
كتب رامي الغف: تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مرحلة بالغة الخطورة، في ظل أزمة مالية متفاقمة وتوجهات نحو تقليص أعداد الموظفين، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل آلاف العاملين وعائلاتهم في مناطق عمليات الوكالة الخمس: الأردن، والضفة الغربية، وقطاع غزة، ولبنان، وسوريا.
وخلال اجتماع عُقد مع المفوض العام للوكالة، أُبلغ المؤتمر العام لاتحادات ونقابات الموظفين بوجود توجهات نحو تسريحات واسعة، نتيجة عدم توفر التمويل الكافي لتغطية العجز المالي وضمان استمرار الالتزامات تجاه العاملين.
هذه التطورات تضع الموظفين أمام مستقبل مجهول، وتثير تساؤلات حول مصير من أمضوا سنوات في خدمة اللاجئين الفلسطينيين، ليجدوا أنفسهم اليوم مهددين بفقدان وظائفهم ومصدر رزق عائلاتهم.
الموظفون ليسوا أرقامًا في الميزانية
إن تحميل العاملين تبعات الأزمة المالية يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الوظيفي والمعيشي لآلاف الأسر، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي تشهدها المنطقة.
ولا تقتصر خطورة هذه الإجراءات على الموظفين وحدهم، بل تمتد إلى الخدمات التعليمية والصحية والإغاثية التي تقدمها الوكالة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، ما يجعل حماية الكادر البشري ضرورة لضمان استمرار رسالتها الإنسانية.
فالأونروا لا تستطيع الحفاظ على خدماتها الأساسية إذا أصبح موظفوها أنفسهم مهددين بفقدان الأمان الوظيفي والمعيشي.
مهلة أسبوع.. وتحرك نقابي عاجل
وبحسب ما جرى خلال الاجتماع، منح المفوض العام المؤتمر العام مهلة أسبوع لبحث حلول وبدائل يمكن أن تسهم في معالجة الأزمة المالية وتخفيف آثارها على الموظفين.
وعلى ضوء ذلك، تقرر عقد اجتماع عاجل لرؤساء الاتحادات والنقابات في الأقاليم كافة، يوم الجمعة، الساعة الثانية والنصف ظهرًا، لبحث التطورات وتوحيد المواقف ووضع مقترحات عملية للدفاع عن حقوق العاملين.
وتتطلب المرحلة الحالية موقفًا نقابيًا موحدًا، يقوم على رفض تحميل الموظفين وحدهم مسؤولية الأزمة، والضغط باتجاه توفير التمويل اللازم، والبحث عن بدائل تحفظ الوظائف والحقوق المكتسبة.
كما تبرز ضرورة التواصل مع الدول المانحة والمجتمع الدولي، لحثهم على تحمل مسؤولياتهم تجاه الوكالة وضمان استمرار خدماتها الإنسانية.
الأونروا أمام اختبار حقيقي
إن الأزمة الحالية تتطلب تحركًا مسؤولًا من المفوض العام، والاتحادات والنقابات، والدول المانحة، لتجنب تحويل العجز المالي إلى أزمة اجتماعية تطال آلاف الموظفين وعائلاتهم.
فالمطلوب ليس إدارة التسريحات، بل البحث عن حلول تمنعها، وتحافظ على استقرار العاملين واستمرار الخدمات المقدمة للاجئين.
المطلوب ليس إدارة التسريحات.. بل البحث عن حلول تمنعها
إن التعامل مع الأزمة المالية للأونروا يجب أن يبدأ بالبحث الجاد عن بدائل تحمي الموظفين، وليس بالتسليم بأن التسريح هو الخيار الوحيد المتاح.
وعليه، فإن الاتحادات والنقابات مطالبة بالتحرك نحو:
- **الشفافية المالية:** مطالبة المفوض العام بتوضيح حجم العجز المالي وأسبابه، والإجراءات المتخذة لمعالجته.
- **الضغط على الدول المانحة:** تكثيف الاتصالات لتوفير تمويل إضافي ومستدام يضمن استمرار الوكالة وخدماتها.
- **حماية الموظفين:** رفض تحميل العاملين وحدهم تبعات الأزمة، وضمان عدم المساس بحقوقهم المكتسبة.
- **طرح بدائل عملية:** دراسة إجراءات إدارية ومالية لتقليل النفقات دون اللجوء إلى التسريحات الجماعية.
- **الحوار والضمانات:** عدم اتخاذ قرارات مصيرية بحق الموظفين دون حوار جاد وضمانات واضحة تحفظ أمنهم الوظيفي والمعيشي.
- **وحدة الموقف النقابي:** توحيد التحرك في جميع الأقاليم، وتنسيق الجهود للدفاع عن حقوق العاملين بعيدًا عن المعالجات المنفردة.
كما يتحمل المجتمع الدولي والدول المانحة مسؤولية مباشرة في دعم الأونروا، لأن استمرار الأزمة دون حلول حقيقية لن يهدد الموظفين وعائلاتهم فحسب، بل سينعكس أيضًا على الخدمات الإنسانية المقدمة للاجئين الفلسطينيين.
رسالة إلى المفوض العام: الموظفون ليسوا أرقامًا في الميزانية
إن موظفي الأونروا ليسوا أرقامًا يمكن حذفها من كشوفات الرواتب، ولا عبئًا ماليًا يمكن التخلص منه عند اشتداد الأزمات. إنهم أصحاب سنوات من العمل والعطاء، ولديهم عائلات وأطفال والتزامات معيشية، ويواجه كثير منهم، خصوصًا في قطاع غزة، ظروفًا إنسانية واقتصادية قاسية.
ومن غير المقبول أن يجد الموظف نفسه مهددًا بفقدان وظيفته ومصدر رزقه، دون ضمانات واضحة أو بدائل تحفظ استقراره وكرامته.
إن حماية الموظفين يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي خطة لمعالجة الأزمة، لا بندًا ثانويًا يُترك للتفاوض بعد اتخاذ القرارات.
فالمطلوب اليوم حلول مسؤولة، وتمويل مستدام، وحوار جاد يضمن حقوق العاملين ويصون مستقبل الأونروا ورسالتها الإنسانية.
إن الأونروا في مهب الريح، وموظفيها ليسوا وحدهم من يواجهون العاصفة، بل آلاف العائلات التي تنتظر موقفًا يحمي حقوقها وكرامتها ومستقبلها.
ويبقى السؤال: هل تتحول المهلة المحددة إلى فرصة لإنقاذ الوظائف وصون حقوق الموظفين، أم يجد آلاف العاملين أنفسهم على قارعة الطريق؟