د. مروان طوباسي يكتب لوطن: من البرازيل إلى صربيا، إرادة الشعوب تتحدى اليمين المتطرف وتحالفاته

26/10/2026

في عالم تتصاعد فيه النزعات اليمينية المتطرفة، وتتراجع فيه قيم العدالة والقانون الدولي أمام منطق القوة والهيمنة، جاءت التطورات الانتخابية في البرازيل وصربيا لتفتح نافذة أمل، وتؤكد أن إرادة الشعوب ما زالت قادرة على تغيير موازين القوى، وأن صعود اليمين المتطرف وتحالفاته ليس قدرا تاريخيا محتوما.

ففي البرازيل، حقق الرئيس "لولا دا سيلفا" انتصارا انتخابيا بولاية رابعة، متقدما على فلافيو بولسونارو، ممثل اليمين المتطرف وامتداد المشروع السياسي لوالده. ولم يكن الفوز مجرد تجديد للثقة برئيس يساري، بل تعبيرا عن قدرة القوى الديمقراطية اليسارية والتقدمية على بناء تحالفات شعبية واسعة في مواجهة الشعبوية اليمينية والاستقطاب السياسي.

وتتجاوز دلالات هذا الانتصار حدود أمريكا اللاتينية، إذ يمثل انتكاسة للمحور اليميني المرتبط بسياسات ترامب ونتنياهو، ويعزز موقع البرازيل داخل مجموعة «بريكس» ومساعي بناء نظام دولي أكثر تعددية واستقلالا عن الهيمنة الأمريكية. كما يحمل أهمية خاصة لفلسطين، بالنظر إلى مواقف "لولا" المتقدمة في إدانة حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي، في مواجهة تيار "بولسونارو" المتحالف مع اليمين الإنجيلي الصهيوني المؤيد لإسرائيل.

وفي صربيا، استطاعت الحركة الطلابية التي انطلقت احتجاجا على الفساد وغياب المساءلة عقب كارثة محطة قطارات نوفي ساد عام ٢٠٢٤، أن تتحول إلى قوة شعبية وانتخابية واسعة، تتحدى هيمنة "ألكسندر فوتشيتش"، الذي عزز علاقات بلاده بإسرائيل وبنتنياهو تحديدا.

وتستعيد هذه التحولات أسئلة الهوية السياسية لصربيا، وريثة يوغسلافيا التي لعبت دورا بارزا في حركة عدم الانحياز ودعم الحقوق الفلسطينية، وإن كان من المبكر الجزم باتجاهات السياسة الخارجية الصربية الجديدة.

ورغم اختلاف ظروف التجربتين، فإن ما يجمعهما هو قدرة القوى اليسارية والديمقراطية الاجتماعية والشبابية على تحويل الاحتجاج إلى فعل سياسي منظم، ومواجهة منظومات التحالفات اليمينية عبر صناديق الاقتراع. وهي رسالة تتجاوز البلدين إلى أوروبا والولايات المتحدة، عشية انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بالكونغرس والأحداث الجارية بدول أوروبية، بأن مواجهة اليمين المتطرف تتطلب برامج اجتماعية مقنعة، وتحالفات شعبية واسعة، ومؤسسات ديمقراطية تستعيد ثقة المواطنين.

وهنا تبرز الدلالة الفلسطينية الأهم، فالشعب الذي يخوض معركة التحرر من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني يحتاج أيضا إلى تجديد نظامه السياسي وشرعياته الديمقراطية، واستعادة المشاركة الشعبية والمساءلة وسيادة القانون. إن استمرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية يضعف الجبهة الداخلية، في وقت تؤكد فيه تجارب الشعوب أن الديمقراطية ليست خيارا سياسيا، بل مصدر قوة في مواجهة الهيمنة والاحتلال باعتبارها أداة في معركة التحرر الوطني.

ولا تقدم البرازيل وصربيا وصفة جاهزة للحالة الفلسطينية، ولا تعني نتائجهما نهاية اليمين المتطرف أو تحالفاته الدولية، لكنها تؤكد أن التغيير ممكن حين تمتلك الشعوب إرادتها، وتتوفر قوى سياسية قادرة على تنظيمها وترجمة تطلعاتها إلى إرادة وبرامج ومؤسسات.

وفي زمن تتوالى فيه جرائم الاحتلال في فلسطين وقرارات ترامب اليمينية حول العالم، تحمل هذه التحولات بعض الأمل، وتذكرنا بأن معركة التحرر الوطني وتجديد الديمقراطية ليستا مسارين منفصلين، بل ركيزتين لمشروع وطني قادر على صناعة المستقبل.

*عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".