محمود كلّم يكتب لوطن: أشرف دبور… ودّع الشهداء وغادر إلى المجهول

22/10/2026

زار أشرف دبور قبور الشهداء قبل أن يغادر.

ربما كان يعلم أن بعض الوداعات لا تحتاج إلى كلمات، وأن هناك أناساً لا يستطيع الإنسان أن يودّعهم إلا بالوقوف أمام قبورهم، صامتاً، عاجزاً عن شرح ما جرى.

وقف في مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية في منطقة دوار شاتيلا، أمام الذين سبقوه إلى الرحيل، ثم غادر هو أيضاً، لكن الفرق أن الشهداء غادروا إلى التاريخ، محمّلين بالمجد، بينما غادر أشرف دبور إلى المجهول.

لم تكن تلك الزيارة مجرد وداع عابر، ولا محطة أخيرة لرجل يغادر مكاناً عاش فيه سنوات طويلة. كانت في معناها الأعمق، زيارةً إلى الذاكرة؛ إلى رفاق السلاح والشهداء الذين تركوا أسماءهم على حجارة المقابر، وبقيت حكاياتهم معلّقة في ذاكرة شعبٍ أنهكته الخيبات.

ذهب أشرف دبور إلى مقابر الشهداء، وكأنه أراد قبل الرحيل أن يمرّ على الذين لم يخذلوه.
ثم توجّه إلى مطار بيروت الدولي وغادر.

وتبقى الروايات كثيرة حول ما جرى، وحول التسوية التي قيل إنها حصلت بين الدولة اللبنانية وسلطة رام الله والسفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور، وحول وجهته المقبلة، وما إذا كان إبعاده إلى بلغاريا نهاية القصة أم بداية فصل أكثر قسوة.

ولا أحد يستطيع أن يجزم بما ينتظر أشرف دبور، لكن الخوف حاضر.

فالذاكرة الفلسطينية لا تنسى ما جرى مع الشهيد عمر النايف، ولذلك فإن أي حديث عن مستقبل دبور خارج لبنان يفتح أبواب القلق والأسئلة والهواجس.

هل سيكون الرحيل مجرد رحيل؟ أم أن الرجل الذي غادر بيروت سيجد نفسه أمام مصير لم يختره؟

لقد بدأ الخلاف، بحسب ما يُتداول في الأوساط الفلسطينية، منذ زيارة محمود عباس إلى بيروت في أيار/مايو 2025، وما رافقها من قرار يتعلق بسلاح المخيمات. وهو قرار قيل إن دبور وقيادات في المخيمات عارضوه، قبل أن تتوالى التطورات وتتزايد الضغوط باتجاه تسليم السلاح، ولو في إطار شكلي.

وفي نهاية الطريق، غادر أشرف دبور، وبقيت الأسئلة معلّقة، لكن أكثر ما يوجع في هذه الحكاية ليس الطائرة التي أقلّت الرجل، ولا البلد الذي سيستقبله، ولا حتى المصير الذي قد ينتظره.

الأوجع هو السؤال:
كيف يغادر رجلٌ أمضى عمره في خدمة قضية، ثم يجد نفسه وحيداً في آخر الطريق؟

لم يكن أشرف دبور عابراً في المشهد الفلسطيني في لبنان، بل كان واحداً من الذين عاشوا سنوات القضية بكل أثقالها، وعرفوا قسوة الحياة في المخيمات، وخبروا أحوال أهلها، وعرفوا شهداءها وأوجاعها.

وعندما جاءت لحظة الرحيل، بدا المشهد كأن الرجل أصبح وحيداً، إلا من قلة قليلة جداً من الأوفياء.

لم تخذله السلطة التي خدمها طوال عمره فحسب، بل خذله أيضاً كثيرون ممن أحاطوا به في أيام القوة والنعمة.

فالسلطة قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، والمواقف قد تنقلب، لكن الخذلان الذي يأتي من القريب يبقى أشد قسوة من أي عدو بعيد.

والحزن الحقيقي ليس على أشرف دبور وحده، بل على شعب فلسطيني في لبنان يشعر، مرةً بعد مرة، بأنه يُترك وحيداً أمام القرارات التي تُتخذ باسمه، بينما يدفع هو وحده ثمنها.

الحزن على مخيمات لم تطلب سوى أن تعيش بأمان، وعلى لاجئين يحملون مفاتيح بيوتهم القديمة، انتظاراً للعودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها قسراً، ويُطلب منهم في كل مرة أن يدفعوا ثمن صراعات لا يملكون قرارها.

والحزن الأكبر أن بعض أبناء المخيمات ما زالوا يصفقون لمن خذلهم، ويظنون أن التصفيق للسلطة يحميهم من نتائج قراراتها.

لكن التاريخ لا ينسى، ولا المقابر تنسى.
لهذا ذهب أشرف دبور إلى الشهداء قبل أن يغادر؛ إلى الذين لا يطلبون منه منصباً، ولا ولاءً، ولا توقيعاً، ولا موقفاً سياسياً. ذهب إلى من لا يستطيعون أن يقولوا له: ارحل.

بين قبور الشهداء، ربما شعر الرجل أن هناك من يفهمه دون أن يسأله كيف وصل إلى هذه النهاية.

غادر دبور لبنان، لكن ألم الحكاية بقي، معلّقاً بين خذلانٍ لا يُنسى وغيابٍ يترك خلفه ألف سؤال.

بقي السؤال معلّقاً في سماء بيروت:
هل كانت هذه نهاية رجل، أم نهاية مرحلة؟

وبقي خوف آخر، أكثر مرارة؛ أن نسمع يوماً خبراً عن أشرف دبور يجعلنا نندم لأننا لم نرفع أصواتنا عندما كان الوقت ما زال متاحاً.

آمل ألا يلقى مصير عمر النايف.
آمل أن يكون الطريق الذي سلكه آمناً، وأن تكون هذه الصفحة مجرد صفحة حزينة في حياة رجل، لا مقدمة لفاجعة جديدة.

فالفلسطينيون في المخيمات تعبوا من الفواجع. تعبوا من أن يكونوا وقوداً للخلافات، ومن أن تُتخذ القرارات فوق رؤوسهم، ومن أن يدفعوا ثمن الولاءات والتحالفات والانقسامات.

وتعبوا قبل كل شيء، من أن يأتي الخذلان دائماً من الذين يُفترض أنهم الأقرب.

أشرف دبور غادر، أما الذين بقوا، فعليهم أن يسألوا أنفسهم:
كم أشرف دبور يجب أن يغادر، وكم خذلاناً يجب أن نعيش، قبل أن نفهم أن القضية لا تُحمى بالتصفيق… وأن المخيم لا يحميه إلا أهله؟