
توجيه نتنياهو التحية للمستوطنين ووصفهم بـ" الأبطال" تؤكد استحالة الرهان على مشاريع التسوية في ظل استمرار سياسات الاحتلال القائمة على القتل والتدمير والاستيطان
على المجتمع الدولي أن يخجل من نفسه في ظل هذه الجرائم.
ما تشهده مدينة الخليل يأتي في سياق الظلم التاريخي والمستمر للشعب الفلسطيني من قتل وإبادة وتطهير عرقي وتهجير
الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية لإحداث تغيير جوهري في السياسات تجاه الفلسطينيين هو رهان على الوهم
نتنياهو حاول جعل الملف الإيراني محور المشهد الانتخابي إلا أن العملية الأخيرة أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش السياسي الإسرائيلي
تصريحات سموتريتش بشأن التغيير الديموغرافي وهدم المنازل دون انتظار المسار القضائي، تكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية المتعلقة باحترام القانون
وطن للأنباء: قال المدير العام لمركز وطن للدراسات وأبحاث المستقبل، د. معمر عرابي ، في لقاء على قناة الميادين، إن تصريحات بنيامين نتنياهو التي يوجه فيها التحية إلى المستوطنين ويصفهم بالأبطال، رغم ما يرتكبه المستوطنون من اعتداءات متواصلة بحق الفلسطينيين، تكشف حقيقة المشهد السياسي الإسرائيلي، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، قائلاً أنه على المجتمع الدولي أن يخجل من نفسه في ظل هذه الجرائم.
وأضاف عرابي أن هذه التصريحات تؤكد، استحالة الرهان على مشاريع التسوية في ظل استمرار السياسات الإسرائيلية القائمة على القتل والتدمير والاستيطان، معتبرا أن الاعتقاد بأن المشكلة تقتصر على نتنياهو أو سموتريتش هو رهان خاطئ، وأن المجتمع الإسرائيلي يتجه، نحو مزيد من التطرف والفاشية.
وأوضح أن ما تشهده مدينة الخليل يأتي في سياق الظلم التاريخي والمستمر الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، مشيرا إلى أن الفلسطينيين يعيشون في ظل نظام فصل عنصري، وأن الاحتلال يمارس سياساته القمعية بصورة يومية. ولفت إلى أن الخليل، باعتبارها من أكبر محافظات الضفة الغربية وتضم مركزا استيطانيا رئيسيا، تمثل إحدى ساحات المواجهة الأساسية مع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
وأشار عرابي إلى أن التهديدات الإسرائيلية بإحداث تغييرات ديموغرافية في الخليل، على غرار ما شهدته مناطق شمال الضفة الغربية، تعكس، أن ما يجري لا يقتصر على منطقة بعينها، بل يندرج ضمن سياسة ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني وأرضه.
وبيّن أن العدوان على غزة خلال السنوات الماضية حظي بتغطية إعلامية واسعة، في حين ظل ما يجري في الضفة الغربية أقل حضورا في المشهد الإعلامي، رغم ما تشهده من اعتداءات وعمليات هدم وتدمير وتهجير.
واعتبر أن التطورات في الخليل، بما فيها استهداف منازل المواطنين الفلسطينيين، تمثل امتدادا لسياسات التهجير القسري والتطهير العنصري، محذرا من أن هذه الممارسات تندرج ضمن مشروع أوسع لإحلال المستوطنين وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي على حساب الفلسطينيين.
وأوضح د. معمر عرابي أن الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية لإحداث تغيير جوهري في السياسات تجاه الفلسطينيين هو رهان على الوهم، سواء تعلق الأمر باليمين أو باليمين الأكثر تطرفا، مشيرا إلى أن التنافس بين القوى السياسية الإسرائيلية يدور، حول من يتبنى سياسات أكثر تشددا تجاه الفلسطينيين.
وأضاف أن نتنياهو حاول جعل الملف الإيراني محور المشهد الانتخابي، على حساب القضية الفلسطينية، إلا أن العملية الأخيرة والتطورات الميدانية أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش السياسي الإسرائيلي، وفرضت نفسها على أجندة الانتخابات.
واعتبر عرابي أن رد فعل نتنياهو على العملية في الخليل، بما في ذلك قطع زيارته إلى القدس المحتلة والدعوة إلى وقف البرامج الانتخابية، يعكس حجم الارتباك الذي أحدثته العملية، لا سيما أنها جاءت قبل أيام من الانتخابات، وفي وقت سعى فيه نتنياهو إلى تكريس رواية مفادها أن المقاومة الفلسطينية فقدت قدرتها على التأثير، وأن حاضنتها الشعبية تراجعت بعد سنوات من الحرب والإبادة في قطاع غزة.
