
ليست أكوام النفايات التي تتكدس في شوارع المغير وأبو فلاح وترمسعيا مجرد مشكلة نظافة عامة، ولا نتيجة خلل تقني في جمع النفايات ونقلها. فما يجري يكشف جانبًا من معركة أوسع على الحيز الجغرافي الفلسطيني، وعلى الشروط المادية التي تتيح للناس البقاء في أرضهم وإدارة حياتهم اليومية. وحين يصبح التخلص من النفايات خاضعًا لقرارات الإدارة المدنية الإسرائيلية، تتحول الخدمة الأساسية إلى أداة ضغط تمسّ حق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم، وفي البقاء على أرضهم.
كان مكب البراشية، الواقع على بُعد نحو كيلومتر واحد غربي المغير، يخدم ثلاث قرى هي المغير وأبو فلاح وترمسعيا، ويقدّم خدمة لمجتمع يبلغ تعداده نحو عشرين ألف نسمة. وبعد منع استخدامه للنفايات السائلة، استمر في استقبال النفايات الصلبة، إلى أن أُغلق بالكامل قبل نحو أسبوعين، في أعقاب اعتداء المستوطنين على طواقم الخدمات عند مدخله.
ولم يتوقف الأمر عند الإغلاق. فقد طُلب من الهيئات المحلية الثلاث نقل نفاياتها إلى مكب عطارة شمال رام الله، الذي يبعد عن المغير نحو 25 كيلومترًا، فضلًا عن الحواجز العسكرية والبوابات التي تعترض الطرق وتطيل زمن الرحلات. رفضت الهيئات المحلية هذا التوجه، لكن القرى وجدت نفسها أمام أزمة تتفاقم يومًا بعد يوم، مع تكدس النفايات في الشوارع وتزايد المخاطر الصحية والبيئية.
قد يبدو الأمر خلافًا حول موقع بديل للتخلص من النفايات، لكن الفارق بين مكب يبعد كيلومترًا واحدًا وآخر يبعد نحو 25 كيلومترًا ليس مجرد فرق جغرافي. إنه فرق في استهلاك الوقود، وساعات عمل الشاحنات، وتكاليف الصيانة والتشغيل، وعدد الرحلات التي يمكن تنفيذها يوميًا. وفي واقع تتحكم فيه الحواجز والبوابات، تتحول المسافة إلى عبء إضافي على هيئات محلية محدودة الموارد، وعلى سكان يدفعون ثمن الأزمة من صحتهم وبيئتهم ومواردهم.
ومع ذلك، فإن اختزال القضية في الكلفة التشغيلية يُغفل جوهرها: من يملك حق تقرير أين يستطيع الفلسطينيون إدارة مرافقهم الأساسية والتخلص من نفاياتهم؟ ومن يحدد الشروط التي تُقدَّم الخدمات في ظلها، حتى عندما تكون هذه الشروط مرهقة ماليًا وبيئيًا للسكان؟
من السيطرة على الأرض إلى التحكم بشروط الحياة
لا يمكن فصل ما يجري في مكب البراشية عن السياق الاستيطاني المحيط بالمغير. فالبؤر الاستيطانية التي أقامها مستوطنون من جماعة «فتيان التلال»، المعروفة باعتداءاتها الإرهابية على الفلسطينيين، ليست مجرد مواقع معزولة؛ بل هي جزء من مشروع استيطاني يسعى إلى فرض السيطرة على المجال الجغرافي، وتوسيع الحيز المتاح للمستوطنين، وتضييق المساحة التي يستطيع الفلسطينيون العيش والتحرك والعمل فيها.
جاء الإغلاق الكامل لمكب البراشية عقب اعتداء المستوطنين على طواقم الخدمات عند مدخله، ثم تدخل قسم البيئة في الإدارة المدنية الإسرائيلية لفرض نقل النفايات إلى موقع بعيد. ولا يمكن التعامل مع هذا التدخل باعتباره إجراءً بيئيًا محايدًا منفصلًا عن الواقع الاستيطاني المحيط. فالإدارة المدنية تمارس سلطتها على الأرض والطرق والموارد والمرافق الفلسطينية ضمن منظومة تتيح فرض القيود على التجمعات الفلسطينية، فيما تتسع البؤر الاستيطانية على حساب مجالها الحيوي.
