لا يصنع وحده العدالة، ولا يعيد الأرض، ولا يوقف الاستيطان، ولا ينهي الحصار، المطلوب هو أن تتحول التحولات الانتخابية إلى ضغط سياسي ودبلوماسي وقانوني مستمر، يستند إلى وحدة الموقف الفلسطيني، وإلى تحرك دولي يربط العلاقات والمصالح باحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، لا بالاكتفاء ببيانات القلق والاستنكار.
إن المفارقة أن ترامب ونتنياهو، رغم اختلاف طبيعة الأزمات التي يوجهانها، يعتمدان بدرجات متفاوتة على تعبئة القواعد الشعبية عبر خطاب القوة والمواجهة، غير أن القوة السياسية لا تعني القدرة على تجاهل الأثمان إلى ما لا نهاية، كما أن الضجيج الانتخابي لا يستطيع محو الأسئلة التي يطرحها الواقع، فحين ترتفع تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة، وحين تتراكم الأسئلة الأمنية والسياسية في إسرائيل، يصبح الناخب أكثر ميلاً إلى محاسبة من يحكمه، حتى لو لم يكن البديل واضحاً أو مضموناً.
ومع اقتراب الاستحقاقين، لا يمكن الجزم بأن ترامب سيخسر الكونغرس أو أن نتنياهو سيغادر الحكم؛ فذلك يتوقف على نتائج التصويت والتحالفات والظروف الانتخابية، لكن المؤكد أن مرحلة الحصانة السياسية المطلقة ليست مضمونة لأي منهما، أن الرهان على الخوف والاستقطاب وتصدير الأزمات إلى الخارج قد يصطدم في النهاية بمحاسبة الداخل، فالشعوب قد تمنح قادتها فرصة، لكنها لا تمنحهم تفويضاً أبدياً.
وفي النهاية، ليست القضية من يفوز بمقعد في الكونغرس أو بمن يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بل ما إذا كانت هذه الانتخابات ستقود إلى مراجعة حقيقية للسياسات التي صنعت الأزمات، أم ستقتصر على إعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة نفسها، وبالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في انتظار سقوط ترامب أو نتنياهو، بل في تحويل كل تصدع سياسي إلى فرصة لكشف حقيقة الاحتلال، وتعزيز الحضور الفلسطيني، وفرض الحقوق الوطنية على جدول الأعمال الدولي، فالحكومات تتغير، والتحالفات تتبدل، والوجوه تغادر المشهد، لكن حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير لا يتغير بتغير صناديق الاقتراع، ولا ينتظر إذناً من واشنطن أو تل أبيب.ه