
كيف يستطيع الإنسان أن يقابل المعروف بكل هذا الجحود؟ كيف ينسى من آواه حين ضاقت به الأرض، وأطعمه حين جاع، وعالجه حين مرض، ومنحه سقفا يحميه من البرد والتشرد، ومساعدات تعينه على الحياة بعدما فقد القدرة على تدبير أموره؟ كيف ينسى من فتح له أبوابا حين أغلقت الأبواب في وجهه، ثم يرد له الجميل بالنهب والسرقة والتخريب؟
لقد فتحت فرنسا وإيطاليا وغيرهما من الدول الأوروبية أبوابها لكثيرين فروا من الاضطهاد والحروب والاعتقالات والضياع، فمنحتهم فرصة للعيش بأمان وكرامة، ووفرت لهم العلاج والتعليم والمساعدات والسكن وفق القوانين المعمول بها. ولم يكن ذلك أمرا هينا، بل جهدا تتحمله مجتمعات يعمل أبناؤها ويدفعون الضرائب ويبنون مستقبلهم بتعب سنوات طويلة.
فكيف يقابل بعض الناس كل هذا بالعنف وقلة الاحترام؟ من أعطاهم الحق في اقتحام المتاجر ونهب الأموال وسلب ممتلكات الآخرين؟ من أعطاهم الحق في تدمير أرزاق أناس ربما قضوا عمرهم كله يعملون حتى يتمكنوا من فتح متجر صغير يؤمن لهم ولأبنائهم حياة كريمة؟
من حق الإنسان أن يعترض، وأن يتظاهر، وأن يرفع صوته مطالبا بحقوقه، لكن ليس من حقه أن يسرق أو يخرب أو يعتدي على أرزاق الناس. فالاحتجاج حق، أما الاعتداء على الآخرين فليس حقا، والغضب لا يمنح أحدا رخصة للنهب.
تخيلوا امرأة تقف أمام متجرها، تتوسل إلى مجموعة من الأشخاص ألا يدخلوا، وألا ينهبوا ما تملك، فيتجاوزون توسلاتها ويقتحمون باب رزقها أمام عينيها. تخيلوا حجم القهر الذي تشعر به وهي ترى تعب عمرها يسرق في دقائق، وهي التي ربما دافعت يوما عن حقوق اللاجئين، وساندت حقهم في الحياة الآمنة، وآمنت بأن من فر من الخوف يستحق أن يجد الأمان.
كم ستكون خيبة أملها كبيرة! كيف ستنظر غدا إلى أولئك الذين كانت تدافع عن حقهم في البقاء، بعدما أصبح بعضهم سببا في تدمير مصدر رزقها؟ وماذا ستقول لنفسها حين تتذكر أنها دافعت عن إنسانية أشخاص لم يحترموا إنسانيتها؟
ثم نسأل: لماذا توجد العنصرية؟ ولماذا تتغير نظرة بعض الأوروبيين إلى اللاجئين؟
العنصرية لا تولد دائما من فراغ؛ أحيانا يغذيها الخوف، وأحيانا تصنعها التجارب المؤلمة، وأحيانا نمنحها نحن أسبابا جديدة حين نسيء إلى من احتضنونا. حين يسرق شخص متجر امرأة، لا يسيء إليها وحدها، بل يزرع الشك في نفوس أناس لم يعرفوا عنه شيئا، ويجعل اللاجئ المحترم يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها.
وهذا لا يبرر العنصرية، لكنه يفسر كيف تتسع مساحتها حين تتكرر الاعتداءات ويشعر الناس بأن أمنهم وممتلكاتهم لم تعد محمية كما ينبغي.
