
وطن للأنباء: من منزل محاصر يتهدده الهدم، إلى مقبرة يُمنع الأهالي من دفن موتاهم فيها، مروراً بأراضٍ زراعية مغلقة ومداخل موصدة وقيود تمنع التوسع العمراني؛ تواجه قرية أم صفا شمال غرب رام الله واقعاً متصاعد الخطورة، في ظل إحاطة المستوطنات والبؤر الاستيطانية بها من مختلف الجهات، وما يصفه رئيس مجلسها القروي مروان صباح بأنه مشروع استيطاني يستهدف السيطرة على أراضي القرية ودفع سكانها إلى الرحيل القسري.
لم تبدأ حكاية أم صفا بإخطار المواطن محمد العبيات "أبو صلاح"، بهدم منزله، فيما كان محاصراً داخل بيته، بعد إقامة المستوطنين خيمة عند مدخل المنزل، فالمنزل الذي يعود بناؤه إلى العام 1954، أي قبل احتلال الضفة الغربية في العام 1967، بات واحداً من عناوين المواجهة المفتوحة على أرض القرية، التي يقول صباح إنها وصلت إلى مرحلة بالغة الخطورة.
ويختصر رئيس المجلس القروي المشهد بالقول إن القرية تواجه مشروعاً استيطانياً كبيراً، وإن ما يجري اليوم يمثل الحلقة الأخيرة في مسار متواصل من السيطرة على الأراضي وتطويق التجمع السكني، في ظل تراجع قدرة الأهالي على الوصول إلى أراضيهم وممارسة حياتهم الطبيعية.
- 4800 دونم.. لم يتبقَّ للأهالي سوى 100 دونم منها !
تبلغ المساحة الإجمالية لأراضي أم صفا نحو 4800 دونم، لكن صباح يقول في حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية إن المستوطنين سيطروا على نحو 4700 دونم، ولم يتبقَّ للأهالي سوى قرابة 100 دونم، تتمركز فيها منازل السكان.
وتحيط بالقرية مستوطنتا "عتيرت" شرقاً و"حلميش" غرباً، فيما يحدها من الجنوب شارع استيطاني التفافي، وتنتشر في محيطها ست بؤر استيطانية، بحسب رئيس المجلس القروي، الذي يشير إلى تسارع التوسع في هذه البؤر، وتحول البؤرة المقامة في منطقة "الراس" إلى مستوطنة آخذة في التوسع، بالتوازي مع التمدد في منطقة وادي الزيتون.
ولا يتوقف الخطر عند الاستيلاء على الأراضي، بل يمتد إلى موقع التجمعات الاستيطانية بالنسبة إلى المرافق المدنية؛ إذ يشير صباح إلى أن البؤرة المقامة في منطقة الراس لا تبعد عن مدرسة القرية سوى نحو 50 متراً، في مشهد يعكس حجم التداخل الذي بات يهدد الحياة اليومية للسكان.
ويقول إن هذه البؤر والتوسعات تستهدف، في المحصلة، ربط مستوطنتي حلميش وعتيرت ببعضهما البعض، وإقامة تجمع استيطاني كبير على أراضي القرية، بما يضيّق الخناق على ما تبقى من الحيز الفلسطيني.
- قرية محاصرة.. خلال السنوات الـ4 الأخيرة لم يتم بناء أي بيت جديد، لا بناء ولا وصول إلى الأراضي الزراعية
ومنذ السابع من تشرين الأول - أكتوبر 2023، أُغلقت مداخل أم صفا، وفق رئيس مجلسها القروي، الذي يؤكد أن القيود المفروضة على الحركة جعلت الوصول إلى القرية والخروج منها أكثر صعوبة، واضطرت العمال والموظفين إلى سلوك طرق التفافية طويلة سيراً على الأقدام.
ولا تقتصر تداعيات هذا الإغلاق على التنقل، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية، وفرص العمل، والوصول إلى الأراضي الزراعية، وتقديم الخدمات البلدية.
وتؤكد تقارير أممية أن إغلاق المدخلين الرئيسيين للقرية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 فاقم عزلتها، وأثر في وصول السكان إلى الرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش
وبموازاة ذلك، تواجه أم صفا قيوداً على البناء والتوسع العمراني؛ إذ يقول صباح إن معظم أراضي القرية مصنفة ضمن المنطقة (ج)، وإن سلطات الاحتلال تمنع البناء فيها، ويقول أيضاً: "لم يتم بناءُ أي بيت جديد في أم صفا خلال السنوات الأربع الأخيرة".
ويحذر من أن حصر مئات السكان في مساحة لا تتجاوز 100 دونم يهدد النمو السكاني الطبيعي، ويحد من قدرة العائلات على التوسع وتوفير مساكن لأبنائها، بما يجعل استمرار الحياة في القرية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ويصف صباح واقع القرية بعبارات تختصر حجم القيود المفروضة عليها: "أحراشنا سجينة، والزيتون سجين، وآبارنا سجينة، ومدرستنا سجينة، ومقبرتنا وحركتنا سجينة ومقيدة".
- حتى المقبرة لم تسلم.. قيودٌ تطال الأحياء والأموات
ومن أكثر جوانب المعاناة قسوة، وفق صباح، الاستيلاء على مقبرة القرية ومنع الأهالي من دفن موتاهم فيها، في انتهاك يمس حق السكان في توديع ذويهم ودفنهم في مقبرة قريتهم.