إن ما يجري ينسجم مع سياسة أوسع لا تقتصر على مصادرة الأرض أو منع أصحابها من الوصول إليها، بل تمتد إلى جعل الحياة عليها أكثر صعوبة وكلفة. فتعطيل المرافق الأساسية، وإرباك الخدمات، واستنزاف موارد الهيئات المحلية، كلها عوامل تضغط على السكان وتضعف قدرتهم على الصمود، وتحوّل البيئة المعيشية إلى عامل طرد إضافي.
بهذا المعنى، لا يمثل مكب البراشية تفصيلًا هامشيًا في المشهد. إنه مرفق حيوي يخدم نحو عشرين ألف فلسطيني، وإغلاقه بالكامل يفرض على القرى الثلاث أعباء بيئية واقتصادية جديدة، في وقت تتعرض فيه أراضيها وطرقها ومصادر رزق سكانها لضغوط استيطانية متواصلة. فالصراع على الأرض لا يجري فقط عند حدود المستوطنات والبؤر، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية وإمكانية استمرارها.
عطارة ليست حلًا لأزمة البراشية
إن اقتراح نقل النفايات إلى مكب عطارة لا يحل الأزمة بمجرد تغيير موقعها. فالمسافة الطويلة، والحواجز والبوابات، والكلفة الإضافية، تجعل البديل المقترح عبئًا تشغيليًا كبيرًا على المجالس المحلية. وإلى جانب ذلك، سبق أن أُثيرت شكاوى بشأن الآثار البيئية لمكب عطارة ومشكلات تشغيله، ما يطرح تساؤلات حول قدرته على استيعاب كميات إضافية من النفايات.
ولا يجوز أن تتحول معالجة أزمة المغير وأبو فلاح وترمسعيا إلى نقل العبء البيئي إلى منطقة أخرى، أو إلى فرض واقع جديد على الهيئات المحلية من دون مراعاة قدرتها على تقديم الخدمة واستدامتها. فالحل لا يكون بتوزيع الأزمة على تجمعات أخرى، بل بمعالجة أسبابها وضمان حق القرى الفلسطينية في إدارة مرافقها بصورة آمنة ومستدامة.
والأخطر أن قبول إحدى الهيئات المحلية بهذا البديل قد يحوّل الإجراء المفروض إلى أمر واقع. فالموقف المشترك للمجالس الثلاثة ليس مجرد تنسيق إداري، بل عنصر أساسي في الحفاظ على قدرتها التفاوضية والمطالبة بإعادة فتح المكب. وإذا تفرقت المواقف وأصبح لكل قرية مسار منفصل، فسيتراجع الضغط الجماعي، وقد يُستخدم قبول إحداها بالبديل لتكريس الواقع الجديد على القريتين الأخريين.
لكن رفض البديل المفروض لا يعني القبول بتكدس النفايات في الشوارع أو تعريض صحة السكان للخطر. المطلوب هو الجمع بين موقف موحد يرفض تكريس الإغلاق، وتحرك عاجل لمعالجة النفايات المتراكمة، والضغط من أجل استعادة الخدمة في مكب البراشية. فلا يجوز أن تتحول الأزمة الصحية والبيئية نفسها إلى وسيلة لإجبار المجالس على القبول بأمر واقع يضاعف كلفة الخدمة ويضعف قدرتها على الاستمرار.
أين المؤسسات الفلسطينية؟
هنا تنتقل المسؤولية إلى المستوى الوطني. لا يجوز أن تُترك الهيئات المحلية في المغير وأبو فلاح وترمسعيا وحدها في مواجهة الإدارة المدنية الإسرائيلية وقسم البيئة فيها، بينما تتحمل وحدها نتائج الإغلاق وتكدس النفايات.
إن وزارتي الحكم المحلي والبيئة الفلسطينيتين مطالبتان بتدخل فعلي يتجاوز متابعة الأزمة بوصفها مشكلة تشغيلية تخص ثلاثة مجالس قروية. فالمسألة تتعلق بحق الفلسطينيين في إدارة مرافقهم الأساسية، وبقدرة مؤسساتهم على حماية شروط الحياة في القرى الواقعة تحت ضغط الاستيطان.
