
كتب اسماعيل الريماوي: لم تكن السياسة الخارجية الأمريكية، على امتداد عقود، مجرد ممارسة دبلوماسية تهدف إلى حماية المصالح المشتركة أو نشر الديمقراطية، كما دأبت الإدارات المتعاقبة في واشنطن على ترديد ذلك، ففي محطات تاريخية عديدة، كشفت الوثائق والممارسات أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية كانت حاضرة بقوة في قرارات التدخل، وأن شعارات الحرية والاستقرار كثيراً ما اصطدمت بحسابات الشركات الكبرى والنفط وموازين القوى الدولية.
من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، تتكرر أسئلة جوهرية حول حق الشعوب في اختيار أنظمتها، وحدود التدخل الخارجي، والدور الذي تلعبه المصالح الاقتصادية والأمنية في تقرير مصير الدول، وبين الانقلابات العسكرية والحروب والعقوبات الاقتصادية، تطورت أدوات النفوذ الأمريكي، لكن الصراع بين إرادة الشعوب ومصالح القوى الكبرى ظل قائماً.
الشركات الكبرى.. حين تتحول المصالح الاقتصادية إلى قرار سياسي
تقدم غواتيمالا عام 1954 نموذجاً تاريخياً واضحاً لتداخل المصالح التجارية مع السياسة الخارجية الأمريكية، فقد أطاحت عملية مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية بالرئيس المنتخب جاكوبو آربينز، بعدما أثارت إصلاحاته الزراعية، التي استهدفت توزيع الأراضي غير المستغلة، معارضة شديدة من شركة الفواكه المتحدة الأمريكية، التي امتلكت مصالح زراعية واقتصادية واسعة في البلاد.
لم يكن الأمر مجرد خلاف على الأراضي، بل كشف كيف يمكن للمصالح الاقتصادية لشركة نافذة أن تتقاطع مع حسابات الأمن القومي والحرب الباردة، لتصبح الديمقراطية نفسها ضحية صراع على النفوذ والثروة.
وفي تشيلي، اتخذ الصراع مساراً مشابهاً، وإن اختلفت تفاصيله، فقد سعت إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى إضعاف حكومة سلفادور أليندي، المنتخب ديمقراطياً، وعملت على تقويض استقرارها، في ظل مخاوف أمريكية من توجهاتها الاشتراكية وسياساتها المتعلقة بتأميم قطاعات اقتصادية، أبرزها النحاس، وفي عام 1973، أطاح انقلاب عسكري بأليندي، وبدأ عهد طويل من الحكم الدكتاتوري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
تكشف هاتان التجربتان أن الحديث عن الديمقراطية لا يكفي لفهم السياسة الأمريكية؛ إذ ينبغي النظر أيضاً إلى المصالح الاقتصادية، ومخاوف الهيمنة، والحدود التي ترسمها واشنطن لما تعتبره مقبولاً في سياسات الدول الأخرى.
النفط.. الثروة التي أشعلت صراعات السيادة
إذا كانت الشركات الكبرى قد شكلت أحد مفاتيح التدخل الأمريكي، فإن النفط كان ولا يزال عنصراً أساسياً في حسابات القوة والنفوذ الدوليين.
في إيران عام 1953، دفع رئيس الوزراء محمد مصدق ثمناً سياسياً باهظاً لمشروع تأميم النفط الإيراني، في مواجهة المصالح البريطانية التي كانت تهيمن على جانب مهم من صناعة النفط في البلاد، وأسهمت الولايات المتحدة وبريطانيا في عملية سرية أدت إلى الإطاحة بحكومته، في واقعة أصبحت من أبرز الأمثلة التاريخية على تدخل القوى الكبرى لمنع مسارات سياسية تهدد مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
لم يكن النفط العامل الوحيد في تلك العملية، فقد تداخلت معه حسابات الحرب الباردة والمخاوف الغربية من اتساع النفوذ السوفييتي، لكن تأميم النفط ظل في قلب الصراع، وأظهر أن امتلاك الدولة ثرواتها لا يضمن لها حرية التصرف فيها عندما تتعارض قراراتها مع مصالح قوى دولية نافذة.
وفي فنزويلا، استمرت المواجهة بين الحكومات التي تبنت سياسات استقلالية في إدارة الثروة النفطية والولايات المتحدة، وسط خلافات أيديولوجية واقتصادية وعقوبات وضغوط سياسية، ولا يمكن اختزال جميع هذه التطورات في النفط وحده، لكن حجم الاحتياطيات الفنزويلية وموقع قطاع الطاقة في اقتصاد البلاد يجعلان المصالح النفطية جزءاً لا يمكن تجاهله من المشهد.
