عدنان الصباح يكتب لوطن: نتنياهو وغلطات الشاطر .. حين يتحوّل الدهاء السياسي إلى غباء

26/10/2026

 ساعات تفصلنا عن صناديق الانتخابات الإسرائيلية، وقد يكون بنيامين نتنياهو أكثر من يتمنى ألا تنتهي هذه الساعات؛ فهو يدرك أن ما بعدها قد يفتح أبوابًا ظلّ طويلًا يسعى إلى إغلاقها أو تأجيلها.

ظل نتنياهو يُقدَّم نفسه باعتباره الداهية السياسية الذي يعرف كيف يناور، ويستثمر الأزمات، ويفلت من خصومه، لكن السابع من أكتوبر شكّل نقطة انكسار في صورته، بعدما كشف إخفاقًا أمنيًا وسياسيًا هائلًا، وبدلًا من أن يقود مراجعة شاملة للمسؤوليات، اندفع إلى توسيع الحرب، وكأن إشعال جبهات جديدة قادر على حجب الإخفاق الأول وتأجيل لحظة الحساب.

تباهى نتنياهو بأنه يخوض حربًا على سبع جبهات، لكنه ربما غفل عن أخطر جبهتين: جبهة الرأي العام العالمي، وجبهة التفكك الداخلي.

أولًا: جبهة الرأي العام العالمي

لقد أسهمت الحرب، بما خلّفته من قتل ودمار ومعاناة إنسانية واسعة، في تآكل صورة إسرائيل لدى قطاعات كبيرة من الرأي العام العالمي، وأعادت طرح الأسئلة بشأن سياساتها وحدود الدعم الدولي لها، وهنا ارتكب نتنياهو خطأ استراتيجيًا، إذ تعامل مع التفوق العسكري وكأنه قادر على إنتاج الشرعية السياسية، متجاهلًا أن القوة تستطيع فرض وقائع على الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها فرض رواية مقنعة على العالم.

ولولا ضعف الجبهة الفلسطينية وانقسامها وتشتتها، لكان بالإمكان استثمار هذا التحول الدولي بصورة أكثر فاعلية، ومع ذلك، فإن عجز الفلسطينيين عن استثماره لا يلغي ما أحدثه من تغيرات في صورة إسرائيل ومكانتها.

والمفارقة أن نتنياهو، الذي ارتبط اسمه بكتاب " مكان تحت الشمس "، ساهم بسياساته في تعميق أزمة صورة الدولة التي أراد تثبيت مكانتها، فالمسألة لم تعد مجرد معركة عسكرية، بل أصبحت أيضًا معركة على الشرعية والثقة والمكانة الدولية، وهي معركة لا تُحسم بالقصف وحده.

ثانيًا: الجبهة الداخلية.. حين يتحول الحلفاء إلى خصوم

لم تكن مشكلة نتنياهو في خصومه وحدهم، بل في طريقته في إدارة حلفائه ومؤسسات دولته، فبدلًا من التعامل مع إخفاق السابع من أكتوبر باعتباره مسؤولية تستوجب التحقيق والمحاسبة، طغت معركة البقاء في السلطة على الحاجة إلى مراجعة حقيقية.

لقد بالغ في المناورة، وضغط على شركائه، ووسّع دائرة الخلافات، وكأن بإمكانه إخضاع الجميع إلى الأبد، لكن الحليف الذي يُستعمل لتثبيت الحكومة قد يتحول إلى عبء عليها، والشريك الذي يُمنح تنازلًا اليوم قد يطالب غدًا بتنازل أكبر.

وهنا تكمن إحدى " غلطات الشاطر ": الاعتقاد بأن النجاح في إدارة التناقضات يعني القدرة على التحكم بها إلى ما لا نهاية، فقد يصبح تأجيل الحساب دليلًا على عمق الأزمة، لا على قوة صاحب السلطة.

وتزداد المشكلة خطورة حين تتصاعد التساؤلات عن تدخلات عائلية في محيط القرار، أو عن مصالح مالية تحتاج إلى الشفافية والتدقيق، أو عن استقلال القرار السياسي، فهذه الملفات، سواء ثبتت تفاصيلها أم بقي بعضها في دائرة الاتهام، تفرض ضرورة التمييز بين الوقائع الموثقة والتسريبات، لكنها تكشف أيضًا حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالثقة العامة عندما يحيط الغموض بمراكز النفوذ.