المطلوب موقف وطني موحد يساند الهيئات المحلية، ويعمل على إعادة فتح مكب البراشية، ويواجه فرض البديل المكلف، ويوفر في الوقت نفسه معالجة عاجلة للنفايات المتراكمة حمايةً لصحة السكان وبيئتهم. كما ينبغي ألا تتحول محدودية موارد المجالس المحلية إلى ذريعة لتركها تواجه منفردة قرارات تتحكم في قدرتها على تقديم الخدمات.
إن ترك هذه المجالس وحدها لا يضعف قدرتها على تقديم الخدمة فحسب، بل يجزّئ الاستجابة الفلسطينية إلى أزمات محلية معزولة، بحيث تواجه كل قرية مشكلتها منفردة، فيما تتعامل الجهة التي تفرض القيود مع المجال الجغرافي بوصفه وحدة متكاملة قابلة لإعادة التشكيل. وهذا التفكيك يفتح الباب أمام فرض ترتيبات منفصلة على كل قرية، ويضعف إمكان بناء موقف جماعي يحمي مصالح السكان وحقوقهم. لذلك، فإن التنسيق الوطني ليس شعارًا سياسيًا، بل ضرورة عملية لمنع عزل القرى وإخضاع كل واحدة منها لشروط منفردة.
أما الحزب الأخضر الفلسطيني، الذي يفترض أن تكون حماية البيئة في صلب هويته وعمله، فله نصيب من هذه المساءلة. أين حضوره في أزمة بيئية تمس حياة نحو عشرين ألف مواطن؟ وأين صوته عندما تتكدس النفايات في الشوارع، وتصبح الصحة العامة والبيئة وحق المجتمعات المحلية في إدارة مرافقها موضع تهديد؟
لا يكفي أن يوجد حزب باسم البيئة على الورق، أو أن يحمل برنامجًا يتضمن عناوين عامة عن الاستدامة وحماية الطبيعة. فالعمل البيئي يُختبر عند وقوع الأزمات الفعلية، عندما تصبح حماية البيئة مرتبطة بالدفاع عن صحة الناس وحقهم في إدارة شؤونهم، وبمواجهة السياسات التي تضر بظروف حياتهم. وغياب الحضور الواضح للحزب في أزمة بهذا الحجم يطرح سؤالًا مشروعًا عن الفجوة بين هويته المعلنة ودوره الفعلي في حياة الناس.
إعادة فتح البراشية ضرورة بيئية ووطنية
المطلب الأساسي اليوم واضح: إعادة فتح مكب البراشية لاستقبال النفايات الصلبة والسائلة، وإنهاء الإغلاق الكامل الذي فاقم الأزمة في القرى الثلاث. فالمطلوب ليس تطبيع التعامل مع الإغلاق، ولا التسليم ببديل يضاعف الكلفة ويثير مخاوف بيئية، بل استعادة قدرة الهيئات المحلية على تقديم خدمة أساسية لسكانها.
وتذكّرنا أزمة البراشية بأن الصمود لا يتعلق بالأرض وحدها، بل بالقدرة على مواصلة الحياة عليها: توفير الماء والكهرباء، وإدارة النفايات، وحماية الصحة العامة، والحفاظ على المرافق التي تجعل الاستقرار ممكنًا. وعندما تُعطّل هذه المرافق، وترتفع كلفة تشغيلها، وتُترك الهيئات المحلية وحيدة في مواجهة النتائج، فإن الأثر يتجاوز حدود الخدمة إلى شروط البقاء نفسها.
إن الدفاع عن مكب البراشية هو دفاع عن حق المغير وأبو فلاح وترمسعيا في إدارة شؤونها، وعن حق سكانها في بيئة سليمة، وعن رفض تحويل الخدمات الأساسية إلى أدوات ضغط في مشروع التوسع الاستيطاني. ومن هنا، تقع على الحكومة الفلسطينية، ولا سيما وزارتي الحكم المحلي والبيئة، مسؤولية مباشرة في مساندة الهيئات المحلية وعدم تركها وحيدة في هذه المواجهة.
المطلوب موقف فلسطيني موحد لا يكتفي بإدارة آثار الأزمة، بل يعمل على إنهائها: معالجة عاجلة للنفايات المتراكمة، ورفض فرض البديل المكلف، وإعادة فتح مكب البراشية لاستقبال النفايات الصلبة والسائلة. فحق الناس في بيئة سليمة، وفي إدارة حياتهم بكرامة، جزء لا يتجزأ من حقهم في البقاء على أرضهم.