وهنا تبرز المعضلة الكبرى: هل تستطيع الدول امتلاك قرارها الاقتصادي كاملاً، أم أن استقلالها يبقى مشروطاً بمدى توافق سياساتها مع مصالح القوى المهيمنة؟
الشرق الأوسط.. أمن إسرائيل في معادلة النفوذ الأمريكي
في الشرق الأوسط، تتداخل المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن والاستراتيجية والتحالفات العسكرية، ويحتل أمن إسرائيل موقعاً محورياً في السياسة الأمريكية منذ عقود، وقد تجلى ذلك في المساعدات العسكرية الضخمة التي تقدمها واشنطن لإسرائيل، والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجي بين الطرفين، والدعم السياسي الذي وفرته لها الإدارات الأمريكية المتعاقبة في محطات عديدة.
لكن فهم هذه العلاقة لا يعني افتراض وجود سبب واحد خلف كل حرب أو تدخل في المنطقة؛ بل يتطلب قراءة المصالح الأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية لكل حالة.
في العراق عام 2003، شنت الولايات المتحدة غزوها تحت ذرائع تتعلق بأسلحة الدمار الشامل، التي لم يُعثر على مخزون منها على النحو الذي روّجته إدارة جورج بوش، وأدى الغزو إلى إسقاط نظام صدام حسين، وتفكيك مؤسسات الدولة، وفتح الباب أمام سنوات من العنف والاضطراب والتدخلات الخارجية.
وقد رأى محللون أن إضعاف العراق وإخراجه من معادلات القوة الإقليمية أسهم في تغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، غير أن تفسير الحرب يتطلب أيضاً تناول حسابات الإدارة الأمريكية، وتداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وأهداف إعادة تشكيل المنطقة، بدلاً من اختزال قرار الغزو في عامل واحد.
وفي سوريا وليبيا، أدت التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية إلى نتائج كارثية على استقرار الدول ومؤسساتها، وإن اختلفت طبيعة التدخلات ومساراتها من بلد إلى آخر، كما أن المواجهة الأمريكية مع إيران، بما تشمل من عقوبات وضغوط سياسية وأمنية، ترتبط بمخاوف واشنطن من البرنامج النووي الإيراني، ونفوذ طهران الإقليمي، وأمن حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل.
ومن منظور فلسطيني وعربي، يظل السؤال الأساسي: لماذا تحظى الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية بهذا الوزن في الحسابات الأمريكية، بينما تتراجع في كثير من الأحيان حقوق الشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال، أمام المصالح الاستراتيجية والتحالفات السياسية؟
من الانقلابات العسكرية إلى الحروب الاقتصادية
لم تعد أدوات التدخل الخارجي مقتصرة على الانقلابات العسكرية أو إرسال الجيوش، فقد أصبحت العقوبات الاقتصادية، والقيود المالية والتكنولوجية، والضغوط الدبلوماسية، ودعم أطراف سياسية معينة، أدوات مؤثرة في الصراع على السلطة والنفوذ.
غير أن وصف كل عقوبة أو تحرك دبلوماسي أو نشاط لمنظمات المجتمع المدني بأنه جزء من خطة لإسقاط الحكومات لا يستند بالضرورة إلى أدلة، فلكل حالة ظروفها، ويجب التمييز بين التدخل الموثق والاستنتاج السياسي، حتى لا تتحول الحجة النقدية إلى تعميم يضعف مصداقيتها.
ومع ذلك، فإن التجارب التاريخية تؤكد أن القوى الكبرى تستطيع استخدام تفوقها الاقتصادي والعسكري والسياسي للتأثير في خيارات الدول الأضعف، وأن تكلفة هذه السياسات كثيراً ما يتحملها المواطنون، من خلال الفقر والاضطراب وتراجع الخدمات وانهيار مؤسسات الدولة.
الخاتمة: سيادة الشعوب ليست امتيازاً تمنحه واشنطن
من غواتيمالا إلى إيران وتشيلي والعراق، تكشف محطات عديدة من التاريخ الحديث أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية يمكن أن تتقدم على المبادئ المعلنة، وأن الديمقراطية تصبح أحياناً شعاراً انتقائياً عندما تتعارض نتائجها مع حسابات القوى الكبرى.
أما في الشرق الأوسط، فإن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، رغم الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة التي يدفعها الفلسطينيون، يطرح تساؤلات عميقة حول ازدواجية المعايير وحدود الالتزام الغربي بحقوق الإنسان وتقرير المصير.
إن جوهر القضية ليس إنكار حق الدول في حماية مصالحها، بل رفض تحويل هذا الحق إلى مبرر لحرمان الشعوب الأخرى من سيادتها أو فرض مستقبلها عليها بالقوة، فالديمقراطية لا تُقاس بما ترفعه الدول من شعارات، وإنما بمدى احترامها حق الشعوب في اختيار طريقها، حتى عندما لا يتوافق ذلك مع مصالح الأقوياء.
وفي عالم تتصارع فيه الثروات والتحالفات وموازين القوة، تبقى سيادة الشعوب الاختبار الحقيقي لأي نظام دولي يدّعي العدالة؛ لأن السلام الذي يقوم على إخضاع الدول، والديمقراطية التي تُفرض بالقوة، لا يصنعان استقراراً دائماً، بل يؤسسان لصراعات جديدة قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.