وتتجاوز هذه المسألة حدود حرية الحركة أو الخلاف على الأراضي، لتطال أحد أبسط الحقوق الإنسانية والاجتماعية، وتضع السكان أمام واقع بالغ القسوة، لا يجدون فيه مساحة كافية للتوسع السكني، ولا يستطيعون الوصول بحرية إلى أجزاء واسعة من أراضيهم، وصولاً إلى حرمانهم من استخدام مقبرتهم.
وفي ظل هذه الظروف، يقول صباح إن المؤشرات مجتمعة تدفع إلى الاعتقاد بأن ما يجري يهدف إلى تهجير الأهالي وفرض واقع استيطاني جديد على الأرض.
- 70% من أهالي القرية متعطلون عن العمل.. والأغنامُ حبيسة الحظائر
يعيش في أم صفا نحو 750 مواطناً، بحسب صبّاح،، الذي يؤكد أن السكان يواجهون أوضاعاً اقتصادية ومعيشية صعبة، مع وصول البطالة إلى نحو 70%، وتراجع القدرة على توفير الخدمات الأساسية، بما فيها تعبيد الشوارع وتمديد شبكات المياه.
ويضيف أن منع الوصول إلى الأراضي الزراعية والرعي ألحق أضراراً بمصادر رزق الأهالي، إذ باتت الأغنام حبيسة الحظائر، مع عدم توافر مساحات كافية للرعي والحاجة إلى الأعلاف والشعير وبالات التبن.
ومن بين المطالب التي يطرحها المجلس القروي ترقيم الأغنام وإثبات ملكيتها للأهالي، خشية الاستيلاء عليها من قبل المستوطنين، مشيراً إلى أن الطلب بهذا الشأن مضى عليه نحو ثلاثة أشهر من دون إنجاز، وفق إفادته، رغم التواصل مع مديرية الزراعة بمحافظة رام الله والبيرة.
وتتضاعف الأعباء في ظل محدودية الموارد والإمكانات المتاحة للمجلس القروي، الذي يقول إنه عاجز عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان في ظل الحصار وتراجع مصادر الدخل، ما يجعل توفير الدعم المعيشي والخدماتي ضرورة ملحة لتعزيز صمودهم.
- "اتركونا نشرب".. رسالة أهالي أم صفا إلى سلطة المياه
ولا تقف المخاوف عند الأراضي والسكن وسبل العيش؛ إذ يحذر صباح من إجراءات تتعلق بخط المياه الرئيسي المغذي للقرية، قائلاً إن سلطة المياه بصدد قطعه، وإن المجلس القروي طالب مراراً بلقاء رئيس سلطة المياه، وقدم عريضة إلى المحافظة قبل نحو أسبوع للمطالبة بالتدخل ووقف الإجراءات التي يرى أنها تقوض الوجود الفلسطيني في أم صفا.
ويشير إلى أن المخطط المطروح، يرتبط بإقامة مشروع مياه كبير تكون القرية آخر نقطة فيه، محذراً من خطورة قطع الخط الرئيسي أو تغيير ترتيبات تزويد القرية بالمياه، دون ضمان استمرار وصولها إلى السكان.
ويطالب صباح بتدخل عاجل لمعالجة الملف، وضمان عدم المساس بإمدادات المياه، باعتبارها خدمة أساسية لا يمكن فصلها عن قدرة السكان على البقاء في قريتهم.
- "نحن 750 مواطن فقط ولن نرحل، رغم كل الضغوط والظروف لن نرحل"
وعلى الرغم من حجم الضغوط، يتمسك أهالي أم صفا بالبقاء في قريتهم، ويرفضون مغادرتها تحت وطأة القيود والاستيطان والظروف الاقتصادية الصعبة.
ويقول صباح: "نحن 750 مواطن فقط ولن نرحل، رغم كل الضغوط والظروف لن نرحل".
ويضيف، في تأكيد على ارتباط السكان بأرضهم: "لم يتبقَّ لنا شيء، ولم يعد أمامنا أي خيار إلا الصمود، ولا يوجد لنا مكان إلا قريتنا، مكاننا الطبيعي هو أم صفا".
ويشدد على أن الأهالي بحاجة إلى تدخلات عاجلة على مختلف الأصعدة، تشمل الدعم والإسناد والحماية وتعزيز الصمود، مشيراً إلى وعود تلقاها المجلس القروي عقب زيارة وفد حكومي، ويأمل أن تتحول إلى خطوات عملية تلبي احتياجات السكان.
وتشمل الأولويات، وفق صباح، توفير الدعم للأسر المتضررة ومربي الأغنام، وتأمين الأعلاف، ومعالجة أزمة المياه، وتحسين الخدمات الأساسية، إلى جانب التحرك لحماية الأراضي والممتلكات ومنع الاستيلاء عليها.
وفي قرية تتقلص فيها المساحة المتاحة للسكن، وتُغلق مداخلها، وتُحاصر أراضيها الزراعية، ويُمنع أهلها من الوصول إلى مقبرتهم، تبدو معركة أم صفا أبعد من حدود الجغرافيا؛ إنها معركة على شروط البقاء والحياة اليومية، وعلى حق السكان في التمسك بأرضهم وقريتهم.
ويختتم صباح موقفه بالتأكيد: "لن نخرج ولن نرحل.. لن نخرج إلا إلى المقابر فقط، حتى النفس الأخير"، في عبارة تختصر إصرار الأهالي على البقاء، رغم ما يواجهونه من ضغوط وتحديات.