لما عواد تكتب لوطن: المرأة الفلسطينية.... قراءة في المؤشرات

26/10/2026

 استعرض الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أبرز المؤشرات المتعلقة بأوضاع النساء والفتيات في فلسطين بمناسبة اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، تحت شعار المرأة الفلسطينية: صمود لا ينكسر وإرادة لا تهزم. البيانات المستمدة من مصادر رسمية وصحية وأممية ترسم لنا صورة مزدوجة حضور ديموغرافي قوي للنساء (حوالي 2.75 مليون امرأة، أي 49% من السكان نهاية 2025، موزعات بين 1.69 مليون في الضفة الغربية و1.06 مليون في غزة)، مقابل أعباء كارثية ناجمة عن العدوان المستمر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تشمل خسائر بشرية هائلة، نزوحا جماعيا، تدهورا صحيا واقتصاديا، وفجوات هيكلية في الحماية والتمكين والمشاركة.

هذا المقال سيحلل أبرز هذه المؤشرات، ليرصد الفجوات الرئيسية التي تكشفها الأرقام، سواء بين الجنسين أو بين المناطق (غزة والضفة) أو بين الواقع المعلن والسياسات المطلوبة.
الخسائر البشرية والنزوح.. عبء غير متناسب
ارتفع إجمالي الشهداء إلى 74,382 حتى 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بينهم أكثر من 12,500 امرأة، وتجاوز عدد الأمهات الشهيدات 9,000، إضافة إلى 42 صحافية. في الضفة الغربية استشهدت 28 امرأة من أصل 1,216 شهيدا. أما الجرحى فبلغوا نحو 175,416، تشكل النساء نحو 14% منهم (حوالي 24,537 إصابة مباشرة)، مع معاناة واسعة من إعاقات دائمة وآثار نفسية. لا يزال نحو 9,500 شخص في عداد المفقودين.
النزوح طال أكثر من مليوني شخص في غزة، تشكل النساء قرابة نصفهم. تضررت أو دمرت نحو 328,627 وحدة سكنية حتى تموز/يوليو 2026، ويعيش 1.4 مليون نازح في قرابة ألف موقع إيواء، مع اهتراء أكثر من 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً. في الضفة الغربية هدمت أو استولي على أكثر من 4,750 منشأة (منها 1,720 مسكنا مأهولا)، مما أدى إلى تهجير أكثر من 8,660 شخصا بينهم نحو 2,400 امرأة. كما سجلت أكثر من 800 حالة اعتقال بحق نساء في الضفة، بينما تفتقر غزة إلى بيانات دقيقة عن المعتقلات بسبب الإخفاء القسري.
الفجوة الأولى، التوثيق والخصوصية الجندرية في الخسائر، هناك نقصا واضحا في التفصيل حسب العمر والحالة الاجتماعية والموقع الجغرافي الدقيق داخل غزة، وفي توثيق الآثار النفسية طويلة الأمد والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع. غياب أرقام موثوقة عن المعتقلات في غزة يعيق المساءلة والحماية القانونية. كما أن التركيز على الأرقام المطلقة يخفي التفاوت في نسب الإصابات والإعاقات بين النساء والرجال، ويجعل الاستجابة الإنسانية أقل استهدافا.
الأسرة والرعاية.. تحول ديموغرافي قسري
فقدت 28,560 امرأة أزواجهن وأصبحن أرامل. ارتفعت نسبة الأسر التي ترأسها نساء في غزة من 12% قبل العدوان إلى نحو 18% (تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى حوالي 86,290 أسرة). هذه الأسر تواجه أعباء مضاعفة في الإعالة والرعاية في ظل انهيار مصادر الدخل وشبكات الدعم.
الفجوة الثانية، الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي للأسر التي ترأسها نساء،  الارتفاع الحاد في الأرامل والأسر المعيلة يكشف فجوة بين حجم التحول الهيكلي في الأسرة وبين برامج الحماية والتمكين المتاحة. لا توجد مؤشرات كافية عن نسب الوصول الفعلي لهذه الأسر إلى المساعدات النقدية أو برامج سبل العيش أو الدعم النفسي، مما يهدد بتعميق الفقر متعدد الأبعاد وتوارثه عبر الأجيال.
الصحة الإنجابية.. انهيار المنظومة
تضررت أو دمرت نحو 94% من مرافق الرعاية الصحية في غزة. تواجه نحو 50 ألف امرأة حامل مخاطر متزايدة (حوالي 180 ولادة يوميا)، مع تسجيل أكثر من 12 ألف حالة إجهاض وأكثر من 3,950 حالة فقدان حمل في النصف الأول من 2026. بلغت نسبة فقر الدم بين الحوامل 57.1%، ومعدل الاعتلال الشديد بين الأمهات 82 حالة لكل ألف ولادة، ونسبة الولادات القيصرية 49.2%. يعاني نحو 24,600 امرأة حامل ومرضع من سوء التغذية الحاد، ويتعرض نحو 107 آلاف لخطر انعدام خدمات الرعاية الأساسية. ارتفع معدل وفيات النساء في سن الإنجاب إلى 5.9 لكل ألف امرأة في 2025 مقارنة بـ0.7 في 2022.
