
كتبت آمنة الدبش: مع استمرار القيود على دخول السلع وتراجع القدرة الشرائية تواجه العائلات في قطاع غزة أزمة معيشية متفاقمة لا تقتصر على ندرة البضائع بل تمتد إلى ارتفاع أسعارها وتفاوتها بين الأسواق ما يزيد الأعباء على أسر أنهكتها الحرب والنزوح والفقر وأصبحت تكافح يومياً لتأمين أبسط احتياجاتها.
▪︎ أسعار تفوق قدرة المواطنين
لم يعد وصول السلع الأساسية إلى الأسواق كافياً لتلبية احتياجات العائلات في غزة إذ باتت أسعار كثير منها تفوق قدرة شرائح واسعة من المواطنين ومع فقدان مصادر الدخل وتراجع فرص العمل تجد الأسر نفسها أمام معادلة صعبة بين احتياجاتها الضرورية وإمكاناتها المحدودة فتضطر إلى تقليص مشترياتها والاستغناء عن بعض المتطلبات لتتمكن من توفير ما لا يمكن الاستغناء عنه.
وبذلك لم تعد الأزمة تقتصر على نقص السلع في الأسواق بل باتت ترتبط بارتفاع أسعارها مقارنة بمصادر دخل المواطنين المحدودة ما يجعل الحصول على الاحتياجات الأساسية أمراً يفوق قدرة كثير من الأسر حتى في ظل توفرها في الأسواق.
▪︎ تحت وطأة الأزمة
تتحمل الأسر الفقيرة والنازحون العبء الأكبر من الأزمة خصوصاً في ظل محدودية المساعدات وانعدام مصادر الدخل لدى كثيرين وتنعكس هذه الظروف على تفاصيل الحياة اليومية من تأمين الغذاء إلى تلبية احتياجات الأطفال وسط حالة من عدم الاستقرار المعيشي تتفاقم كلما ازدادت الأعباء وتعذّر توفير المتطلبات الأساسية.
ولا تقف المعاناة عند حدود تدبير المصروف اليومي بل تمتد إلى شعور متزايد بالعجز أمام متطلبات الحياة في وقت تحتاج فيه العائلات إلى مقومات تساعدها على الصمود واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار بعد ما خلفته الحرب والنزوح من خسائر وأعباء.
▪︎ احتكار السلع
في ظل شح بعض البضائع ومحدودية المعروض تبرز مخاوف من استغلال حاجة المواطنين عبر حجب السلع عن الأسواق أو تخزينها بهدف طرحها لاحقاً بأسعار أعلى إن ثبت وقوع مثل هذه الممارسات فاحتكار السلع الأساسية في حال حدوثه لا يفاقم أزمة النقص فحسب بل يزيد الضغط على المستهلكين ويجعل الحصول على احتياجاتهم أكثر صعوبة.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع تزداد أهمية التحقق من مصادر النقص في الأسواق ومتابعة حركة تداول السلع وكميات المعروض منها والتعامل مع أي مخالفات تثبتها الجهات الرقابية فحاجة المواطنين إلى الغذاء والمواد الأساسية لا ينبغي أن تتحول إلى فرصة لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب معاناتهم كما أن مواجهة الاحتكار تتطلب إجراءات واضحة تضمن وصول البضائع إلى الأسواق وعدم التلاعب بتوفرها أو أسعارها.
▪︎ تفاوت الأسعار
يواجه المواطنون تفاوتاً في أسعار بعض السلع بين الأسواق والبائعين ما يثير تساؤلات حول أسباب هذه الفروقات ومدى ارتباطها بتكاليف التوريد والنقل والتخزين في ظل القيود المفروضة على دخول البضائع ومحدودية المعروض.
ومن هنا تبرز أهمية توضيح أسباب التفاوت السعر ونشر المعلومات المتعلقة بأسعار السلع الأساسية بما يساعد المستهلكين على المقارنة واتخاذ قرارات الشراء وفق إمكاناتهم كما أن الشفافية في التسعير تمثل خطوة ضرورية للحد من الاستغلال وتعزيز الثقة بين البائع والمستهلك.
▪︎ ضبط الأسواق
تخفيف الأزمة المعيشية يتطلب تحركاً عملياً يبدأ بضمان دخول كميات كافية من السلع وانتظام وصولها بالتوازي مع تكثيف الجولات الرقابية على الأسواق والتحقق من الالتزام بالتسعيرة المعتمدة حيثما وجدت ومحاسبة المخالفين وفق الأنظمة المعمول بها.
