
كتب: د. أمجد دويكات
لماذا نستأسد على سعر لتر الزيت الذي ينتجه المزارع الفلسطيني، ونصمت عن مليارات تُنفق على سلع أخرى؟ وهل العدالة السعرية مبدأ نحترمه مع الجميع، أم سيفٌ نشهره في وجه الحلقة الأضعف؟
هناك سؤال يستحق أن يُطرح بصوت مرتفع في السوق الفلسطيني: لماذا تتحول أسعار المنتجات الزراعية المحلية إلى قضية رأي عام، وتُرفع في وجه المزارع شعارات الرحمة بالمستهلك والعدالة السعرية، بينما تمرّ فواتير السجائر والمحروقات بمليارات من الأسئلة المؤجلة، أو بعشرات الآلاف من الشواكل التي تدفعها الأسر سنويًا، دون أن تحظى بالقدر نفسه من الغضب الشعبي؟
هل العدالة السعرية مبدأ اقتصادي ثابت، أم سيف يُشهر عندما يكون البائع مزارعًا فلسطينيًا ضعيف القدرة على الدفاع عن نفسه، ثم يُعاد إلى غمده عندما يتعلق الأمر بقطاعات اعتاد السوق أسعارها وهوامشها وتكاليفها؟
هذا ليس دفاعًا أعمى عن كل سعر يطلبه المزارع، ولا اتهامًا مسبقًا لكل تاجر. إنه اعتراض على ازدواجية المعايير، وعلى اختزال الاقتصاد في مطالبة الحلقة الأضعف بتحمل الخسائر، وكأن المزارع الفلسطيني خُلق ليزرع ويتعب ويخاطر، ثم يعتذر للمجتمع لأنه يريد أن يبيع محصوله بسعر يحفظ كرامته ويغطي تكاليفه.
أولًا: عندما يصبح المزارع وحده متهمًا برفع الأسعار!
المزارع الفلسطيني لا يزرع في مختبر اقتصادي معزول عن الواقع. إنه يعمل تحت ضغط الاحتلال، والقيود على الحركة والوصول إلى الأراضي، وارتفاع تكاليف المدخلات والنقل والطاقة، ومخاطر الطقس، وتذبذب الإنتاج، وصعوبة الوصول إلى بعض الأسواق. وفي موسم الزيتون تحديدًا، لا تقتصر المخاطر على الاقتصاد؛ فقد يواجه المزارع الاعتداء على أشجاره أو منعه من الوصول إلى أرضه أو خسارة محصول انتظره عامًا كاملًا.
وقد وثّقت تقارير حديثة، من بينها تقرير لوكالة رويترز في أيلول 2026، تدمير أشجار زيتون فلسطينية قبيل موسم القطاف. وهذه ليست مجرد خسارة في عدد الأشجار؛ إنها خسارة في رأس المال الزراعي، وفي دخل الأسرة، وفي فرص العمل، وفي قدرة الأرض على الإنتاج مستقبلًا.
ومع ذلك، عندما تصل السلعة إلى السوق، قد يُختصر كل هذا التعقيد في جملة واحدة: ليش غالي؟ أنداري!! سؤال مشروع، لكنه ليس كافيًا. السؤال المهني الحقيقي هو: كم كلّف الإنتاج؟ وكم بلغت تكلفة القطاف والعصر والنقل والتعبئة والتخزين؟ وما نسبة الفاقد؟ وكم حلقة مرت بها السلعة قبل أن تصل إلى المستهلك؟ ومن الذي حصل على الحصة الأكبر من القيمة النهائية؟
من يريد محاسبة السعر، عليه أن يحاسب سلسلة القيمة كاملة، لا أن يضع المزارع وحده في قفص الاتهام.
ثانيًا: السجائر والمحروقات وزيت الزيتون... أين تقف العدالة؟
لنقارن بين ثلاث سلع مختلفة في طبيعتها، لكنها تجتمع في حقيقة واحدة:
المواطن الفلسطيني يدفع مقابلها أموالًا حقيقية من دخله المحدود.
السجائر منتج استهلاكي ضار بالصحة، والمحروقات ضرورة يومية للنقل والعمل والإنتاج، وزيت الزيتون منتج زراعي فلسطيني يحمل قيمة غذائية وثقافية واقتصادية، ويشكّل مصدر رزق لآلاف الأسر. لا يجوز اقتصاديًا أن نتعامل معها وكأن تكاليفها أو أسواقها متطابقة. فالمحروقات ترتبط بالاستيراد والضرائب والتسعير والتوزيع، والسجائر تخضع لاعتبارات ضريبية وصحية وتجارية، بينما يتأثر زيت الزيتون بالموسم والإنتاجية وجودة المحصول وتكاليف العصر والتعبئة والتخزين وهوامش الوسطاء.