ثالثًا: ترامب والانتخابات.. هل تصبح الحرب ورقة أخيرة؟

قد يمنح التأييد العلني من دونالد ترامب نتنياهو دعمًا سياسيًا، لكنه قد يثير أيضًا سؤالًا محرجًا لدى الناخب الإسرائيلي: هل يدير رئيس الحكومة علاقته بواشنطن باعتبارها شراكة بين دولتين، أم يوظفها لحماية مستقبله الشخصي ومستقبل شريكه على حسابهم وأن ما يراه اليوم تحالفا غير مسبوق، قد يتحول الى العكس غدا، فترامب الذي يفقد شعبيته عند ناخبيه لن يمنح الاخرين شرعيتهم؟

كما أن صراعات نتنياهو داخل الليكود، وتوتر علاقاته بحلفائه، قد تجعل كل استحقاق انتخابي معركة على بقائه، لا على مستقبل الدولة وحده.

وفي هذا السياق، تبرز فرضية لجوئه إلى تصعيد المواجهة مع إيران، أو اتخاذ خطوات عسكرية كبرى، لتغيير جدول الأعمال الداخلي وإعادة حشد الجمهور حول القيادة، وقد تتقاطع حساباته مع حسابات ترامب، لكن القول إن نتنياهو سيضرب إيران نيابة عنه أو لخدمة انتخاباته يظل احتمالًا لن يطول انتظاره بعد ان تغلق صناديق الاقتراع وقبل ان تفتح في امريكا صناديق الانتخابات النصفية.

ومع ذلك، فإن الخطر واضح: عندما تتداخل الحسابات الشخصية مع القرارات الاستراتيجية، قد تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف محددة إلى أداة لتأجيل استحقاق سياسي. وحينها يصبح التصعيد مغامرة قد تتجاوز نتائجها قدرة صاحب القرار على التحكم بها.

رابعًا: هل بقي نتنياهو قويًا أم أصبح مرشحًا لتحمل الفشل؟

ليس بالضرورة أن يكون استمرار نتنياهو في الحكم دليلًا على نجاحه، فقد أسهمت في بقائه توازنات الائتلاف وانقسام المعارضة ومخاوف الشركاء والانداد من البدائل، ومن الممكن أن تجد بعض القوى مصلحة مؤقتة في استمراره، ثم تحميله لاحقًا جانبًا كبيرًا من مسؤولية الإخفاقات.

لكن ذلك لا يثبت وجود خطة موحدة للتخلص منه بوصفه كبش فداء، ولا يعفيه من مسؤوليته السياسية، فالمحاسبة الحقيقية لا تعني التضحية بشخص واحد لتبرئة منظومة كاملة، بل تتطلب مراجعة القرارات والسياسات والمؤسسات التي أسهمت في إنتاج الأزمة.

كما أن أي عملية أمنية جديدة، سواء في الخليل أو غيرها، ينبغي أن تُقرأ في ضوء الوقائع الموثقة، لا باعتبارها دليلًا قاطعًا بمفردها، فالأمن لا يُقاس بعدد الجبهات التي تخوضها الحكومة، بل بقدرتها على حماية الناس ومنع تكرار الإخفاقات.

الخاتمة: حين يربح السياسي الوقت ويخسر المستقبل

قد ينجح نتنياهو في تأجيل السقوط أو إعادة تشكيل ائتلافه أو احتواء خصومه، لكنه لا يستطيع ضمان تأجيل الحساب إلى الأبد، فالبقاء في السلطة ليس انتصارًا بالضرورة، وتوسيع الحرب ليس دليلًا على الاقتراب من النصر، وإخضاع الحلفاء لا يعني امتلاكهم.

إن " غلطة الشاطر ، ليست أنه فقد قدرته على المناورة فحسب، بل أنه ربما ظل يتصرف كما لو أن قدرته القديمة على التحكم بالجميع لم تتغير، بينما كانت الوقائع تتبدل، وهوامش الخطأ تضيق، وكلفة البقاء ترتفع.

قد يربح نتنياهو الوقت مرة بعد أخرى، لكنه قد يكتشف في النهاية أن الوقت الذي ربحه سياسيًا هو نفسه الوقت الذي خسره استراتيجيًا.

والاهم أن لا  تتحول محاسبة نتنياهو، حين يغادر الحكم، إلى وسيلة لتبرئة السياسات التي قادت إلى الأزمة، وإعادة إنتاجها بوجوه جديدة. فالرجل قد يرحل، لكن آثار الحرب ومعاناة الفلسطينيين وتداعياتها السياسية والأمنية لن ترحل معه " فهل يستطيع الفلسطينيين ان يجعلوا سقوط نتنياهو سقوطا لمشروع الاحتلال باسره ام انهم سيواصلون النوم في الانقسام جتى تنجو دولة الاحتلال من كل جرم ارتكبته وجعلته ملكا حصريا لنتنياهو ".