
كتب محمد أحمد سالم: في قلب بحري، كان الحديث معه لا يُملّ ولا يُكل؛ فهذا الخيال أسطورة تمشي على حد الشفرة ولا تجرح! تجسيدٌ حي لروح التحدي والسخرية، موصول بقلم ينبض بالفن والحياة. كان ذلك خلال جلسة مفعمة بالكلمات والمرح، بعد تماثله للشفاء من وعكة سياسية.
قلت له: أدام الله عليك الصحة و متعك بالعافية
يا صديقي، يا صاحب القلم والقلب الذي لم يفارق الشباب. رغم تجاوزك نكبة الثمانية والأربعين، فتنبه لذلك الشعور الوطني، فقد كان – وما زال – يحمل سؤالاً أزلياً لا يفارقه: كيف تُسرق الثورة؟ كيف يتحول المحررون إلى جلادين؟ كيف يصبح الطغيان الجديد أشد قسوة من القديم، ليُدمر مقدرات الشعب ويُبدد القضية؟!
قال بصوت شجي: ليس من حق مخلوق أن يقتطع جزءاً من الوطن ليحوله إلى غابة خاصة. والذين يظنون أن بالإمكان مهادنة ذلك أو إرجاء التعامل معه، يتوهمون أن الأفعال الجانحة تتوقف عند حد، لكن بدافع المصالح الضيقة والحزبية، يحتل هؤلاء أماكن جديدة كلما أتيحت لهم الفرصة...تنزل من بيتك فتواجه بحاجزٍ طيّار يطلب رجاله تفتيشك، والويل لك إن كنت في الصف الآخر! وهذا ما حدث حتى من قبل تنفيذ مخطط الانقسام والخراب.
ثم أردف خيال الظل قائلاً: خير الكلام ما قلّ ودلّ، وبئس الموالسة من أفقر وأذل! هذا بعض ما كان وما زال يحدث في البلد من القسوة والاستبداد والشدة...جفاءٌ وغلظة تُضاف فوق الهموم. لقد رأى الشعب احتلالاً من الداخل، لمس كيف يعمل، وشهد القمع والإهانة والعنف اليومي الذي يمارسه نظام الموالسة، وهم الوجه الآخر لعملة رديئة يمثلها من نصبوا أنفسهم اتحاد ملاك القضية؛ في تخاذلهم وتفرقتهم ونزاعهم وسط الفواجع الجسام، متفقين دوماً على ألا يتفقوا.
فقلت له: وهذا المعنى لا يمكن تفسيره إلا بأن البلاد أثقلها الاحتلال، وزاد طينها بلة أصحاب المصالح الشخصية من رؤوس الفساد والإفساد، حتى أصبحت الناس تبغضهم وتبغض كل ما يأتي عن طريقهم، ولو كان فيه الخير!!
تبسم بمرارة وقال: وأنّى يأتي الخير من وجوه هؤلاء الأراذل؟! فحوادثهم وسياساتهم الاستبدادية الفاسدة جُسِّدت للعالم بصورة بشعة، وأوضحت أعمالهم السوداء بما لا يتفق مع مكانة القضية ولا قدسيتها...والأغرب من ذلك، أنهم يطالبون الشعب بتصديقهم واستمرار فسادهم!
أردفتُ مستنكراً: ولن نتعلم! ما زلنا سُذّجاً وسنظل كذلك ما دمنا نكرر الأخطاء عينها، ونصدق الوعود ذاتها، رغم أن الأيام أثبتت مراراً زيفها. الفطنة لا تحتاج إلى مزيد من التجارب، بل إلى قليل من الوعي... المشكلة ليست في أن نخطئ، بل في أن نجترّ الخطأ ذاته، ونمنح الثقة لمن خذلونا، ونعلق آمالنا على سراب، السذاجة الحقيقية أن ننتظر من الوجوه ذاتها نتائج مختلفة!
وهنا أطرق خيال الظل وقال: أتساءل دوماً.. ما هو المجتمع المريض؟ يعرّف عالم النفس "إريك فروم" المجتمع المريض بأنه ذلك الذي يخلق الكراهية والشك بين أفراده، ويحرم الإنسان من الشعور بقيمته الذاتية ليجعله خاضعاً للآخرين.. وللأسف، إن طبقنا هذا التعريف على واقعنا سينطبق انطباقاً كلياً. لم نكن هكذا، فما الذي جرى لنا؟!
وللحديث بقية.