
وطن للأنباء: على مائدة الإفطار الفلسطينية يتكرر مشهد مألوف كل صباح: زيت الزيتون والزعتر والخبز وإبريق الشاي. هذا المشهد هو ما أعادت المصممة ياسمين أبو السعود تخيّله في "مجموعة الإفطار"، وهي قطع من الزجاج المنفوخ يدويًا نفذها الحرفي محمد توام، المعروف بأبو مروان، في ورشته في جبع.
وتلتقي في المجموعة تجربتان: مصممة معمارية تبحث عن معنى جديد لأدوات المائدة، وحرفي يقف أمام الفرن منذ أكثر من أربعين عامًا، ويعرف ما يحتمله الزجاج وما لا يحتمله.
والمجموعة واحدة من 27 مشروعًا يضمها معرض "أياد خالدة"، ضمن مشروع تنفذه اليونسكو بتمويل من الاتحاد الأوروبي لصون الحرف التقليدية المهددة بالاندثار.
من القدس إلى جرش، والعودة إلى جبع
.jpg)
يعرّف أبو مروان نفسه بابن "قرية صغيرة اسمها جبع القدس"، تقع بين القدس ورام الله، على بعد أقل من عشرة كيلومترات من باب العامود، ونحو سبعة أو ثمانية كيلومترات من دوار الساعة في رام الله.
بدأ تعلم نفخ الزجاج عام 1979 تقريبًا، في مصنع في القدس، ولم يكن قد بلغ الثالثة عشرة. أمضى هناك نحو خمس سنوات يتعلم، ثم افتتح مشغلًا صغيرًا في قريته. وانتقل بعدها إلى الأردن، وأسس مشغلًا في جرش ما يزال قائمًا حتى اليوم، لكن الظروف والحروب أعادته إلى جبع، حيث يركّز عمله الآن.
ويعمل أبو مروان بزجاج البايركس، أي زجاج البوروسيليكات، "المعروف في بيوتنا، والموجود في كل مطبخ". ويقول إن الفكرة واحدة في كل ورش نفخ الزجاج، لكن المادة تصنع الفرق: فالبايركس "نقي من الشوائب ولامع"، وله تشطيبه وطريقته الخاصة في التلوين، ويختلف عن الزجاج العادي المعاد تدويره من الزجاج المكسور.
وتنتج ورشته أدوات مخبرية وثريات، وأدوات منزلية كثيرة كالكؤوس والشمعدانات. لكنه يعمل أيضًا حسب الطلب، "حسب ما يتخيله المصمم ويحلم به ويفكر فيه". ويقول: "أي شكل، والحمد لله، لا يصعب علينا تنفيذه".
.jpg)
وجبة تشبه الفلسطينيين
أما ياسمين فمهندسة معمارية وفنانة ومصممة. وحين بدأت التفكير في المشروع، اختارت الوجبة التي ترى فيها أكثر ما يشبه الفلسطينيين. تقول: "الفطور دائمًا منتجات فلسطينية، من محاصيلنا، تختلف من موسم إلى موسم، ومن قرية إلى قرية".
وتراه "من أهم الوجبات في الثقافة الفلسطينية"، لأنه يجمع العائلة والأصدقاء. ومن هنا جاء سؤالها: كيف تعود هذه الوجبة إلى الطاولة من خلال قطع زجاجية تُصنع محليًا، بأوعية جديدة للفطور، وبصحون مألوفة تُقدَّم بطريقة جديدة؟"
ولم تنظر ياسمين إلى الماضي وحده. فهي تلاحظ ثقافة جديدة آخذة في الظهور، هي ثقافة الاستضافة، "وكيف صار الناس يهتمون بمنظر أدوات المائدة، والكؤوس والصحون التي نقدم فيها الطعام"، حتى صارت هذه الأدوات، مع ما في كل صحن، "تحدد هوية الطاولة كلها".