لكن اختلاف طبيعة السلع لا يبرر اختلاف معيار العدالة. فإذا كنا نطالب بالشفافية في تسعير زيت الزيتون، فعلينا أن نطالب بها في القطاعات الأخرى أيضًا. وإذا كنا نرفض استغلال حاجة المستهلك، فعلينا أن نرفض استغلال حاجة المزارع إلى السيولة بعد موسم طويل من العمل. ولننظر إلى الصورة من زاوية إنفاق الأسرة، باستخدام مثال حسابي توضيحي، لا باعتباره متوسطًا رسميًا للإنفاق الفلسطيني:
• السجائر: من يشتري علبة يوميًا بسعر افتراضي قدره 30 شيكلًا ينفق 10,950 شيكلًا سنويًا.
• المحروقات: أسرة تنفق 1,000 شيكل شهريًا على الوقود تدفع 12,000 شيكل سنويًا.
• زيت الزيتون: أسرة تشتري 20 لترًا سنويًا بسعر افتراضي قدره 35 شيكلًا للتر تدفع 700 شيكل سنويًا.
في هذا المثال، يبلغ الإنفاق السنوي على السجائر نحو 15.6 ضعف الإنفاق على الزيت، بينما يبلغ الإنفاق على المحروقات نحو 17.1 ضعفًا.
هذه الأرقام ليست مسحًا وطنيًا، ولا تثبت أن جميع الأسر تنفق بهذه الطريقة، كما أنها لا تقارن أحجام الأسواق الوطنية؛ إنها توضح كيف يمكن أن تتفاوت فواتير الاستهلاك السنوية داخل الأسرة الواحدة.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش يبقى قائمًا: لماذا لا نناقش بنية الإنفاق الاستهلاكي بالجدية نفسها التي نناقش بها سعر لتر الزيت؟ ولماذا لا نطالب ببيانات سنوية واضحة تُظهر إجمالي ما ينفقه الفلسطينيون على السجائر والمحروقات، وما يصل في المقابل إلى المنتج الزراعي المحلي؟
المقارنة العادلة هنا ليست بين عدد اللترات وعدد العلب، بل بين شفافية التسعير، وعدالة توزيع القيمة، وقدرة كل طرف على حماية مصالحه.
ثالثًا: من يربح من زيت الزيتون؟ المزارع أم السوق؟
في التسويق، لا تتحدد عدالة السعر من خلال الرقم النهائي وحده؛ بل من خلال العلاقة بين القيمة المقدمة والتكاليف والمخاطر وهوامش الربح عبر سلسلة التوريد.
قد يكون ارتفاع سعر زيت الزيتون مبررًا في موسم ضعيف الإنتاج، أو عندما ترتفع تكاليف القطاف والعصر والتعبئة، أو عندما تكون الجودة مرتفعة. وقد يكون السعر مبالغًا فيه في حالات أخرى. ولا يمكن إصدار حكم مهني على أي حالة من دون بيانات.
لكن المعضلة التي تستحق التدقيق تبدأ عندما يتحمل المزارع مخاطر الإنتاج، ثم يبيع محصوله تحت ضغط الحاجة إلى السيولة، بينما يستطيع بعض الوسطاء والتجار الانتظار أو التخزين أو الوصول إلى أسواق أوسع.
هنا ينبغي أن نسأل: هل يحصل المزارع على حصة عادلة من السعر النهائي؟ وهل توجد شفافية كافية في أسعار الشراء من المزارعين وأسعار البيع للمستهلكين؟ وهل يستطيع المنتج الصغير الوصول إلى المستهلك مباشرة؟ وهل توجد منافسة حقيقية، أم أن بعض حلقات السوق تمتلك قوة تفاوضية أكبر بكثير من غيرها؟
لا يجوز أن نُدين كل وسيط، فالتخزين والنقل والتعبئة والتوزيع خدمات لها تكاليف ومخاطر حقيقية. لكن لا يجوز أيضًا أن نعتبر كل هامش ربح عادلًا لمجرد أنه تحقق في السوق.
السعر العادل ليس السعر الذي يرضي المشتري وحده، ولا السعر الذي يطلبه البائع دون مساءلة؛ إنه السعر الذي يمكن تفسيره بالتكلفة والقيمة والمنافسة وتوزيع المخاطر.
رابعًا: ظلم ذوي القربى أشد مضاضة!
الاحتلال يفرض على الاقتصاد الفلسطيني قيودًا وأعباءً لا يمكن تجاهلها. لكن مواجهة هذه القيود لا تعفينا من مساءلة اختلالات السوق الداخلية. فحين يُحاصر المزارع بقيود الوصول إلى أرضه، ثم يُضغط عليه عند البيع، ثم يُلام أمام المستهلك لأنه لم يبع محصوله بسعر منخفض، فإننا نضيف إلى الخسارة الاقتصادية خسارة أخلاقية.
