
وطن للأنباء: في ظل الأزمة المالية التي تواجهها فلسطين، تتزايد أهمية مراجعة أوجه الإنفاق العام وتعزيز الرقابة على المال العام، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية. وفي هذا السياق، أعاد تقرير أعدّه ائتلاف أمان، وناقشه الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة خلال مؤتمر الموازنة العامة لعام 2026، تسليط الضوء على إشكاليات إدارة موازنات السفارات الفلسطينية، وتداخل المرجعيات الإدارية والمالية، ومحدودية الإفصاح عن البيانات المالية، والتحديات التي تواجه الرقابة والمساءلة.
- منظومة مالية منذ العام 1964.. هل تحتاج إدارة السفارات الفلسطينية إلى إصلاح؟
ويقول يوسف الزمر، مُعدّ التقرير لصالح ائتلاف أمان، إن موضوع السفارات الفلسطينية يثير الكثير من التساؤلات في المجتمع، الأمر الذي دفع إلى بحث واقعها الإداري والمالي، ومدى انسجام الإجراءات المعمول بها مع متطلبات الشفافية والحوكمة والمساءلة.
ويوضحُ الزمر خلال حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، أن الإشكالية ترتبط، في جانب أساسي منها، باستمرار العمل بنظام يعود إلى مرحلة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، إذ يتولى الصندوق القومي الفلسطيني، وفق النظام المعمول به، إدارة الشؤون الإدارية والمالية للسفارات، فيما تضطلع وزارة الخارجية بدور الإشراف عليها.
ويُشير إلى أن هذا الترتيب استمر رغم التحولات السياسية والمؤسسية التي شهدتها الساحة الفلسطينية، وامتداد المرحلة الانتقالية من خمس سنوات إلى عقود، في وقت أصبحت فيه موازنات السفارات تُموَّل من الموازنة العامة الفلسطينية.
ويضيف أن إقرار القانون الدبلوماسي عام 2005 لم يؤدِّ إلى تغيير شامل في منظومة الإدارة المالية والإدارية للسفارات، إذ طُبّقت أحكام تتعلق برواتب الموظفين والدبلوماسيين، بينما استمرت الإجراءات المالية والإدارية القائمة.
وبحسب الزمر، فإن استمرار هذا الوضع أوجد تداخلاً في المرجعيات، خصوصاً مع وجود سفارات أُنشأت قبل قيام السلطة الفلسطينية في العام 1994، وأخرى أُنشأت بعد ذلك، ما يطرح تساؤلات بشأن توحيد الإجراءات وتحديد المسؤوليات والجهات الخاضعة للمساءلة.
- ازدواجية الصلاحيات.. من يتحمل المسؤولية؟
ويُبيّن الزمر أن القوانين والأنظمة المالية للسلطة الفلسطينية تفرض التزامات على مراكز المسؤولية التي تحصل على موازنات من السلطة، في حين تستند الإدارة المالية للسفارات إلى أنظمة منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يستدعي، مواءمة الأطر القانونية والإجرائية وتوضيح الصلاحيات.
ويلفت إلى وجود لجنة للسفارات في مؤسسة الرئاسة، تضم في عضويتها وزير الخارجية وممثلاً عن مؤسسة الرئاسة ورئيس الصندوق القومي الفلسطيني، وتتولى العمل على المواءمة بين الأنظمة والإجراءات ذات الصلة، بما في ذلك اعتمادُ التعيينات.
ويعتبر ضيفُنا أن الإشكالية لا تتعلق بالإجراءات الفنية وحدها، بل تتصل أيضاً بالإدارة السياسية واستمرار الترتيبات المؤسسية التي نشأت خلال مراحل مختلفة من تطور العمل الفلسطيني الرسمي.
ويُشدد على أن غياب الفصل الواضح بين الصلاحيات يجعل تحديد المسؤوليات عن القرارات المالية والإدارية أكثر تعقيداً، ويستدعي إعادة النظر في آليات الإدارة والرقابة، بما يضمن وضوح المرجعية وتحديد الجهة المسؤولة عن كل إجراء.
- موازنات السفارات الفلسطينية تحت المجهر.. من يدير المال العام ومن يراقبه؟
وفي ما يتعلق بحجم موازنات السفارات الفلسطينية، يُشير الزمر إلى أن المبلغ يُقدّر بنحو 200 مليون شيكل، من أصل موازنة عامة تبلغ قرابة 19 مليار شيكل، أي ما يزيد قليلاً على 1% من إجمالي الموازنة وفق هذه الأرقام.
