
كتب: أحمد زكي العريدي
صوره لم يحصل عليها نتنياهو للخيام وافتراش الشوارع قبل الانتخابات ليجمع اصوات فوزه بإلحاق الاذى بمدنيين عزل في الخليل.
ألمٌ يعتصر القلوب، وفخرٌ يرفع الرؤوس. هكذا تبدو الصورة في مدينة الخليل الفلسطينية، التي تواجه واحدة من أقسى محطات المعاناة الإنسانية، بعدما أجبرت قوات الاحتلال الإسرائيلي نحو 2200 فلسطيني على إخلاء منازلهم، في مشهد يعكس قسوة الاحتلال وسياساته القائمة على التهجير والعقاب الجماعي.
في التقديرات الأولية، يبدو أن بنيامين نتنياهو لم ينجح في تحقيق الصورة التي ربما أراد تسويقها أمام الشارع الإسرائيلي قبيل الانتخابات؛ صورة الفلسطينيين وهم يفترشون الشوارع، وينصبون الخيام، ويبحثون عن مأوى في العراء، بعد إجبارهم على ترك منازلهم بقوة السلاح.
لكن الخليل، بعائلاتها وأقاربها وتقاليدها الاجتماعية، قدمت مشهداً مختلفاً. فقد فتحت البيوت أبوابها لاستقبال النازحين، وتحولت روابط القرابة والتكافل الاجتماعي إلى جدار حماية في وجه مخططات التهجير. فبدلاً من أن تتكدس العائلات في الشوارع، وجدت أعداد كبيرة منها من يحتضنها ويؤويها، فيما لجأت عائلات أخرى إلى استئجار منازل، وسط تقديرات تشير إلى أن نحو 189 عائلة تمكنت من تدبير مأوى لها.
إن محافظة الخليل، التي تضم نحو سدس سكان الضفة الغربية، أظهرت في هذه المحنة أن المجتمع الفلسطيني، رغم قسوة الظروف وضيق الإمكانات، يمتلك قدرة كبيرة على مواجهة الأزمات بالتضامن والتكافل. كما سجلت بلدية الخليل ومؤسسات محلية أخرى موقفاً يستحق التقدير، من خلال التحرك لمساندة العائلات المتضررة والإعلان عن مركز للإيواء.
لقد أراد الاحتلال أن يفرض واقعاً من الخوف والتشرد، وأن يجعل من مشاهد النزوح رسالة تهديد لكل فلسطيني يتمسك بأرضه وبيته. غير أن التضامن الشعبي في الخليل حدّ من ظهور مشاهد التكدس في الشوارع والخيام، وأثبت أن البيت الفلسطيني لا يقتصر على جدرانه، بل يمتد ليشمل بيوت الأقارب والجيران وكل من يرفض ترك أبناء شعبه لمصيرهم.
ومع ذلك، فإن غياب مشاهد الخيام الواسعة لا يعني غياب الكارثة؛ فكل عائلة أُجبرت على مغادرة منزلها تعيش مأساة حقيقية، وكل طفل خرج حاملاً ألعابه أو ممسكاً بيد أمه، وكل أب اضطر إلى ترك بيته وممتلكاته، يمثل شاهداً على معاناة لا يمكن إخفاؤها بالتضامن وحده.
المشهد الأكثر إيلاماً ليس مشهد الخيام، بل مشهد الأطفال والعائلات وهم يغادرون منازلهم دون ذنب، تحت ضغط القوة العسكرية، في انتهاك صارخ لحق الإنسان في الأمن والسكن والكرامة.
إنها صورة مخزية لسياسة الاحتلال، وصورة مشرقة في الوقت ذاته لصمود المجتمع الفلسطيني. ألمٌ في الخليل، نعم، لكنه ألمٌ مخلوط بالفخر؛ فخرٌ بعائلات احتضنت أهلها، وبمؤسسات وقفت إلى جانب المتضررين، وبشعب يرفض أن تتحول معاناة أبنائه إلى مشهد من العجز والاستسلام.
لقد أثبتت الخليل أن التضامن يستطيع أن يحول دون ترك المهجّرين وحدهم في الشوارع، لكنه لا يعفي الاحتلال من مسؤولية إجبارهم على مغادرة منازلهم، ولا يلغي حقهم في العودة إليها. فالمطلوب ليس فقط توفير المأوى للنازحين، بل وقف التهجير، وحماية المدنيين، وضمان عودة العائلات إلى بيوتها بأمان وكرامة.
الخليل لم تهزم الألم، لكنها واجهته بالتضامن. ولم تُسقط معاناة التهجير، لكنها أسقطت صورة العجز التي أراد الاحتلال فرضها. وسيبقى السؤال: من يحاسب دولة الاحتلال على تشريد العائلات، وانتهاك حرمة البيوت، وتعريض الأطفال والمدنيين لهذه المعاناة.