الزراعة الذكية.. مدخل للإنتاج المستدام وللتكيف مع التغيرات المناخية

24/10/2026

كتب د. عقل أبو قرع

يزداد في الفترة الأخيرة الحديث عن ممارسات زراعية توصف ب "الزراعة الذكية"، ويتم التركيز على ممارسات زراعية لها علاقة بتداعيات التغير المناخي وبتعزيز الامن الغذائي من خلال استدامة الإنتاج في ظل ظروف من واقعنا الزراعي، تمتاز بشحة وعدم توفر مدخلات كافية للزراعة، سواء من حيث ضالة توفر المياه، والحيز أو الأرض أو التربة الخصبة، ومحدودية مدخلات التكنولوجيا والمواد الكيميائية من أسمدة ومبيدات وبلاستيك وغيرهما، وهذا الواقع هو الذي يحفز ويلائم التوجه نحو ممارسات ذكية في الزراعة.

وممارسات الزراعة الذكية ببساطة، هي الممارسات التي ترشد استعمال المدخلات للإنتاج الزراعي مقارنة مع الممارسات التقليدية التي اعتدنا عليها وبالأخص داخل البيوت البلاستيكية، والحصول على كمية وجودة من الإنتاج ان لم تكن أفضل فهي موازية للإنتاج التقليدي المتعارف عليه، ومن الامثلة على ذلك، ترشيد استخدام المياه الصالحة للزراعة، باستخدام الري بالتنقيط او المباشر على الجذر او الري المحوسب حسب الحاجة وليس الري العشوائي، والحفاظ على خصوبة التربة من خلال اجراء فحوصات بسيطة للعناصر الغذائية من بوتاسيوم ونيتروجين وفسفور قبل إضافة الأسمدة الكيميائية اليها بالكميات العشوائية التي اعتدنا عليها.

ونحن نعرف ان القطاع الزراعي في بلادنا، كان له دورا هاما، وساهم بنسبة معتبرة في الناتج المحلي الاجمالي، ولكن حسب تقارير حديثة، فأن مساهمة القطاع الزراعي الفلسطيني في الناتج المحلي الاجمالي قد تقلصت الى اكثر من النصف، اي من حوالي 9% في عام 1999 الى فقط حوالي 5% او اقل من ذلك خلال السنوات القليلة الماضية، ومن الاسباب لذلك هو القيود للوصول الى الارض والمياه، خاصة في المنطقة المصنفة "ج"، ولكن هناك اسباب اخرى، يمكننا التحكم بها، ومن خلالها يمكن ايلاء الاهتمام المطلوب لهذا

القطاع الانتاجي الهام، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي، وكذلك في تحقيق الامن الغذائي من حيث توفير المنتج الوطني، والحد من الارتفاع المتواصل في الاسعار وتشغيل المزيد من الايادي العاملة.

ومن ضمن ممارسات الزراعة الذكية استخدام وسائل غير تقليدية لمكافحة الآفات من حشرات وفطريات واعشاب، مثل استخدام المصائد لجذب الحشرات والتعشيب اليدوي أو الالي والتهوية المناسبة للبيت البلاستيكي التي تحد من الآفات والفطريات، واستخدام الاعداء الطبيعية للحشرات، وفي حالات معينة يمكن الاعتماد على استخدام مبيدات "اختيارية" وأمنة، أي مصممة على عدم الحاق الأذى بالبيئة المحيطة بالأفة، وفي نفس الوقت تتحلل كيميائيا بشكل سريع ولا يتبقى لها بقايا في المنتج أو المحصول، أي انها تمتاز ب "فترة أمان" قصيرة.

وفي بلادنا، يعتبر القطاع الزراعي من القطاعات الانتاجية التي نستطيع الحفاظ عليها ودعمها والتخطيط لها وبالأخص هذه الفترة مع التركيز أكثر على الاعتماد على الذات في ظل شح الدعم الخارجي والحصار الخانق، ومع أهمية الاستثمار في قطاعات انتاجيه مستدامه، تدر الدخل وتشغل الايادي العاملة وتحقق الامن الغذائي وتزيد التصدير الى الخارج، وفي خضم ذلك من المفترض أن يحتل القطاع الزراعي الفلسطيني الأولوية لمشاريع وخطط قادمة، ومنها التوجه ولو بشكل تدريجي نحو الممارسات الزراعية "الذكية.

ومن ضمن الممارسات الزراعية في اطار الزراعة الذكية، التي تضمن انتاجا مستداما وتساعد على التكيف مع أثار التغيرات المناخية، هي الاعتماد على الدورة الزراعية من اجل تقليل الآفات والحفاظ على خصوبة التربة، وانتقاء المحصول المناسب للتربة المحددة ، واستخدام الطاقة الكهربائية المتولدة من مصادر طاقة متجددة مثل الطاقة الشمسية، سواء لتهوية البيت البلاستيكي أو لضخ المياه للري أو لاستخدام الأجهزة، وكذلك الاستفادة من بقايا المحصول من اجل الحصول على السماد العضوي، والعمل على إعادة الاستخدام لمدخلات الإنتاج مثل البلاستيك او اللجوء الى إعادة التدوير.

ومن ضمن الممارسات الزراعية الفعالة، هي الحفاظ على الانتاج بالجودة والكمية المناسبتان والوصول الى الأسواق بالشكل الملائم، والمطلوب من خلال الممارسات الزراعية الذكية التركيز على إجراءات ما بعد الحصاد، من ناحية التعامل مع المحصول بالفرز والتخزين ووضعة بالشكل المناسب للتسويق، والحفاظ عليه من الهدر والخسارة خلال عملية ايصاله بعد الحصاد الى المستهلك، مع العلم ان الاحصائيات تشير الى فقدان حوالي 30% من جودة المنتجات خلال معاملات غير سليمة للمنتج فيما بعد الحصاد.

ومع زخم التحفيز للعودة الى الأرض والاعتماد على الزراعة، وفي ظل الازمات الحادة التي افرزتها وما زالت تفرزها الأوضاع الحالية في بلادنا وبالأخص على صعيد الامن الغذائي، فأن التخطيط العلمي من خلال تبني والاستثمار في ممارسات زراعية "ذكية"، والى التفكير والتخطيط الاستراتيجيان، والى ايلاء قطاع الزراعة وبالتحديد الزراعة في الاراضي الخصبة التي تحوي المياه الجوفية الاهمية في اي خطط تنموية استراتيجية.

وبالأخص في مناطق جغرافية مثل منطقة الاغوار الفلسطينية ومنطقة سهل مرج ابن عامر، السلال الغذائية لفلسطين، والتوجه نحو ممارسات زراعية مستدامة يعني توفير المزيد من الفرص للعمل وتحقيق الاستقرار المجتمعي، والحفاظ على الأرض وعلى التربة والتنوع الحيوي وعلى الاسعار، وتوفير المنتج الوطني وبالتالي حماية الامن الغذائي من تداعيات واحداث نحن الأكثر هشاشة في التعرض لهل، وتحقيق انتاج مستدام وفي نفس الوقت تساعد على التكيف مع تداعيات التغير المناخي التي تعتبر الزراعة من اكثر القطاعات تأثرا سلبيا بها وبأثارها المتزايدة.