
كتب رامي الغف:
في غزة، لم يعد رغيف الخبز مجرد طعامٍ يسدّ الجوع، بل أصبح حلماً يراود ملايين القلوب المنهكة، وأمنيةً تسكن عيون الأطفال، ووجعاً يومياً يثقل كاهل الآباء والأمهات الذين أنهكتهم الحرب، وأرهقتهم تكاليف الحياة، وأصبحوا يبحثون عن أبسط حقوقهم الإنسانية: لقمة خبز تحفظ كرامتهم وتمنح أطفالهم القدرة على مواصلة الحياة.
يا لوجع غزة حين يصبح الخبز أمنية! ويا لقسوة المشهد حين يستيقظ الطفل صباحاً، فلا يجد ما يسدّ رمقه، وحين تعود الأم إلى أطفالها بيدين فارغتين، بعدما عجزت عن توفير رغيفٍ واحدٍ يطفئ نار الجوع في أجسادهم الصغيرة.
في غزة، لم يعد السؤال الذي يشغل بال كثير من الأسر: ماذا سنأكل اليوم؟ بل أصبح: هل سنجد ما نأكله أصلًا؟ وهل نستطيع تأمين رغيف خبز لأطفالنا قبل أن يحلّ المساء؟
إنها مأساة تتجاوز حدود الفقر والحاجة، لتلامس جوهر الكرامة الإنسانية، وتضع الضمير العالمي أمام اختبار حقيقي. فحين يعجز الإنسان عن توفير الخبز لأبنائه، لا تكون الأزمة أزمة مالٍ فحسب، بل تصبح أزمة حياة، وواقعاً قاسياً يسلب العائلات شعورها بالأمان والاستقرار.
إن توفير الغذاء حق أساسي لا يجوز أن يتحول إلى امتيازٍ لا يناله إلا القادرون على دفع الثمن. ورغيف الخبز الذي اعتادت الأسر الفلسطينية أن تضعه على موائدها أصبح، في ظل الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها قطاع غزة، رمزاً لمعاناة شعبٍ بأكمله.
الأطفال لا يفهمون تعقيدات السياسة، ولا يدركون حسابات المعابر والمساعدات والتفاهمات، ولا تعنيهم التصريحات والوعود بقدر ما يعنيهم أن يجدوا طعاماً يأكلونه، وماءً يشربونه، وبيتاً يشعرون فيه بالأمان.
والأم التي تقسم رغيفاً صغيراً بين أبنائها، محاولةً إقناعهم بأنها شبعت، بينما تخفي جوعها خلف ابتسامةٍ حزينة، تختصر حكاية آلاف الأمهات اللواتي يواجهن قسوة الحياة بصبرٍ يفوق الوصف.
أما الأب، الذي اعتاد أن يكون مصدر الأمان لعائلته، فيجد نفسه أحياناً عاجزاً أمام احتياجات أطفاله، لا لقلة إرادته، بل لأن الظروف تجاوزت قدرته على الاحتمال.
فمن المسؤول عن جوع الناس؟
إن استمرار المعاناة الغذائية في غزة يفرض ضرورة التحرك العاجل لضمان وصول الغذاء إلى مستحقيه، وتوفير الدقيق والخبز والوقود اللازم لتشغيل المخابز، وتأمين تدفق السلع الأساسية إلى الأسواق بصورة منتظمة، بعيدًا عن التعطيل والاستغلال والاحتكار.
كما أن المرحلة لا تحتمل تحويل معاناة المواطنين إلى فرصة لتحقيق الأرباح على حساب جوعهم. فكل من يستغل حاجة الناس، أو يحتكر السلع الأساسية، أو يرفع الأسعار بصورة غير مبررة، يضاعف أوجاع مجتمعٍ أنهكته الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجهات المعنية، والمؤسسات الإنسانية، والهيئات الرقابية، والتجار، وكل من يمتلك القدرة على التدخل والمساعدة، لضمان وصول الخبز والغذاء إلى العائلات الأكثر احتياجًا، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاستغلال أو التلاعب بقوت المواطنين.
فكرامة الإنسان الفلسطيني ليست مجالاً للمساومة، وجوع الأطفال ليس مادةً للتجارة، ولقمة الفقير ليست فرصةً لمراكمة الأرباح.
ومن هنا فإننا نوجّه نداءً إنسانياً عاجلاً إلى الأشقاء العرب، وإلى جمهورية مصر العربية، وإلى المؤسسات الدولية والإغاثية، وفي مقدمتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات العاملة في المجال الإنساني، من أجل تكثيف الجهود لتوفير الخبز والدقيق والمواد الغذائية الأساسية لأهلنا في قطاع غزة.
إن المطلوب ليس بيانات تضامن جديدة فحسب، بل خطوات عملية تضمن وصول المساعدات بصورة مستدامة، وتدعم المخابز، وتوفر الوقود ومستلزمات الإنتاج، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال والنساء وكبار السن والجرحى والمرضى.
كما ينبغي تعزيز الرقابة على الأسواق، وضمان عدالة توزيع المساعدات، ومنع استغلال الظروف الاستثنائية لتحقيق مكاسب على حساب المحتاجين، بما يحفظ كرامة المواطن ويمنحه حقه في الوصول إلى الغذاء دون إذلال أو تمييز.
إن غزة لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب أن يعيش أطفالها، وأن تجد العائلات ما يسدّ جوعها، وأن يعود الخبز إلى موائدها بدلاً من أن يبقى أمنيةً مؤلمة في ذاكرة الجائعين.
يا أهل غزة، يا من واجهتم قسوة الحرب بالصبر، وتمسكتم بالحياة رغم الدمار والنزوح والفقد، إن معاناتكم أكبر من أن تختصرها الكلمات، وإن صمودكم لا ينبغي أن يكون مبرراً لترككم وحدكم في مواجهة الجوع.
فالصمود لا يعني أن يُترك الإنسان بلا طعام، والصبر لا يعني أن تُحرم العائلات من حقوقها الأساسية، والإشادة بتضحيات الشعب لا تعفي أحداً من واجبه في توفير مقومات الحياة الكريمة له.
إننا نريد غزة التي يعود فيها الطفل إلى مدرسته، والأم إلى بيتها، والعامل إلى عمله، والمزارع إلى أرضه، وتعود فيها رائحة الخبز لتملأ الأزقة والبيوت، لا أصوات الجوع والأنين.
نريد أن يصبح رغيف الخبز أمراً طبيعياً على كل مائدة، لا خبراً عاجلاً، ولا مشهداً مؤلماً، ولا أمنيةً ينام الأطفال وهم ينتظرون تحقيقها في الصباح.
ختاماً، إن رغيف الخبز في غزة ليس مجرد لقمة، بل هو عنوان للكرامة، وامتحان للإنسانية، ومقياس لصدق التضامن مع شعبٍ دفع أثمانًا باهظة من حياته وأمنه ومستقبله.
فإلى كل صاحب قرار، وإلى كل مؤسسة قادرة على المساعدة، وإلى كل ضمير حي في هذا العالم: لا تتركوا أطفال غزة يواجهون الجوع وحدهم.
أطعموا الجائع، وأنقذوا الطفل، واحموا كرامة الإنسان. ففي غزة، لا ينبغي أن يكون رغيف الخبز حلماً، بل حقاً مصوناً لكل إنسان.
* إعلامي وباحث سياسي ودولي