وأشار إلى أن العملية جاءت، على خلاف التوقعات الإسرائيلية، وأعادت طرح أسئلة بشأن قدرة حكومة الاحتلال على تحقيق أهدافها المعلنة، لافتا إلى أن نتنياهو يسعى إلى استثمار التطورات الميدانية في حملته الانتخابية وتوظيفها لتعزيز موقفه أمام الناخب الإسرائيلي.
وفي المقابل، حذر عرابي من أن ما تشهده مدينة الخليل من اعتداءات متواصلة واستهداف للمنازل الفلسطينية يمثل، تصعيدا في سياسة التهجير والتطهير العرقي الممنهج، مؤكدا أن محاولة تصوير هذه الإجراءات على أنها وسيلة للقضاء على الحاضنة الشعبية للمقاومة تعكس استمرار النهج الإسرائيلي القائم على الضغط على الفلسطينيين واستهداف وجودهم على أرضهم.
وأشار د. معمر عرابي إلى أن ما يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية من ظلم واعتداءات متواصلة ينعكس في حالة من الالتفاف الشعبي والجماهيري حول المقاومة، مؤكدا أن حجم الجرائم الاسرائيلية في الضفة يتجاوز في كثير من الأحيان الصورة التي تنقلها وسائل الإعلام الغربية.
وأوضح أن عمليات الهدم الإسرائيلية في الخليل لم تعد تقتصر على منزل منفذ العملية، بل اتسعت لتشمل عددا أكبر من منازل المواطنين، لافتا إلى أن التقارير المتداولة حتى الآن تتحدث عن استهداف أكثر من 11 منزلا، في ظل مؤشرات على تطهير عرقي وتغييرات ديموغرافية تستهدف المنطقة التي شهدت العملية.
وأضاف أن تصريحات سموتريتش بشأن التغيير الديموغرافي وهدم المنازل دون انتظار المسار القضائي، تكشف، زيف الادعاءات الإسرائيلية المتعلقة باحترام القانون، مشيرا إلى أن الاحتلال بات يتجه نحو سياسات أكثر تشددا منذ السابع من أكتوبر، في إطار محاولة حسم الصراع، وإنهاء الوجود الفلسطيني على أرضه.
ولفت عرابي إلى أن تصريحات نتنياهو التي يصف فيها المستوطنين بالأبطال، رغم الاعتداءات التي ينفذونها بحق الفلسطينيين، تعكس حجم التناقض في الخطاب الإسرائيلي، في وقت تتواصل فيه اعتداءات المستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم، بما يشمل حرق المنازل والسيارات، والاعتداء على الأراضي الزراعية وقطف أشجار الزيتون.
وأكد أن هذه الممارسات تجري في ظل توسع استيطاني متواصل واعتداءات تستهدف الفلسطينيين في مختلف مناطق الضفة الغربية، داعيا المجتمع الدولي، الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحل الدولتين، إلى تحمل مسؤولياته إزاء ما وصفه بالجرائم والانتهاكات الإسرائيلية.
وقال د. معمر عرابي إن الإسرائيليين يسعون، إلى تصحيح ما يعتبرونه خطأ تاريخيا تمثل في إبقاء الفلسطينيين على أرضهم على مدار 78 عاما، مشيرا إلى أن السياسات الإسرائيلية الحالية تعكس توجها نحو الانتقال من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه، عبر تصعيد الاعتداءات وتوسيع الاستيطان وممارسات المستوطنين المتواصلة بحق الفلسطينيين.
وفيما يتعلق بمستقبل السلطة الفلسطينية، قال د. معمر عرابي إن التجربة السياسية الممتدة لأكثر من ثلاثين عاما من الرهان على التسوية تستدعي مراجعة وطنية شاملة، معتبرا أن الاعتقاد بإمكانية تحقيق مشروع وطني من خلال هذا المسار لم يفضِ إلى تحقيق تطلعات الفلسطينيين في الحرية والاستقلال.
وأضاف أن تصريحات سموتريتش التي تستهدف السلطة الفلسطينية وتدعو إلى إنهاء وجودها تطرح تساؤلات جوهرية بشأن دور السلطة ومستقبلها، في ظل ما وصفه بغياب السيادة الفعلية على الأرض، واستمرار الاحتلال في التحكم بمفاصل الحياة الفلسطينية واتخاذ القرارات الأساسية في الضفة الغربية.