الفجوة الثالثة استمرارية الخدمات الصحية الجندرية، الانهيار شبه الكامل للبنية الصحية يكشف فجوة هائلة بين الاحتياجات الطارئة والمستمرة (رعاية الحوامل والمرضعات والناجين من العنف) وبين القدرة التشغيلية المتبقية. غياب بيانات محدثة عن وفيات الأمهات التفصيلية وعن خدمات الصحة النفسية للنساء يحد من فعالية التدخلات.
التعليم والعمل.. إنجازات مهددة وفجوات بنيوية
رغم الدمار الذي طال أكثر من 179 مدرسة حكومية و105 مدارس أونروا و63 مبنى جامعيا، واستشهاد أكثر من 19 ألف طالب وطالبة، تبقى مؤشرات التعليم إيجابية نسبيا في الضفة: نسبة القراءة والكتابة بين الإناث 97% (99% بين الشابات 15-24 عاماً)، والإناث يشكلن 66% من طلبة الجامعات، والمعلمات 64% من كادر المدارس الحكومية.
في المقابل، بلغت البطالة بين النساء في غزة 92% (مقابل 81% للرجال)، رغم ارتفاع مشاركتهن في القوى العاملة من 17% إلى 20%. في الضفة الغربية مشاركة النساء 18% والبطالة بينهن 31% (مقابل 71% مشاركة و27% بطالة للرجال). البطالة بين الشابات حاملات الدبلوم فأعلى أعلى بكثير (51% مقابل 23% للشباب). كما تتقاضى 32% من العاملات أجورا دون الحد الأدنى، وتفتقر 23% إلى عقود رسمية، وتحرم 48% من حقوق عمالية أساسية.
الفجوة الرابعة سوق العمل والعمل اللائق، الفجوة الجندرية في المشاركة والبطالة وجودة العمل واضحة ومستمرة. ارتفاع المشاركة في غزة لم يترجم إلى فرص حقيقية بسبب الدمار، بينما في الضفة تبقى المشاركة منخفضة والحقوق منقوصة. غياب بيانات كافية عن الاقتصاد غير الرسمي والريادة النسائية الرقمية يحد من تصميم برامج فعالة.
المشاركة في صنع القرار.. تمثيل غير كاف
شكلت النساء 25.6% من الفائزين في انتخابات الهيئات المحلية 2026. بلغت نسبتهن 29% في المجلس المركزي و11% في المجلس الوطني. رغم أنهن 51% من موظفي القطاع العام، فإن نسبتهن في الوظائف القيادية العليا (مدير عام فأعلى) لا تتجاوز 17%. في قطاع العدالة: 25% قاضيات، 27% في النيابة، 10% في القضاء الشرعي، و7% فقط في الشرطة. في القطاع الاقتصادي: 2% فقط في مجالس إدارة الغرف التجارية، و14% في مجالس إدارة الشركات الخاضعة لرقابة هيئة سوق رأس المال.
الفجوة الخامسة الوصول إلى مواقع التأثير، الفجوة بين التمثيل العددي (خاصة في المستويات الدنيا) والنفوذ الفعلي في المستويات العليا واضحة. ضعف الحضور في الأمن والعدل والاقتصاد يعيق إدماج منظور النوع الاجتماعي في السياسات الأمنية والقضائية والاقتصادية، ويضعف تنفيذ أجندة المرأة والسلام والأمن (القرار 1325).
وهنا تكشف البيانات عن صمود استثنائي للنساء الفلسطينيات، لكنها تبرز فجوات هيكلية متداخلة:
1. فجوة التوثيق والبيانات الدقيقة (خاصة في غزة حول المعتقلات والعنف النفسي والجنسي).
2. فجوة الحماية الاجتماعية للأرامل والأسر المعيلة.
3. فجوة استمرارية الخدمات الصحية والإنجابية.
4. فجوة سوق العمل والعمل اللائق.
5. فجوة التمثيل الحقيقي في صنع القرار.
هذه الفجوات ليست مجرد أرقام؛ إنها تعكس غياب استجابة متكاملة تراعي النوع الاجتماعي في الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار. الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2025-2027 والمرصد الوطني للعنف ضد المرأة خطوتان إيجابيتان، لكنهما تحتاجان إلى تمويل مستدام، تنسيق أوسع مع الجهات الأممية، وإدماج النساء أنفسهن في تصميم البرامج ومراقبتها. بدون سد هذه الفجوات، سيظل الصمود الذي تحتفى به اليوم عرضة للانهيار تحت وطأة الأعباء المتراكمة.
المصادر الرئيسية: ملخصات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وبيانات وزارة الصحة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.