
يكاد لا يمر مؤتمر، أو ندوة، أو نقاش حكومي، أو غير حكومي متخصص، الا ويتم التطرق بشكل أو بأخر الى مفهوم الأمن الغذائي، وكيفية وضع وتنفيذ الخطط للسير في هذا الاتجاه وبشكل مستدام، مع التركيز على أهمية تحقيق هذا المفهوم في ابعاد عديدة، منها الابعاد الاقتصادية والصحية والتنموية وحتى السياسية والسير في اتجاه الاعتماد على الذات وفي مسار الفصل عن الجانب الاخر وتحقيق نوعا ما من الاستقلال الغذائي.
وفي اعتقادي يمكن وبشكل عملي السير في طريق تحقيق نوعا من الامن الغذائي في بلادنا، يأخذ ظروفنا الخاصة ومصادرنا المحدودة بعين الاعتبار، ولو بشكل تدريجي ومن خلال الجهود الذاتية وبدون الاعتماد على مصادر الدعم الخارجي كما أعتدنا عليه، ومع توطيد عملية متابعة وتقييم متواصلين لمثل هكذا خطط، وتحقيق الامن الغذائي يعني توفر الغذاء بشكل مستدام وتوفر إمكانية الوصول اليه وكذلك توفر واقع استخدامه بالكمية وبالجودة اللازمتان من أجل تحقيق الفائدة المرجوة منه.
وللحفاظ على الانتاج الغذائي المستدام ومن ثم تحقيق نوعا من الامن الغذائي المستدام، فأن ذلك يعني التوجه الى الاقتصاد المنتج المستدام، وهو الاقتصاد الذي يتم العمل به بصورة مستدامة وفعالة وصديقة للبيئة، اي بدون استنزاف اقتصادي وبيئي، ويهدف الى ترشيد استخدام الطاقة والمياه وتقليل انتاج النفايات بأنواعها المختلفة، خلال وبعد الانتهاء من النشاط الاقتصادي، مثل استخدام الطاقة الشمسية او المتجددة بشكل اساسي وفعال، واعادة تكرير المياه واستخدام المياه الرمادية، ووجود انظمة من اجل فصل وتدوير النفايات، وحتى الاستثمار في انتاج الهيدروجين الاخضر من المياه كمصدر نظيف للطاقة.
والإنتاج المستدام يعني تنوع الإنتاج، حيث من المفترض اعتبار تنوع مصادر الانتاج من الاستراتيجيات المستدامة للنمو وللحفاظ على الاقتصاد والمجتمع متماسكين، والإنتاج الزراعي والزراعة بشكل عام تعتبر أحدى القطاعات الإنتاجية المرتبطة بالأمن الغذائي وبالتالي توفر الطعام بالكمية والجودة اللازمتان وفي كل الاوقات وتحت ظروف مختلفة، ويحتاج استمرارها الى توفر الامن المائي، وبالاخص هذه الايام حيث نشهد دول كانت تنتج وبل تصدر الغذاء ولكنها أضحت في الحاجة الماسة الى الغذاء، ومن الأمثلة على ذلك سلعة أساسية مثل محصول القمح.
وفي بلادنا، يعتبر القطاع الزراعي من القطاعات الانتاجيه التي نستطيع الحفاظ عليها ودعمها والتخطيط لها في إطار تحقيق الامن الغذائي، وبالأخص خلال هذه الفترة، حيث ان من ضمن وسائل دعم القطاع الزراعي، تقديم التسهيلات الضريبية والمالية للعاملين او المستثمرين في الزراعة، والقيام بتوفير المواد التي تتطلبها الزراعة الحديثة من بلاستيك واسمدة ومبيدات بأسعار مناسبة او تشجيعية للمزارعين.
وفي إطار تحقيق امن غذائي مستدام، يتطلب تقديم المزيد من الارشاد الزراعي بالتركيز على الإنتاج الذي يحافظ على استدامة النظام البيئي، والارشاد فيما يتعلق باختيار المحصول والارض، والارشاد حول استعمال المواد الكيميائية من اسمدة ومبيدات وبلاستيك في الزراعة، والارشاد فيما يتعلق بالقطف والتسويق، والدعم يمكن ان يشمل المزيد من التخطيط الزراعي والنظرة الوطنية لذلك من حيث استخدام المياه والأرض والطاقة، ومن حيث الموازنة بين الاستهلاك المحلي او من اجل التصدير.
والدعم للقطاع الزراعي كقطاع انتاجي ومن ثم للأمن الغذائي، يمكن ان يشمل التنسيق لحماية المزارع والمنتج الوطني، سواء من خلال العطاءات اواصدار المواصفات اوالفحوصات المخبرية، والدعم يشمل التوجة نحو الابحاث العلمية التطبيقية المحددة، التي تعمل على تلبية حاجات هذا القطاع وحل مشاكله المستجدة في ظل ظروف واقعنا، والعمل على ايلاء التدريب الزراعي الأهمية المرتبطة بتحقيق الامن الغذائي، والعمل على تقديم الحوافز والضمانات للقطاع الخاص للتوجه وللاستثمار في الإنتاج الزراعي، وكذلك العمل على ازالة تلك النظرة الى القطاع الزراعي بأنه ليس الخيار الاول للعمل او الاستثمار فيه.
والدعوة الى تحقيق الامن الغذائي المستدام في بلادنا، من المفترض ان تتعدى مرحلة الشعارات والمطالبات وتنتقل الى اتخاذ خطوات عملية في هذا الصدد، خطوات عملية تدريجية مدروسة تناسب واقعنا والمصادر المتوفرة، والتركيز على الإنتاج الزراعي في الاراضي الخصبة التي تحوي المياه الجوفية، مثال المناطق التي تعتبر السلال الغذائية للفلسطينيين، مثل منطقة الاغوار ومنطقة سهل مرج ابن عامر، والتأكيد على ان أي خطط تنموية استراتيجية في اطار تحقيق الامن الغذائي تكون كفيلة بتوفير المزيد من الفرص للعمل، والحفاظ على الاسعار، وتوفير المنتج الوطني وبالتالي حماية الامن الغذائي وتشجيع العودة المستدامة الى قطاع الزراعة كقطاع انتاجي أساسي لتحقيق امن غذائي مستدام في بلادنا.