ويوضح أن الجدل لا يرتبط بحجم الإنفاق وحده، بل بمدى وضوح آليات إدارة الأموال، والإفصاح عن أوجه صرفها، وإتاحة البيانات اللازمة للرقابة والتدقيق.
ويُضيف أن جانباً كبيراً من التساؤلات المجتمعية يتعلق بالتعيينات الدبلوماسية، في ظل محدودية الإفصاح عن المعلومات المرتبطة بها، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى إجراءات أكثر وضوحاً وشفافية في إدارة الموارد البشرية والمالية.
ويُشير أيضاً إلى أهمية تنظيم الإيرادات التي تحصل عليها السفارات، وتحديد آليات توريدها إلى الصندوق القومي الفلسطيني، وإجراء التسويات المالية اللازمة، وتقديم التقارير ذات الصلة إلى الجهات المختصة، بما يتيح تتبع الإيرادات والمصروفات بصورة منتظمة.
- غياب البيانات المالية يحدّ من فاعلية الرقابة والمساءلة
وفي معرض حديثه عن أبرز نقاط الضعف التي رصدها التقرير، يوضح الزمر أن المنظومة الحالية تحتاج إلى تطوير إجراءات الإنفاق، وفصل الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات المالية داخل السفارات، إلى جانب تعزيز التدقيق الخارجي وإصدار تقارير مالية منتظمة.
ويُشير إلى أهمية وجود نظام واضح للإنفاق، وتحديد الجهة المخولة بالموافقة على المصروفات، وإنشاء آليات للدفع والرقابة المالية، بما يضمن توثيق المعاملات وإمكانية تتبعها وتدقيقها.
ويُبيّن أن الإجراءات المقترحة تتضمن تنظيم الدورة المستندية، بحيث تُرفع المستندات المالية بصورة دورية، إلى الصندوق القومي الفلسطيني، لتُستكمل بعدها إجراءات إعداد التقارير وإحالتها إلى الجهات المعنية.
وفي ما يتعلق بديوان الرقابة المالية والإدارية، يقول الزمر إن فاعلية الرقابة ترتبط بمدى توافر البيانات والمستندات المالية القابلة للتدقيق، مشيراً إلى أن محدودية إتاحة هذه البيانات تمثل عقبة أمام ممارسة الرقابة بصورة شاملة.
ويؤكد أن تمكين الديوان من أداء دوره يتطلب توفير بيانات مالية واضحة وقابلة للفحص، وإتاحة المستندات اللازمة، ووضع آليات تتيح تتبع الإنفاق والتحقق من مدى الالتزام بالقوانين والإجراءات المعمول بها.
ويُضيف أن تعزيز المساءلة عن أي تجاوزات مالية محتملة لا يمكن أن يتحقق بصورة فعالة من دون نظام واضح للتوثيق والتدقيق، يحدد المسؤوليات ويتيح للجهات المختصة الوصول إلى المعلومات اللازمة.
- مساران للإصلاح.. والغموض مرشح للاستمرار
ويطرح الزمر مسارين لمعالجة الإشكاليات القائمة؛ يتمثل الأول في إخضاع السفارات بصورة متكاملة للقوانين والأنظمة المالية والإدارية للسلطة الفلسطينية، باعتبارها جهات تتلقى موازناتها من المال العام، بما يشمل الإجراءات والضوابط المطبقة على مراكز المسؤولية.
أما المسار الثاني، فيقوم على الإبقاء على دور الصندوق القومي الفلسطيني في إدارة الشؤون المالية والإدارية للسفارات، مقابل إدخال إصلاحات جوهرية تشمل فصل الصلاحيات، وتحديث الإجراءات المالية، وتعزيز التدقيق، وإصدار تقارير دورية، وتوسيع نطاق الإفصاح عن البيانات.
ويؤكد أن النظام القائم يحتاج إلى التطوير بما ينسجم مع المعايير الدولية في المحاسبة والإدارة المالية، مشدداً على ضرورة تحديث الإجراءات المعمول بها، وتحديد المسؤوليات داخل السفارات، وتعزيز الرقابة على المصروفات التشغيلية والإيرادات.
ويختم الزمر حديثه بالتأكيد على أن استمرار الوضع الحالي، من دون معالجة إشكاليات المرجعيات والإفصاح والرقابة، سيُبقي الغموض قائماً بشأن إدارة موازنات السفارات، فيما يتطلب الإصلاح حسم الخيار المؤسسي وتوفير متطلبات الشفافية والمساءلة، بما يضمن إدارة أكثر كفاءة للمال العام.