والأشد إيلاما أن يتحدث بعض هؤلاء باسم الإسلام، فيكبرون ويحرمون ويحللون، فيحرمون ما حرمه الله من الطعام، ثم يستبيحون أموال الناس بالسرقة والنهب والاحتيال واستغلال القوانين. أي تدين هذا الذي يعرف صاحبه ما يضعه في فمه، ولا يعرف حرمة ما تمتد إليه يده؟ وأي إيمان هذا الذي يغيب عنه العدل والأمانة حين يصبح مال الآخرين في متناول يده؟
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «رفقا بالقوارير»؟ فأين الرفق حين تقف امرأة مذعورة تتوسل إلى المعتدين ألا يهدموا مصدر رزقها؟ وأين الرحمة حين يرون خوفها ودموعها ولا يتوقفون؟
الإسلام ليس شعارات ترفع، ولا مظهرا يتباهى به الإنسان، بل أخلاق وأمانة واحترام لحقوق الآخرين. ومن يرتكب هذه الجرائم لا يمثل المسلمين الذين يحترمون دينهم ومواثيقهم وجيرانهم، لكنه، بأفعاله، يشوه صورة الإسلام وصورة اللاجئين جميعا، ويفتح الباب أمام أحكام ظالمة تطال الأبرياء.
ولعل أخطر ما في هذه المشاهد أنها تجعل شعوب الدول المضيفة تتساءل: لماذا استقبلناهم؟ وهل كان قرار فتح الأبواب صائبا؟ وهذا سؤال مؤلم، لأن من يدفع ثمنه في النهاية ليس المعتدي وحده، بل أيضا كل لاجئ شريف جاء يبحث عن الأمان، ويحترم البلد الذي احتضنه، ويريد أن يعيش فيه بكرامة.
ألم نتعلم من تجارب بلدان أخرى؟ ألم ندرك أن إثارة الفوضى وتدمير الممتلكات قد تقلب الرأي العام، وتدفع الحكومات إلى تشديد قوانين الهجرة واللجوء؟ إن ما يفعله بعض المخربين قد يصبح حجة يستخدمها من يطالبون بإغلاق الأبواب في وجه الجميع.
ومن حق الدول أن تحمي أمنها، وأن تطبق قوانينها، وأن تحاسب كل من يثبت تورطه في التخريب والنهب والعنف. ومن حقها أيضا أن تراجع وضع من تثبت قانونا عدم أحقيته في البقاء، وفق الإجراءات والضمانات القانونية. أما الترحيل الجماعي لمجرد المشاركة في مظاهرة سلمية أو بسبب الهوية، فليس عدلا؛ فالمحاسبة يجب أن تكون على الفعل، لا على الأصل أو الدين.
إن اللجوء ليس امتيازا يتيح لصاحبه أن يفعل ما يشاء، بل مسؤولية أيضا. من حقك أن تطالب بحقوقك، لكن عليك أن تحترم حقوق غيرك. ومن حقك أن تحافظ على هويتك ودينك، لكن ليس من حقك أن تجعل منهما غطاء لظلم الآخرين.
كيف نطلب من العالم أن يتعاطف مع معاناتنا، ثم لا نتعاطف مع معاناة امرأة ينهبون متجرها؟ كيف نطلب الأمان لأنفسنا، ثم نسلبه من أصحاب الأرض؟ وكيف نطلب الاحترام، بينما لا نحترم تعب غيرنا ولا ممتلكاتهم ولا قوانين البلاد التي آوتنا؟
إن المعروف لا يفرض على الإنسان أن يعيش مدينا لمن أحسن إليه إلى الأبد، لكنه يفرض عليه ألا يقابل الإحسان بالأذى، وألا يحول يد المساعدة إلى يد يطعنها بالخذلان.
فمن لا يحترم البلد الذي آواه، ولا يصون أمان الناس الذين فتحوا له أبوابهم، عليه أن يراجع نفسه قبل أن يطالب الآخرين باحترامه. ومن يختار الجريمة، فعليه أن يتحمل عواقبها أمام القانون.
فهل جزاء الإحسان أن ينهب صاحبه؟ وهل يكون رد الجميل أن ندمر بيوت من احتضنونا؟
أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يرفضه الآخرون حين يحتاج إليهم، بل أن يفتح لهم قلبه وبيته، ثم يكتشف أنهم حولوا ثقته بهم إلى خيبة لا تنسى.