
يملك الفلسطينيون العرب في الداخل فرصة تاريخية قل نظيرها لحسم المعركة الانتخابية الأكثر ضراوة في تاريخ إسرائيل، وهي معركة لن يقتصر تأثيرها على مصير ووجود الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، بل سيمتد ليطال المنطقة باسرها بما يشمل فلسطينيي الداخل أنفسهم، ووجودهم وحقوقهم السياسية والمدنية، وشرعية عملهم.
ولا يرتبط الأمر هذه المرة بما اصطلح على تسميته بيضة القبان، وهي ميزة تتاح بالصدفة لقوة صغيرة بأن تصبح هي الحاسمة حال انحيازها لطرف من الطرفين المتصارعين. ما حدث فعليا بين عامي 1992 و1996، حين وفّر النواب الخمسة من القائمتين العربيتين ( 3 من الجبهة و2 من التقدمية) شبكة أمان لحكومة اسحق رابين من دون أن يكونوا مشاركين فيها. تكرر الأمر لاحقا على نحو مغاير قليلا مع القائمة العربية الموحدة التي انضمت كشريك لحكومة التغيير برئاسة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام 2021، وهي مشاركة كانت محل خلاف واسع لدى فلسطينيي الداخل ولدى عموم الفلسطينيين.
هذه المرة مختلفة لعدة أسباب، أبرزها حجم التحديات والمخاطر التي تواجه الفلسطينيين عموما وتجاهر بها حكومة نتنياهو على رؤوس الأشهاد، ومن خلال البرامج الانتخابية لأعضاء لمكونات الحكومة التي ارتكبت جريمة الإبادة، وتطرح الآن التهجير الصريح في الضفة وغزة، ونزع الشرعية السياسية عن فلسطينيي الداخل طالما أنهم ظلوا متمسكين بهويتهم الوطنية والقومية.
والسبب الثاني هو الانقسام الحاد والعميق في المجتمع الإسرائيلي، وهو انقسام لا حل له في المدى القريب، حيث تدرك اوساط متزايدة أن الفاشية الصهيونية، مثلها مثل أي نظام فاشي في العالم، سوف تنقلب على أبناء جلدتها في وقت ما، وبالتالي فإن القوى المتطرفة التي مجّدت العنف وامتهنته لسنوات طويلة، سوف تعيد استخدامه ضد من يخالفهم في الرأي أو التوجه الأيديولوجي من الإسرائيليين. ومع أن خيار تشكيل حكومة وحدة من القوى الصهيونية الرئيسية سيظل قائما، لكنه ليس محبذا من اي طرف، وإذا ما طرح هذا الخيار فقد يكون إما بضغوط خارجية، أو جزءا من أحابيل نتنياهو لكسب الوقت وتجنب الهزيمة.
السبب الثالث والأهم هو وزن العرب الذي لا يمكن تجاوزه أو إهماله، فالعرب الذين كان ينظر لهم كقوة هامشية لا أثر لها ولا أهمية. وكانت القوى الصهيونية تعتبر الاعتماد على أصواتهم ضربا من العار، ومساسا لا يغتفر بالهوية "الوطنية" الصهيونية واليهودية للحزب الذي يفعل ذلك، إلى الدرجة التي سارع فيها غادي آيزنكوت ويائير لابيد ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان للتنصل من هذه التهمة "المشينة"، معلنين أنهم لن يعتمدوا على أصوات العرب ولن يشركوهم في اي حكومة بديلة لنتنياهو الذي ما زالت دعايته المفضلة هي التعريض بخصومه وادعاء أنهم سيشكلون حكومة مع الطيبي أو منصور عباس.
سبق لنتنياهو أن استخدم تصويت العرب كفزاعة لتخويف جمهور اليمين حين ادعى في انتخابات العام 2015 أن العرب "يتدفقون" على صناديق الاقتراع، وكان كاذبا بالطبع، وكان لادعاءاته أثر في زيادة نسبة التصويت لدى الجمهور اليميني، وهو الآن يرفع شعار "اليمين أو فلسطين".
يبلغ عدد الناخبين العرب نحو مليون ومائة وستين ألف ناخب، يشكلون نحو 18% من أصحاب حق الاقتراع،. وبسبب التكوين العمري، فإن هذه النسبة هي اقل من نسبة العرب للسكان. الطبيعي أن يحصل العرب على نحو 26 مقعدا، لكنهم دائما يحصلون على أقل من ذلك بكثير بسبب انخفاض نسبة التصويت دائما لدى العرب عن مثيلتها لدى اليهود، ووجود قوى سياسية نشطة تدعو للمقاطعة، إلى جانب نجاح بعض القوى الصهيونية في اختراق قطاعات عربية من خلال وسائل الترهيب والترغيب وشراء الذمم.
أفضل نتيجة حصل عليها العرب كانت 15 مقعدا في العام 2020 بعد تأسيس القائمة المشتركة، لكن الانقسام الذي تلا ذلك، وافتراق المسارات بين مكونات المشتركة أدى إلى تراجع هذا الزخم، الذي يعود الآن بقوة اكبر مع استشعار الخطر المحدق، وترافق ذلك أعلانات بالرغبة في المشاركة من ناشطين وشخصيات كانت معروفة بمقاطعتها للانتخابات. وتدرك القوى الفاشية ذلك تمام الإدراك، وهي بعد فشلها في شطب القوائم العربية، ستعمل الآن للتشويش على تصويت العرب وبث أجواء من الرعب والخوف للتاثير على الانتخابات.
لا أحد يطعن في حق بعض القوى في مقاطعة الانتخابات لأسباب ضميرية مبدئية، ولا أحد يراهن على أن قوى التغيير الصهيونية تملك بدائل جذرية أفضل من حكومة نتنياهو – بن جفير – سموتريتش، فكل القوى الصهيونية ترفض تفكيك اي مستوطنة، وتعلن معارضتها القاطعة لقيام الدولة الفلسطينية، ومعظمها دعم الإبادة ويتبنى خيار التهجير او يصمت عليه. لكن المسألة المطروحة الآن هي مسألة وجودية فعلا، وهي تعلو على اي خلاف ثانوي، فإما تجديد ولاية بن جفير وسموتريتش ومعلمهما الذي يرعاهما ويشرف عليهما لمزيد من التنكيل بالأسرى وحياة الفلسطينيين وكرامات الناس وهدم المنازل وتهيئة البلاد لمخطط التهجير الجماعي، وإما استجماع مخزون القهر والظلم ومشاعر المظلومية التاريخية، وتحويلها إلى قوة سياسية، وتصويت حاسم يطيح بحكومة اليمين الفاشي، ويكنس الأحزاب الصهيونية من المدن والقرى العربية، سيكون اليوم هو يوم من ايام العرب إذا نجحوا فعلا في استنفار طاقاتهم وتجميع قواهم لهزيمة الفاشية، فالإطاحة باليمين الفاشي دون مشاركة في حكومة البديل أو الرهان عليها هي افضل ما يقوم به فلسطينيو الداخل في هذا اليوم.