.jpg)
حين يعطي المصمم للقطعة قصة
لم يبدأ أبو مروان العمل مع المصممين مع ياسمين. فلعقود، كانت ورشته تنتج التحف والقطع السياحية التقليدية. وقبل خمسة عشر أو عشرين عامًا، بدأ التعاون مع مصممين، أولهم ديما سروجي، التي يقول إن لها "بعد الله فضلًا كبيرًا علينا".
حيث كانت الورشة في الماضي تبيع إنتاجها كله في السوق الإسرائيلية، ولم يكن أحد يعرف بها، وكانت قطعها تُسوّق هناك على أنها منتج إسرائيلي، "لا على أنها صنعتنا نحن الفلسطينيين". ثم جاء مصممون ومؤسسات عرّفوا الناس بالورشة، ورافقوها إلى معارض خارج البلاد، "فصارت هويتنا معروفة، وصار اسمنا معروفًا"، في فلسطين وخارجها.
واليوم، لا تقل نسبة عمل الورشة مع المصممين عن تسعين في المئة. ويرى أبو مروان أن وجود المصمم أحدث "نقلة نوعية كبيرة بين الأمس واليوم"، فقد "صار للقطعة معنى، وصارت لها قصة، وشكل مختلف تمامًا".
مائدة كاملة في قطعة واحدة
أرادت ياسمين أن تُستخدم القطع لأكثر من الفطور، وأن تُجمع كلها في قطعة واحدة. والسبب عملي، فأغلب الناس اليوم يسكنون شققًا صغيرة، "ولا توجد مساحات لتخزين طقم صحون كامل". لذلك صممت قطعًا تتصل وتتداخل وتتراكب وتنفصل، تحمل كل منها مكونًا من مكونات الفطور الفلسطيني، ولكل منها أكثر من استخدام.
وفكرت أيضًا في ما بعد الفطور. تقول: "فكرت كيف أترك الفطور على الطاولة لنعود ونأكل منه خلال النهار، على أن يكون مغطى ولا يؤثر على المنظر العام". ولهذا صُممت أغلب القطع لتحفظ ما فيها، وتبقى على سطح المطبخ أو على الطاولة "بمنظر يليق بالمكان".
.jpg)
هل تنجح القطعة؟
بدأ المشروع بتصاميم على الورق، ثم انتقل إلى الورشة. تقول ياسمين: "بدأت أجرب مع أبو مروان: هل يمكن أن تنجح الفكرة أم لا؟".
ومن هذه التجارب اكتشفت محددات كثيرة "يجب أن يكون المصمم على علم بها". فلبعض الأشكال قطر لا يمكن تجاوزه، وبعضها يجب أن يُفرّغ من الداخل "حتى لا ينفجر". وحين أرادا صنع قطع بطبقتين من الزجاج، اكتشفا أنها تحتاج إلى تفريغ بطريقة معينة، وإلا تحطمت. وتقول إن قطعًا كثيرة انكسرت بعد صنعها "لأنها لم تبرد بالشكل الصحيح"، حتى إن النماذج الأولى "اختلفت كثيرًا عن الشكل النهائي".
واختارت ياسمين أبو مروان أساسًا لأنه يعمل بالبايركس، وهو كما تشرح "آمن للاستخدام مع الطعام، ويتحمل الحرارة، ولا يحتوي على أي مادة سامة أو خطيرة".
لون الشمس على الطاولة
لم تكن ياسمين تريد شيئًا تقليديًا، ولا الألوان المألوفة في السوق. فصارت تبحث بين الألوان المتوفرة في الورشة عن تلك التي "تعكس ألوان الفطور الفلسطيني بطريقة أفضل".
ودليلها في ذلك الضوء. تقول: "في الفطور دائمًا أشعة شمس طبيعية، فكيف نعكس الشمس عبر الزجاج ومع ما في الصحن، وإلى أي حد ينعكس ذلك على الطاولة كلها؟".