كما يمكن أن يسهم نشر قوائم استرشادية بأسعار السلع الأساسية في تمكين المواطنين من معرفة الأسعار المتداولة والإبلاغ عن التجاوزات ومن الضروري أيضاً متابعة المخزون وحركة توزيع البضائع والتأكد من عدم حجبها أو التلاعب بكمياتها بما يضمن وصولها إلى المستهلكين بصورة عادلة.
ولا تقتصر المسؤولية على الجهات المختصة وحدها بل تشمل التجار أيضا من خلال مراعاة الظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطنون والالتزام بممارسات تجارية مسؤولة توازن بين استمرارية النشاط التجاري وحق الناس في الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
▪︎ شبح المجاعة
مع استمرار القيود على دخول الخضروات والفواكه وغيرها من السلع الغذائية الأساسية تتزايد المخاوف من تفاقم الجوع وسوء التغذية في قطاع غزة، خصوصًا مع تراجع الخيارات الغذائية المتاحة وارتفاع كلفة الحصول عليها ويؤدي غياب المنتجات الطازجة إلى تقليص تنوع الغذاء الذي تستطيع العائلات توفيره ولا سيما الأسر الأكثر فقرًا والأطفال الذين يحتاجون إلى غذاء متوازن.
ولا تقتصر خطورة الأزمة على نقص الكميات بل تمتد إلى صعوبة الحصول على غذاء متنوع ومناسب في ظل تراجع القدرة الشرائية وهو ما يجعل ضمان دخول الإمدادات الغذائية بما فيها الخضروات والفواكه بصورة كافية ومنتظمة ضرورة إنسانية ملحة للحد من الجوع وسوء التغذية وتخفيف معاناة السكان.
▪︎ تحذيرات كارثية
وفي ظل التحذيرات المتصاعدة من تفاقم أزمة الجوع في قطاع غزة حذر برنامج الأغذية العالمي من هشاشة الوضع الغذائي واستمرار معاناة مئات الآلاف من انعدام الأمن الغذائي فيما نبّه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أن القيود المفروضة على حركة النقل والإمدادات تهدد بتجدد المجاعة إذ لا يضمن دخول البضائع وصولها إلى المواطنين وفي المقابل صرح رئيس جمعية النقل الخاص في قطاع غزة ناهض شحيبر بأن أزمة الخضروات والخبز ستنتهي مع بداية الأسبوع المقبل ما يضع المواطنين أمام ترقب لانفراج محتمل في توفر السلع الأساسية وسط تساؤلات بشأن انعكاس ذلك على الأسعار والقدرة الشرائية ومدى كفاية الإمدادات لتلبية احتياجات السكان في ظل استمرار الأزمة المعيشية.
▪︎ حق لا يحتمل التأجيل
في قطاع غزة حيث تتراكم آثار الحرب والنزوح والفقر لم تعد أزمة المواطنين مقتصرة على نقص السلع بل باتت مرتبطة أيضا بقدرتهم على الوصول إليها والحصول عليها بصورة عادلة فالسوق الذي يعجز المواطن عن شراء احتياجاته منه لا يحقق الغاية الأساسية من توفر البضائع ولا يلبي حق الأسر في تأمين متطلباتها الضرورية.
إن حماية المستهلك وضمان تدفق السلع ومكافحة الاحتكار وتعزيز الشفافية في التسعير ومحاسبة المخالفين خطوات لا تحتمل التأجيل في ظل الواقع المعيشي الصعب فالتعامل مع الأزمة لا ينبغي أن يقتصر على متابعة ما يعرض على رفوف الأسواق بل يجب أن يشمل التأكد من قدرة المواطنين على الوصول إليه والاستفادة منه.
فلقمة العيش ليست رفاهية والحصول على الغذاء والاحتياجات الأساسية ليس امتيازاً بل ضرورة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقه في الحياة ومن حق كل أسرة في غزة أن تجد احتياجاتها متاحة بأسعار تراعي ظروفها بعيداً عن الاحتكار والاستغلال في وقت لم يعد فيه المواطن يحتمل أعباء إضافية فوق ما خلفته الحرب من معاناة وخسائر.