وأوضح عرابي أن السلطة الفلسطينية باتت، سلطة بلا سلطة فعلية، مشيرا إلى أن التحدي الأساسي أمامها يتمثل في تحديد طبيعة دورها ووظيفتها السياسية والوطنية، ومدى قدرتها على قيادة مشروع تحرري يفضي إلى الاستقلال.
وأكد أن أي سلطة تستمد شرعيتها من قدرتها على تحقيق تطلعات شعبها، معتبرا أن الدفاع عن السلطة الفلسطينية يرتبط بمدى قدرتها على تبني مشروع وطني وسياسي واضح يقود إلى الحرية والاستقلال، محذرا من أن استمرار الوضع القائم، وتحول السلطة إلى إطار محدود الصلاحيات يخضع للابتزاز والضغوط الإسرائيلية، قد يجعلها عبئا وطنيا وأخلاقيا.
ودعا عرابي إلى إعادة تقييم الاتفاقيات الموقعة والمسار السياسي الذي اتبعته القيادة الفلسطينية على مدار أكثر من ثلاثة عقود، معتبرا أن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة شاملة للخيارات الوطنية، والتخلي عن الرهان على تسوية لم تحقق ، الأهداف التي عُلّقت عليها آمال الفلسطينيين.
وقال د. معمر عرابي إن اتفاقية أوسلو شكلت، محطة مفصلية في التجربة السياسية الفلسطينية، معتبرا أن الرهان على إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تنتهي عام 1999، وهو ما كان في الرئيس الراحل ياسر عرفات، لكنه تحول إلى مسار لم يحقق أهدافه، في ظل استمرار الاستيطان وتوسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
وأضاف أن ما جرى خلال مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 كشف، حدود الرهان على التسوية، مشيرا إلى أن الفجوة بين الوعود السياسية والواقع الميداني اتسعت على مدار أكثر من ثلاثة عقود، بالتزامن مع التوسع الاستيطاني وتزايد القيود المفروضة على الفلسطينيين.
وأوضح عرابي أن التحولات التي شهدتها الضفة الغربية منذ توقيع اتفاقية أوسلو تعكس، انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة أكثر اتساعا، إذ لم يعد الاستيطان مقتصرا على تجمعات محددة، بل بات يشكل منظومة متكاملة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، مدعومة بوجود عسكري وإجراءات تحد من حرية حركة الفلسطينيين وتواصلهم الجغرافي.
وبيّن عرابي أن اتفاقية أوسلو، التي قسمت الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج»، لم تمنع إسرائيل من توسيع عدوانها، معتبرا أن استمرار الاحتلال في التحكم بالأرض والموارد ومختلف مناحي الحياة الفلسطينية جعله أقل تحملا للمسؤوليات التي يفرضها القانون الدولي الإنساني على القوة القائمة بالاحتلال، فيما يتحمل الفلسطينيون أعباء متزايدة في مجالات الأمن والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
وأكد أن هذه الوقائع تضع علامات استفهام جدية أمام إمكانية تطبيق حل الدولتين في ظل التوسع الاستيطاني وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، مشددا على أن أي نقاش جدي بشأن التسوية السياسية يجب أن يأخذ في الحسبان واقع السيطرة الإسرائيلية، والقيود المفروضة على الفلسطينيين، ومدى إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة. مؤكدا أن الحاكم الفعلي في الضفة الغربية هو سموترتش.
وأشار إلى الظروف الحياتية التي يعيشها الفلسطينيين، فهناك اكثر من الف بوابة على مداخل المخيمات والمدن والقرى.. يعيش الفلسطينيون فيأخطر وأسوأ نظام عنصري، حيث الشعب الفلسطيني يجوع ويقتل على مرأى ومسمع هذا النظام العربي الرسمي البائس، وقد تآمر عليه القريب قبل البعيد.
وقال د. معمر عرابي إن ما تشهده الضفة الغربية من اعتداءات وإجراءات إسرائيلية يتجاوز الصورة التي تنقلها بعض وسائل الإعلام الغربية، مشيرا إلى أن هناك التفافا جماهيريا وشعبيا فلسطينيا يعبّر عن رفض الظلم والعدوان، في ظل تصاعد القيود المفروضة على حياة المواطنين.