وحين يشتري المستهلك زيتًا مستوردًا أو محليًا دون معلومات واضحة عن المصدر والجودة والسعر، ثم يتحول النقاش إلى اتهام جماعي للمزارعين، فإن المشكلة لم تعد في السعر وحده؛ بل في غياب المعلومات التي تسمح بحكم عادل.
الأخطر أن يتحول التضامن مع المنتج الفلسطيني إلى شعار موسمي يُرفع عند الحديث عن الأرض والهوية، ثم يختفي عندما يحين وقت دفع ثمن محصوله.
لا يمكن أن نطالب المزارع بالبقاء في أرضه، ثم نطالبه في الوقت نفسه بتحمل كل كلفة البقاء وحده. ولا يمكن أن نحتفي بشجرة الزيتون بوصفها رمزًا للصمود، ثم نتعامل مع صاحبها كما لو أن عمله لا يستحق عائدًا اقتصاديًا منصفًا.
لا تطلبوا من المزارع أن يكون خط الدفاع الأول عن الأرض، ثم تجعلوا منه الحلقة الأخيرة التي تتحمل خسائر السوق.
خامسًا: ماذا نريد بدلًا من الشعارات؟
نريد عدالة سعرية قابلة للقياس، لا غضبًا انتقائيًا. نريد نشر بيانات موثوقة عن تكاليف الإنتاج الزراعي، وأسعار شراء المحاصيل من المزارعين، وأسعار البيع للمستهلكين، وهوامش التوزيع حيثما أمكن قياسها.
نريد مقارنة سنوية موحدة للإنفاق الفلسطيني على السجائر والمحروقات وزيت الزيتون، اعتمادًا على بيانات الاستهلاك والكميات والأسعار الفعلية، لا على التخمينات أو الأرقام المتداولة بلا مصدر.
نريد تعاونيات زراعية، وتسويقًا مباشرًا، وعقودًا أكثر شفافية، وأدوات تخزين وتمويل تساعد المزارع على ألا يضطر إلى بيع محصوله تحت ضغط الحاجة العاجلة للنقد.
ونريد من الجهات الرقابية أن تحمي المستهلك من الغش والتلاعب والاحتكار، وأن تحمي المنافسة، من دون أن تجعل انخفاض السعر هدفًا منفصلًا عن استدامة الإنتاج المحلي.
فالسعر المنخفض ليس إنجازًا اقتصاديًا إذا كان ثمنه إفلاس المنتج، كما أن السعر المرتفع ليس دليلًا على الظلم ما لم نعرف كيف تكوّن، ومن استفاد منه، وهل تبرره التكلفة والجودة وظروف السوق.
من يحمي من يحمي أرضنا؟
هذه ليست دعوة إلى أن يدفع المستهلك أي سعر يطلبه المزارع. إنها دعوة إلى أن نكف عن مطالبة المزارع وحده بتقديم التنازلات باسم العدالة، وأن نُخضع جميع حلقات السوق للمعيار نفسه.
إذا كنا نهتم فعلًا بالمستهلك، فعلينا أن نهتم أيضًا باستمرار الإنتاج المحلي، لأن القضاء على قدرة المنتج على الاستمرار لن يخفض الأسعار إلى الأبد؛ بل قد يجعلنا أكثر اعتمادًا على الخارج، وأكثر تعرضًا لتقلبات التوريد والأسعار.
وإذا كنا نهتم بالمزارع، فلا يكفي أن نشتري منه بدافع العاطفة، بل علينا أن نبني سوقًا تمنحه فرصة عادلة، وتمنح المستهلك معلومات واضحة، وتكافئ الجودة، وتحاسب الاستغلال أينما وُجد.
أما العدالة السعرية التي تتذكر المشتري عندما يكون البائع مزارعًا، وتنسى السؤال عن بنية الأسعار والإنفاق في بقية القطاعات، فليست عدالة مكتملة؛ إنها معيار مزدوج يحتاج إلى مراجعة.
فلسطين لا تحتاج إلى مديح شجرة الزيتون فقط؛ تحتاج إلى سوق يحفظ قيمة الزيت، وكرامة المزارع، وحق المستهلك في سعر عادل.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي أضعه أمام التجار والمستهلكين والجهات الرقابية وصنّاع القرار:
هل نريد سوقًا فلسطينيًا عادلًا للجميع، أم نريد مزارعًا يتحمل مخاطر الاحتلال والإنتاج والتسويق، ثم نطالبه وحده بأن يدفع ثمن العدالة من جيبه؟