يصل الزجاج إلى الورشة أنابيب جاهزة مستوردة، بعضها شفاف تمامًا وبعضها غير شفاف. واختارت ياسمين الزهري الفاتح والعسلي الشفافين، إلى جانب أصفر فاتح غير شفاف، لأن "العلاقة بين الشفاف وغير الشفاف هي التي تعطي الانعكاس الذي نحتاجه". وهكذا تتغير ملامح القطعة وهي تُستخدم، بحسب ما فيها من طعام وسوائل، وبحسب الضوء والظل.
.jpg)
بين الورشة ومطبخ البيت
تقول ياسمين إن تجربتها مع أبو مروان كانت "مختلفة كثيرًا، وداعمة للمشروع في الوقت نفسه". ولم يكن الوصول إلى جبع سهلًا دائمًا بسبب الاحتلال، لكنها كانت تعود من كل زيارة "بمعرفة أوسع عن الحرفة، وعن فلسطين، وعن تاريخ الحرفة".
وكان أبو مروان يستقبلها في كل زيارة بالفطور قبل أن يبدأ العمل، فرأت كما تقول أن لدينا "حقًا ثقافة فطور تجمع كل من يأتي إليك".
واليوم يمارس أبناء أبو مروان الحرفة ويساعدون في التصنيع، وتصف ياسمين التبادل بينها وبين أبو مروان وابنه مروان بأنه كان دائمًا، "حتى نخرج بأفضل القطع".
ولم تكن الورشة مكان التجربة الوحيد. تقول: "كنت آخذ القطع وأجربها في البيت، في الغسل وفي الاستخدام، ثم أعود وأقول له: يمكن أن نعدّل هذه حتى لا يتجمع فيها الماء، وتصبح أكثر عملية". وترى أن هذه الطريقة "تزيد الخبرة العملية للحرفي والمصمم معًا".
بعين الحرفي
ينظر أبو مروان إلى ياسمين بإعجاب واضح. يقول: "تصميمها كأن لها وقتًا طويلًا جدًا في هذا المجال". ويرى أن قطعها "مميزة وجميلة جدًا، وسهلة التسويق"، شرط أن يُحسن عرضها.
وتعرفت ياسمين إلى أبو مروان عبر جامعة بيرزيت، حين كان مشروع اليونسكو ينظم زيارات للطلاب إلى ورش نفخ الزجاج. وتقول إن ما يفاجئها أن "أغلب الناس في البلاد لا يعرفون أن حرفة الزجاج موجودة، أو يعرفونها معرفة سطحية".
وترى أن أهم ما أضافه المشروع أن المصمم صار قادرًا على تنفيذ ما يتخيله مع حرفيين فلسطينيين. تقول: "نجد دائمًا صعوبة في العثور على من يطبق لنا الفكرة، أو من نتناقش معه ويساعدنا في التنفيذ". وتقارن ذلك بمشاريع سابقة نُفذت في مصانع خارجية، "فلا يكون للقطعة معنى، بل تكون وظيفية فقط".
.jpg)
إلى كل بيت
هدف ياسمين أن تصبح المجموعة "جزءًا من بيت كل فلسطيني مهتم بثقافة الاستضافة الجديدة وبالفطور الفلسطيني التقليدي"، طقمًا يُستخدم كل يوم، ويليق بالبيت حين يأتي الضيوف.
أما أبو مروان، فيعرف أن الحرفة لا تستمر بلا جيل جديد. ويقول إن تعلمها يبدأ في سن صغيرة، كما بدأ هو، لكن الأساس "أن يحب الإنسان هذا العمل، وأن يكون هوايته، حتى يستطيع أن يتعلمه ويتقنه ويبدع فيه".
وتعود ياسمين في النهاية إلى ما تراه جوهر التجربة: "هنا نتحدث عن كيف خدمنا المجتمع، بتوفير فرص للمصممين الفلسطينيين لينفذوا أفكارهم من خلال حرف قد تندثر قريبًا، ومع حرفيين فلسطينيين".
.jpg)